القائمة الرئيسية

الانسداد المذهبي وآليات التغيير- ايمان شمس الدين

06-03-2019, 18:53 الانسداد المذهبي وآليات التغيير\ ايمان شمس الدين
 
 
كتب:إيمان شمس الدين
 
التراكم التاريخي للتراث دونما محاولة حقيقية للمراجعة والمواكبة جدية تواجه كل محاولات الإرهاب الفكري والعلمي والقتل الاجتماعي ، وتكريس الماضوية التراثية على الحاضر بحجة الدفاع عن النص على حساب الإنسان ، والجنوح نحو التشدد والغلو والتكفير دونما محاولة جريئة للمراجعة والغربلة من قبل المرجعيات الدينية والعلماء والمسؤولين لكل تراثنا النصي الديني وتاريخنا المثقل بالتقديس غير الشرعي ولا الالهي بل بالمقدسات البشرية غير المعصومة ، والمثقل بالعصبيات بكافة أشكالها وانتماءاتها علي حساب الحق والحقيقة ، كل هذا التراكم دونما مراجعة نعيش اليوم محصلته وثمراته ونتائجه من تطرف بلغ الذروة وتشدد بلغ بنا حد الانسداد والتوقف دونما قدرة على التقدم، بل وصل بنا إلى الانسلاخ الحضاري والنزوح نحو الهاوية بالهوية واستبدالها بهوية متطرفة تحت سياط الارهاب بالقتل وصيحات الله أكبر واستسلام العلماء والنخب أمام رغبة الجمهور ورغباته الغرائزية بعد ليل طويل من الظلم والديكتاتورية تواطأت معها عقلية القبيلة وفقهاء السلطة فشرعنت الظلم باسم الدين،فبات الظلم يتراكم في قلوب الجماهير حتى انفجرت وباتت تميل مع كل راية ترفع شعار التحرير ومواجهة الظلم والديكتاتورية أمام مشهد دموي يعكس مازرعته الديكتاتوريات الظالمة في نفوس تلك الجماهير من ظلم وفرعونية تحصدها اليوم .
 
لا ندعي اليوم أننا نطرح تشخيصا جديدا للتاريخ ، ولا ندعي أننا نقرأ قراءة جديدة لمشهد من مشاهده ولا لحقبة من حقباته ، ولا ندعي اكتشافنا لكنز من كنوزه ولا لسنة من سننه، بل ندعي أننا أمام مداولة للأيام بين الناس تعيد صناعة الحدث الماضي في لحظة تاريخية جديدة عصرية ومشاهد متكررة من عمق التاريخ في عصرنا الحالي، فنحن أمام لحظات تاريخية حاسمة في إنقاذ الحق والحقيقة، لحظات تحتاج وقفة ونهضة بل ثورة نقدم لأجلها القرابين والشهداء لأجل انكشاف الواقع وغربلة التراث وإعادة النظر في النص الديني، بل وقفة حقيقية تعيد النظر في ماهية الدين وحقيقة دوره وحدود هذا الدور في الحياة الإنسانية ،وحدود دور الإنسان في الدين ، وحاجة الإنسان للدين ودور العقل فيه وكيفية التعاطي مع التراث والنص الديني، وهل الدين مذاهب بل هل الاسلام دين المذاهب، ولا ندعي أنه طرح جديد، بل هو طرح قديم يحتاج تجديد أمام لحظات الانسداد التاريخي التي نعيشها تحت سياط القتل والتكفير والدعشنة باسم الدين التي تستلهم وجودها من التاريخ والتراث والماضوية المتحجرة بغياب واضح للعقل.
 
إن استسلام النخب والعلماء من كاقة المذاهب أمام هذا الاستلاب للنص والعقل والتاريخ والحضارة على أيدي قطاع طرق متعطشين للدماء ، هو خيانة عظمى لله ولشريعته على الأرض بل للإنسانية والإنسان، وهو انعتاق من مسؤولية تاريخية عظيمة تتطلب تضحية حتى بالنفس لأجل قول الحقيقة والحق في وجه التاريخ والتراث وكل الكهنوتيين الذين يمارسون دور الرب . 
 
إن دعشنة الفكر والخيارات السياسية سيكرس تدريجيا في ذهنية الجمهور الذي تم تعبأته مذهبيا كونه الخيار الوحيد المتاح أمامه  لظنه أنه سيرفع الظلم الذي وقع عليه من قبل الحكومات ، مع تراجع النخب السنية المعتدلة أمام إرهاب التعصب المذهبي الجماهيري ودعمه بسطوة إعلامية تكرس ثقافة الدعشنة والظاهرة الداعشية الناتجة عن قراءة النص بجمود والعيش في دهاليز الماضي وخبايا التاريخ التي لم تغربل حكايا التراث والتاريخ بموضوعية بعيدا عن العصبيات المذهبية وثقافة الغلبة .
 
اليوم لا ندعي اكتشاف ما لم يكتشفه أحد ولا تسليط الضوء على بقعة ضوء خافية عن السابقين والحاضرين، بل في كل حقبة زمنية كان هناك انسدادات تاريخية تصدى لها رجال مصلحون من كافة المذاهب ،امتلكوا الجرأة وتسلحوا بالصدق مع الذات والسعي للحقيقة كما هي لا كما نريد، واليوم نحن أمام انسداد تاريخي جديد يعيدنا إلى ذكريات الكهنوت الديني في العصور الوسطى  ومحاكم التفتيش التي ارتكبت مجازر إنسانية بحجة الدفاع عن الله وتطبيق شرعه على الأرض.
 
وحينما وصلوا إلى لحظات الانسداد الديني خرج من رحم الكنيسة مارتن لوثر  القص الذي تلمس الخلل وواجهه كاستشهادي فجر قنبلته التغييرية في وجه الكهنوت والتراث ، ونحن هنا لسنا في صدد المقارنة لوجود فارق ولكننا نقارب بعض المفارقات والمواقف التاريخية المتشابهة في السلوك والمنهج وإن اختلفت في التأسيسات والمبدأ.
 
 
ايمان شمس الدين
شارك