القائمة الرئيسية

يوم طلب العرب من العراق خوض الحرب ضد إيران- فاضل الربيعي

10-04-2019, 19:46 يوم طلب العرب من العراق خوض الحرب ضد إيران\ فاضل الربيعي

 ليس في ما أكتبه – هنا- أيّ رأي سياسي أو "موقف". إنه ببساطة خلاصة للحظة لقاء جمعتني ذات يوم بشخص عارف ببواطن الأمور. في عام 1978 وفي أعقاب طرد مصر من الجامعة العربية إثر توقيعها إتفاقية "كامب ديفيد" ، انعقدت في بغداد القمة العربية الشهيرة "قمة بغداد". في هذا الوقت ( تشرين ثاني/ نوفمبر) تداول العراقيون شعاراً ساخراً، سرعان ما أصبح على كل لسان: "أهلاً بالأشقياء العرب" بديلاً من عبارة "الأشقاء العرب". كان تعبير " الأشقياء" أي البؤساء، تعبيراً يختزن بقوة، كل المشاعر الشعبية المتأججّة بالغضب من الأدوار الهزيلة التي يلعبها العرب في المسرح الإقليمي والدولي في هذا الوقت، وهذا شعور حقيقي لا يزال حتى اليوم، يشكل وجدان المواطنين العرب من الخليج إلى المحيط. سوف أنقل- هنا- بأمانة وقائع كنتُ شاهداً عليها قبل ثلاثة عقود. في هذا الوقت، كانت الثورة الإيرانية في أعلى درجات الغليان في المرجل الجماهيري. تنادى القادة العرب تحت ضغط هذا المرجل، لأجل "لملمة" العالم العربي بإعادة مصر إلى الجامعة العربية، لعلها تكون المعادل الموضوعي لصعود إيران جديدة وثورية. وكان هذا أمراً مثيراً للسخرية: وهل يمكن لمصر التي ارتبطت آنئذٍ بمعاهدة سلام مع إسرائيل، أن تكون مرتكزاً لمقاومة إيران ثورية تطرد إسرائيل من سفارتها وتعطيها للفلسطينيين؟ في عصر يوم 5 تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1978 كنت أعمل في صحيفة ثقافية إسبوعية يصدرها الحزب الشيوعي العراقي باللغتين العربية والكردية. ومع أنني لم اكن أشغل أي منصب قيادي، فقد كنت أحتفظ بصداقات رائعة مع قادة الحزب. فوجئت عصر ذلك اليوم بزيارة نادرة يقوم بها الوزير الشيوعي المرحوم عامر غبد الله عضو المكتب السياسي للحزب لمقر الصحيفة. كان عامر عبد الله وزير دولة في حكومة الرئيس أحمد حسن البكر، وهو بإجماع كل من عرفه من العرب والأجانب، أحد أبرز المفكرين الماركسيين العراقيين على المستوى السياسي. كنت بمحض الصدفة في مكتب الإستعلامات عندما دخل. تصافحنا وتعانقنا، سألني بلطفٍ جم وتواضع: هل تغديتم. أنا جائع. الآن عدت من المكتب. لم أذهب إلى البيت للغداء. فقلت مُبتسماً : أهلا بك رفيق. سأطلب الغداء حالاً. بعد الغداء وحين ذهب الجميع إلى مكاتبهم لمواصلة العمل في الصحيفة، جلستُ استمع إليه. قال لي: أنت نحيف جداً، ومع هذا تدخن كما لو أنك رجل موفور الصحّة. فقلت مازحاً: هذا لأنني متفائل فقال : أوف. أنا على العكس، متشائم جداً. في ذلك النهار سمعت من الراحل عامر عبد الله، الوزير والكاتب والقاص والسياسي البارع بعض ما جرى في كواليس قمة بغداد. قال لي حرفياً، وأنا هنا أنقل بأمانة تامّة ما سمعته منه: أمس كنت في مكتب الرئيس البكر، طلب رؤيتي على وجه السرعة. أنتم الكتّاب لا تعرفون ماذا يجري في الكواليس. السياسيون يعرفون الأسرار والحقائق. الرئيس يتعرض لضغوظ عربية مخيفة. لقد شكا لي أن بعض القادة العرب يضغطون عليه لشن حرب على إيران. الحرب؟ هذا مريع. من مثلاً؟ لا تسألني من فقط لأجل الفضول؟ كثيرون. دعك من هذا، الرئيس البكر يشعر بالقلق. هناك ضغط هائل، ربما بعضهم نقل إليه رسائل من الأميركيين. لهذا السبب أنا قلق أيضاً؟ فقلت على الفور: وماذا كان ردّ الرئيس البكر؟ في عصر ذلك اليوم روى لي الراحل عامر عبد الله – رحمه الله- أن الرئيس البكر قال لبعض ضيوفه من القادة العرب الذين ضغطوا عليه لشن حرب إستباقية على إيران، تقطع الطريق على "ثورة الخميني" في الشرق العربي، أن العراق لن يفعل ذلك أبداً. لقد رفض بشدّة فكرة شن الحرب. قال لهم: أنا عسكري وأعرف معنى الحرب، وقد درسنا في التاريخ أن العراق لم يقم قط ولا في أي وقت من التاريخ بغزو إيران. أنتم تعلمون أن فارس القديمة غزت العراق واحتلت بابل. لكن العراق لم يقم في أي وقت بإحتلال طهران. نحن بلد صغير وإيران جارتنا، ولذا لا يمكن لي أن أسمح لجيشي بغزو بلد هو أكبر مساحة وأكثر عدداً في السكان.هذا مستحيل. العراق لا يستطيع شن الحرب على إيران. أنا رجل عسكري وأعرف معنى الحرب. بعد عام واحد فقط من هذا اللقاء، كانت الجبهة الوطنية التي جمعت الشيوعيين والعراقيين قد إنهارت. غادر عامر عبد الله سّراً إلى موسكو، ورفض العودة إلى بغداد برغم كل المناشدات له. في 16 تموز/ يوليو 1979، كنت أختبيء في منزل صديق بشارع فلسطين في قلب بغداد، هرباً من البطش والقمع. لم يعد لدي أي إتصال بقادة الحزب. في ذلك المساء من يوم 16 تموز/ يوليو كنتُ أشاهد التلفاز في الصالة مع صديقي الذي تقبّل على مضض إستضافتي، عندما شاهدتُ الرئيس البكر وهو يعلن أنه يسلمّ رتبته العسكرية ومنصب الرئاسة وقيادة حزب البعث لنائبه ( صدام صدام حسين). كان من الواضح أن الطريق إلى الحرب تطلبت تنظيم عملية "إزاحة" لكل الكوابح. إلتفت إليّ صديقي وسألني مندهشا: بربك قلْ لي ماذا يجري؟ فقلت ببرود: غداً، أو غداً، أو غداً، سوف تندلع الحرب. كل غدٍ قادم سوف يحمل هذا النبأ. بعد عام واحد فقط – في خريف 1980- إندلعت الحرب. قد يسخر المرء مما يشاهده من "ضغوط" ومناورات، هنا أو هناك، وربما يستبعد هذا الاحتمال أو ذاك، لكن التاريخ قد يضعنا أمام الإحتمال الأكثر رجحاناً. وللتاريخ، وكما أخبرني الراحل عامر عبد الله، الوزير الشيوعي، فقد كان الرئيس البكر يفتش عن أي سبب للتهرّب من "توريطه" بشن الحرب.

إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي إضاءات وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
شارك