القائمة الرئيسية

هذه ليست عُمان التي نعرفها- زاهر بن حارث المحروقي

11-04-2019, 08:04 هذه ليست عُمان التي نعرفها\ زاهر بن حارث المحروقي
أصبحنا هذه الأيام، نضع أيدينا على قلوبنا، أمام كلِّ تصريح يدلي به معالي يوسف بن علوي؛ لأننا لا نعلم القنبلة التي سيفجِّرها في تصريحه، بعد أن كثرت قنابله، خاصةً فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية، التي ستظل عادلة حتى قيام الساعة. وقد أساءت بعض تصريحاته لعُمان، ومسحت كلَّ الصورة الطيبة التي تكوّنت لعُمان خلال الخمسين عامًا الماضية؛ بل شوّهت حتى السمعة العمانية الطيبة عبر التاريخ، حيث جاهد العمانيون وطهّروا المنطقة كلها من البصرة إلى زنجبار من الاستعمار البرتغالي؛ فأصبحت النتيجة الآن أنّ اسم عُمان يُلاك في كلِّ مكان مرادفًا للخيانة!.
كانت قنبلة ابن علوي - التي لن تكون الأخيرة على الأرجح - هي التي فجّرها على شاطئ البحر الميت في الأردن، السبت الماضي، السادس من إبريل 2019، عندما لم يكتف بالمساواة بين الجلاد والضحية فقط؛ بل أيضا قلّب الحقائق، بأن وضع الجلاد – وهو جلادٌ من طراز خاص في التاريخ الإنساني – مكان الضحية، وجعل من الضحية جلادًا؛ عندما قال: "إسرائيل ورغم كلِّ قوتِها ليست مطمئنة على مستقبلها ولا تشعر بالأمان؛ لأنها ليست دولة عربية، وتعيش في محيط عربي ومحاطة بـ400 مليون شخص، وليست مطمئنة من استمراريتها في المنطقة، وأنا أعتقد أننا كعرب علينا النظر في ذلك، ونحتاج أيضًا لوضع نهاية لهذه المخاوف؛ وهذا يجب أن يتم بأخذ إجراءات واتفاقات حقيقية بيننا كدول عربية".
بالتأكيد؛ إنّ معاليه يعلم تمامًا - وهو الذي تحدّث عن معايشته للحروب العربية الإسرائيلية، كإنسان عربي ومسلم وكمسؤول – أنّ إسرائيل رغم قوتها لا تشعر بالأمان، ليس لأنها محاطةٌ ب400 مليون شخص عربي كما قال معاليه؛ وإنما لأنها كيانٌ مصطنع، وضعه الاستعمار البريطاني للتخلص من اليهود في بريطانيا وفي أوروبا، وهو كيانٌ قام على أساس قتل وتشريد أصحاب الأرض الحقيقيين، الذين يحقّ لهم أكثر من غيرهم الحديث عن قضيتهم. وهذا وحده سببٌ كاف لئلا يعيش الكيان الصهيوني باطمئنان. فما الذي زرعه وسط العرب ووسط 400 مليون نسمة؟!. لذا يحاول هذا الكيان أن يتغلغل داخل الأوطان العربية، بزرع عملائه حتى يصلوا إلى الشعوب العربية ببساطة، لأنّ ال70 عامًا الماضية، لم تستطع أن تغيّر من القناعات الشعبية العربية، ممّا يؤكد أنّ الموقف الشعبي العربي كان دائمًا، أكثر وعيًا وفهمًا وإخلاصًا، من المسؤولين العرب ومن الحكومات العربية، التي أعطت الشرعية للكيان الصهيوني، بفشلها في الداخل، وتهافتِها فيما بعد إلى الكيان الصهيوني، معتقدةً أنّ بيد إسرائيل كلّ الحلول الاقتصادية وغيرها.
وما قاله الوزير بن علوي، يُظهر وكأنه يشهد أمام الله، أنّ الفلسطينيين ومَن حولهم من العرب، هم من أخطأ بحق إسرائيل، وأنّ إسرائيل حليمة، فهي دائمًا تصفح عنهم رغم يدها الطولى، وتجعلهم يذهبون طلقاء، رغم انتصارها وقدرتها على الانتقام!!. 
لن يجادل أحدٌ في التفوق الإسرائيلي على العرب في مجال العلوم والتكنولوجيا والفنون والثقافة والطب والقوة العسكرية؛ فهذه أصبحت حقيقة، ولكننا نستطيع أن نجادل أن ذلك لم يتم إلا بسبب فشل الأنظمة العربية في مجاراة إسرائيل، رغم ما حبا الله الأمة من الأموال، التي كانت قادرة أن تجعل من الشعوب العربية أرقى الشعوب في العالم تطورًا وتفوقًا في كلّ المجالات، إلا أنّ هذه الأموال ذهبت سدى، في جيوب شرذمة تملك المال والسلطة؛ فأضحت الأوطان العربية مزارع خاصة، وأصبحت الشعوب مجرّد عبيد وخدم، عليهم أن يأكلوا ويشربوا، ثم يسبّحوا بحمد جلاديهم. لذا فإنّ ما أشار إليه معاليه بأنّ: "الإسرائيليين كانوا قادرين على الحصول على كلِّ شيء من المجتمع الدولي، من الدعم السياسي، إلى الدعم الاقتصادي، والدعم العسكري؛ ما يعني أنه وبالمحصلة هذا يعني أنهم يمتلكون كلَّ المقومات للضغط على الزناد والحصول على كلِّ مصادر القوة"، هذا واقع بالفعل، ولكن لماذا لم يستطع العرب أن يحصلوا على ما حصلت عليه إسرائيل؟ فأين كان الخطأ؟. الخطأ واضحٌ جدًا؛ هو أنّ الفرق بين المسؤولين الإسرائيليين والعرب يكمن في أنّ الإسرائيليين مخلصون لقضيتهم ولشعبهم، لا فرق بين إسحاق شامير أو إسحاق رابين أو كلِّ الإسحاقات؛ أما العرب فهم مشغولون بنهب الثروات، وباضطهاد الشعوب؛ فيما تشهد إسرائيل انتخاباتٍ حرةً وتغييرًا في  الحكومات، ويُحاسب مسؤولون عن الفساد، فيُسجن رئيس وزرائها؛ أما العرب فلا يعرفون شيئًا عن الانتخابات؛ فيجلس المسؤول على كرسيّه سنوات طويلة، يجمع فيه المال، ويقمع  موظفيه، ويدوس على كلِّ مبدع، خوفًا من أن يحتل كرسيَّه يومًا ما، وكأنه خُلق للكرسيّ والكرسيّ خُلق له. 
ولكن مهما امتلكت إسرائيل من مصادر القوة، ومن قنابل ذرية؛ فهذا لن يعطيها الإطمئنان، لأنّ وجودها في الأساس هو وجود خاطئ، والإسرائيليون يعرفون تلك الحقيقة تمام المعرفة.  
السؤال المطروح الآن – على ضوء تصريحات ابن علوي – هو هل تغيرت المواقف العمانية؟ وما هو الذي جعل عُمان تتسابق لتسويق وفرض الكيان الصهيوني؟ وما هي مصلحتنا في ذلك؟ وهل نحن أصلا من دول المواجهة؟!
هناك تحليلاتٌ كثيرة، تناولت تغيَّر الموقف العماني – حتى وإن أنكر المسؤولون  وجود أيّ تغيير في السياسة العمانية -، منها كما رأى البعض، أنّ الوضع الاقتصادي متأزمٌ جدًا في الداخل، فيما يتربص الجيران بعُمان، وهم لا يخفون الآن مطامعهم. وعُمان لا تستطيع أن تقف أمام ذلك، لذا فكان التوجّه إلى الكيان الصهيوني. هذا التحليلُ تناوله الناس في مجالسهم الخاصة، خاصةً بعد زيارة نتنياهو لعُمان في أكتوبر من العام الماضي 2018. وأيًا كان، سواء كان التحليل صحيحًا أم لا فإنّ الرهان على الكيان الصهيوني، هو رهانٌ خاسر؛ فالمطلوب هو تقوية الجبهة الداخلية وهي الجبهة التي أمامها الكثير من التحديات، ولن يتم ذلك بالميل إلى الصهاينة على حساب الفلسطينيين. وهناك حقيقة هي أنّ الدول العربية وخاصة الخليجية، أكثر تهافتًا إلى إسرائيل، ولكنها لم تستفز شعوبها، بتصريحاتٍ مثل التصريحات العلوية، التي من شأنها  أن تثير تذمرًا عامًا عند الناس، قد لا تستطيع الدولة أن تسيطر عليه؛ فمعظم النار من مستصغر الشرر. وها أنا ذا قد بلّغت.
إذا لم نستطع مساندة الفلسطينيين، فعلينا على الأقل أن نتركهم لقضيتهم، بدلا من أن نعمل ضدهم ونسوِّق لصفقة القرن، ونحن أصلا بعيدون عن القضية، فتلك مهمة غيرنا؛ والفلسطينيون هم أصحاب الشأن، وهم – رغم كلِّ الصعوبات – القادرون على الصمود، فكلّ تلك الأرواح الزكية التي ذهبت لن تضيع عند الله. وأجدني أميل إلى رأي صديقي الذي أرسله لي وهو: " ربكم سهّل عليكم أيها العرب النصر على إسرائيل. فلا يلزمكم لنيله سوى استمرار الصد عن الصهاينة، وأن تقولوا لهم: (لا نحبكم) فقط. بغير حبكم لهم هم لا يقدرون على النوم إلا وبنادقُهم في رقابهم، بينما أنتم نيام في بلهنية. ومن لم ينفعه قليل الحكمة ضره كثيرها". ثم لا يجب علينا أن نضحك على أنفسنا بأننا قادرون على إيجاد حل للقضية.
إننا نحتاج الآن إلى سنوات، قبل أن نعيد بناء تلك السمعة الطيبة لعُمان، والتي يبدو أنها قد ذهبت؛ فالمواقفُ التي نشاهدها الآن تدلُّ على أنّ هذه ليست عُمان التي نعرفها.
 
 
إن الآراء المذكورة في هذه المقالة لا تعبّر بالضرورة عن رأي إضاءات وإنما تعبّر عن رأي صاحبها حصراً
شارك