منوعات
"وحدهم يعبرون الجسر للبشير عبيد" الشعر في مواجهة النسيان وامتحان الذاكرة
شلكر زلوم
16 تشرين الأول 2026 , 18:51 م

شاكر زلوم / رئيس التحرير

ثمة كتب شعرية تتجاوز حدود التعبير عن التجربة الذاتية، فلا تكتفي بتسجيل انفعالات الشاعر إزاء العالم، بل تتخذ من الكتابة موقفاً من الإنسان والتاريخ، ومن الأسئلة التي تظل مفتوحة كلما بدا أن الواقع يمضي نحو مزيد من القسوة والالتباس. ومن هذا الأفق يمكن الاقتراب من الديوان الجديد «وحدهم يعبرون الجسر» للشاعر التونسي البشير عبيد، الصادر عن منشورات كناية في ستوكهولم، في كتاب ورقي يقع في مائة صفحة من القطع المتوسط، بالتزامن مع إتاحته إلكترونياً، إلى جانب طبعة ورقية موازية مخصصة لتونس.



يشكّل هذا الإصدار محطة جديدة في تجربة شعرية انشغلت بأسئلة الإنسان والوجود والواقع العربي، وراكمت، على امتداد سنوات طويلة، اهتماماً بالتحولات التي تصيب الفرد والمجتمع، وبما تتركه الوقائع التاريخية من آثار في الوعي والذاكرة. وإذا كان عنوان الديوان يفتح منذ البداية باب التأويل، فإن تقديم الناقد العراقي حكمت الحاج يضيء جانباً من أفقه الإنساني، مشيراً إلى العلاقة بين العبور والذاكرة والمنفى، وإلى مسؤولية القصيدة في مواجهة النسيان ومقاومة محو آثار الضحايا.

لا يبدو الجسر، وفق هذا المنظور، مجرد معبر يصل بين ضفتين، ولا العبور حركة محايدة تختصر المسافة بين مكانين؛ إنه صورة مكثفة لوضع الإنسان حين يجد نفسه في مواجهة تاريخ مضطرب وواقع يفرض عليه مواصلة السير، من دون ضمانات بشأن الوجهة التي ينتظرها. ومن هنا تنبع أهمية الديوان، بما يتيحه عنوانه وتقديمه من إمكانات لقراءة الشعر بوصفه محاولة لاستعادة المعنى في عالم تتعرض فيه الذاكرة الإنسانية لاختبارات متلاحقة.

الجسر بوصفه سؤالاً إنسانياً: العبور بين الذاكرة والمنفى

تتجاوز دلالة الجسر في عنوان الديوان وظيفته المكانية المباشرة، لتلامس تجربة الإنسان الذي يعيش بين ماضٍ يصعب الانفصال عنه ومستقبل لا يملك ضماناته. فالعبور، في هذا المعنى، ليس انتقالاً سهلاً من وضع إلى آخر، بل تجربة تتداخل فيها الخسارة بالأمل، والذاكرة بالقلق، والرغبة في النجاة بالخوف من أن يتحول ما حدث إلى واقعة منسية لا تستدعي استعادة أو مساءلة.

وتكتسب عبارة «وحدهم يعبرون الجسر» دلالتها من التوتر الذي تقيمه بين العبور والوحدة. فالإشارة إلى جماعة من العابرين لا تلغي عزلة الأفراد، بل تضعهم أمام مصائر تتقاطع من دون أن تتطابق. لكل إنسان حكايته الخاصة، غير أن التجارب الفردية قد تلتقي عند حدود الاقتلاع وفقدان المكان واضطراب العلاقة بالماضي. وهنا يغدو العبور امتحاناً للقدرة على الاحتفاظ بالذاكرة ومواصلة الحياة، من دون التفريط في الحق في تسمية الأشياء بأسمائها.

إن المنفى، وفق هذا الأفق، لا يقتصر على مغادرة الجغرافيا أو الابتعاد عن الوطن؛ فقد يتحول إلى تجربة داخلية يعيشها الإنسان حين تنقطع صلته بمكانه، أو عندما يجد أن العالم الذي عرفه قد تغير إلى حد يصعب معه استعادته. وقد يحمل المرء وطنه في ذاكرته، وفي تفاصيل حياته اليومية، وفي الأسماء التي يخشى أن تختفي، وفي اللغة التي تمنحه القدرة على استحضار ما غاب. لذلك لا يكون المكان مجرد مساحة للإقامة، بل جزءاً من تكوين الإنسان ووعيه بذاته.

من هذه الزاوية، يتيح عنوان الديوان التفكير في العلاقة بين المكان والهوية، وفي ما يحدث للإنسان حين يصبح العبور ضرورة لا اختياراً. فالجسر يصل بين ضفتين، لكنه يكشف أيضاً عن المسافة الفاصلة بينهما، وعن هشاشة الوضع الذي يجد العابر نفسه فيه. وقد لا تكون الضفة الأخرى نهاية الرحلة، بل بداية لأسئلة جديدة تتصل بالانتماء والذاكرة وإمكان استعادة الاستقرار.

و لا تكمن أهمية هذا المدخل في اختزال الديوان في معنى واحد، بل في الكشف عن الطاقة التأويلية التي يحملها عنوانه، وما يفتحه من آفاق لقراءة التجربة الإنسانية بعيداً عن الأحكام الجاهزة. فالشعر، حين يلامس مثل هذه الأسئلة، لا يقدم إجابات نهائية، وإنما يعيد النظر في علاقتنا بما نظنه مألوفاً، ويتيح لنا تأمل التجربة الإنسانية بما تنطوي عليه من تناقضات ومفارقات.

القصيدة وذاكرة الضحايا: الكتابة في مواجهة محو الإنسان

تحتل الذاكرة موقعاً مركزياً في الأفق الذي يكشف عنه تقديم حكمت الحاج للديوان. فالكتابة، وفق هذا المنظور، ليست استعادة للماضي بدافع الحنين إليه، و إنما مقاومة لتحويل الوقائع المؤلمة إلى أحداث عابرة تفقد أسماء أصحابها وخصوصية تجاربهم. وحين يتعرض الإنسان للاقتلاع من أرضه، لا تتوقف خسارته عند حدود المكان، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة التي كانت تمنح وجوده معناه، وإلى الروابط التي تصل الفرد بعائلته ومحيطه وتاريخه.

من هنا تبرز مسؤولية القصيدة في مواجهة النسيان. فهي لا تستطيع إعادة البيوت التي تهدمت أو محو آثار الفقد، لكنها تملك قدرة أخرى تتمثل في إبقاء التجربة الإنسانية حاضرة في الوعي، ومنع اختزال الضحية في رقم عابر ضمن سجل الوقائع. فالكلمات، حين تستعيد الإنسان في فرديته وكرامته وحقه في الذاكرة، تقاوم محوه من الحكاية، وتعيد الاعتبار إلى ما تحاول الكوارث أن تدفعه إلى الهامش.

وتتضاعف أهمية هذا المعنى في واقع عربي ما تزال فيه قضايا الأرض والتهجير والاقتلاع تطرح أسئلة أخلاقية وتاريخية لا يمكن تجاوزها. فالإنسان الذي يفقد بيته لا يفقد جدراناً وسقفاً فحسب، بل يفقد جزءاً من شبكة العلاقات التي تشكل حياته، ومن ذاكرة المكان التي تمنحه الشعور بالاستمرارية. وقد تظل هذه الذاكرة حاضرة حتى بعد الابتعاد عن الأرض، حاملةً صور الحياة السابقة وأسماء الأمكنة وتفاصيلها الصغيرة التي لا تستطيع الخرائط وحدها حفظها.

و في هذا الإطار، تكتسب إشارة الناقد إلى محو الاسم دلالة تتجاوز النسيان الفردي. فالاسم إحدى العلامات التي تحفظ حضور الإنسان في العالم، ومحوُه يعني تعريض صاحبه لخسارة رمزية جديدة تضاف إلى ما تعرض له من خسارات واقعية. وحين تختفي الأسماء من الحكاية، يصبح من السهل تسوية الفروق بين تجارب متباينة، أو عرض الأحداث كما لو كانت وقائع بلا مسؤوليات أو نتائج إنسانية.

في مواجهة هذا الاحتمال، تستعيد القصيدة حق الإنسان في أن تكون له حكايته، وأن تبقى تجربته قابلة للرواية والتأمل والمساءلة. ولا تتأتى قوة الشعر هنا من إطلاق الشعارات، بل من قدرته على منح المعاناة الإنسانية معناها، ومقاومة البلادة التي قد تصيب الوعي حين تتكرر المآسي حتى تبدو مألوفة. فحين يتحول الألم إلى خبر عابر، تصبح الكتابة مطالبة باستعادة الإنسان الذي يقف خلف الخبر، وإعادة طرح السؤال عمّا يحدث له وما يتركه ذلك من آثار في مصيره.

و لعل هذا ما يمنح العلاقة بين الشعر والذاكرة أهميتها الخاصة؛ فالقصيدة لا تنافس الوثيقة في تسجيل الوقائع، ولا تحل محل البحث التاريخي، لكنها تضيء ما قد تعجز الأرقام وحدها عن التعبير عنه: التجربة الداخلية للإنسان، وما يختزنه الفقد من أسئلة حول الكرامة والعدالة والمعنى. وبذلك تصبح الكتابة فعلاً معرفياً وأخلاقياً، يرفض الفصل بين التعبير الجمالي ومسؤولية النظر إلى العالم.

البشير عبيد و مسيرة الكلمة الحرة: الشعر في أفق الفكر و الثقافة

يأتي ديوان «وحدهم يعبرون الجسر» ضمن تجربة إبداعية وإعلامية تمتد لأكثر من ثلاثة عقود، جمع خلالها البشير عبيد بين الشعر والكتابة الصحفية والبحث في قضايا الفكر والثقافة والنقد. وقد أتاح له هذا الامتداد متابعة التحولات التي عرفها المشهد العربي، والاقتراب من أسئلة الإنسان والحداثة والوعي، من موقع الكاتب المستقل الذي يرى في الكتابة وسيلة لفهم الواقع ومساءلة ما يعتريه من تغيرات.

و كان ديوانه «رياح المشهد»، الصادر سنة 2011، محطة سابقة في مسيرته الشعرية، إلى جانب مخطوطات شعرية غير منشورة ومشاريع أخرى تتصل بالفكر و المعرفة والأدب والرواية العربية والحداثة والتنوير. ويكشف هذا التنوع عن اهتمام لا يحصر الإبداع في جنس أدبي واحد، بل ينظر إلى الكتابة بوصفها مجالاً تتفاعل فيه التجربة الجمالية مع الأسئلة الفكرية والثقافية.

و لا يعني هذا التداخل أن الشعر يتحول إلى مقالة فكرية، أو أن القصيدة مطالبة بتقديم أطروحات مباشرة؛ فخصوصية الكتابة الشعرية تظل مرتبطة بقدرتها على بناء صورها وإيقاعاتها وعلاقاتها اللغوية، وتحويل التجربة إلى شكل فني يحتفظ باستقلاله. غير أن انشغال الشاعر بقضايا الإنسان والتاريخ يمنح تجربته أفقاً يتجاوز حدود الاعتراف الذاتي، ويفتحها على أسئلة تتصل بالمصير الفردي والجماعي.

تبرز أهمية هذا المسار في الجمع بين العمل الصحفي والاهتمام الثقافي والشعري. فالصحافة تتيح متابعة الوقائع والتحولات ومساءلة الخطابات السائدة، فيما تمنح الكتابة الفكرية مجالاً لتحليل المفاهيم ومراجعة الأفكار، ويتيح الشعر الاقتراب من المناطق التي تتداخل فيها المشاعر والتجارب والذاكرة. ومن شأن هذا التفاعل أن يوسّع أفق الكاتب، شريطة أن يحتفظ كل مجال بخصوصيته وأدواته التعبيرية.

في هذا السياق، يكتسب صدور الديوان عن منشورات كناية، بصيغتيه الورقية والإلكترونية، أهمية تتصل بإتاحة الكتاب أمام قراء في أماكن مختلفة، وفتح مسارات جديدة لتداول الشعر العربي خارج الحدود الجغرافية المعتادة. كما تضيف لوحة الفنان التشكيلي التونسي الدكتور خليل قويعة بُعداً بصرياً إلى الإصدار، فيما يمنح تقديم الناقد العراقي حكمت الحاج الكتاب مدخلاً نقدياً يساعد على استكشاف بعض أسئلته ومقارباته.

و لا تقتصر أهمية هذه التفاصيل على الجانب التعريفي بالإصدار، بل تذكّر بأن الكتاب الشعري يصل إلى القارئ عبر شبكة من الجهود الإبداعية والثقافية، تتكامل فيها الكتابة والتشكيل والنقد والنشر. فالحياة الثقافية لا تقوم على إنتاج النصوص وحده، وإنما تحتاج أيضاً إلى فضاءات تتيح لها الوصول إلى القراء، وإلى حوار نقدي يفتح أمامها إمكانات القراءة المتجددة.

بالإمكان النظر إلى «وحدهم يعبرون الجسر» بوصفه إضافة جديدة إلى مسيرة البشير عبيد ومشروعه الذي تتجاور فيه الكتابة الشعرية مع الاهتمام بأسئلة الفكر والثقافة. و يتيح هذا الإصدار للقارئ الاقتراب من عالم يضع الذاكرة والإنسان في مركز الاهتمام، ويعيد طرح السؤال عن دور الأدب في زمن تتسارع فيه الأحداث، وتتراجع فيه أحياناً القدرة على الإصغاء إلى التجارب الفردية التي تقف وراءها.

إن الرهان الذي يطرحه هذا الأفق لا يتعلق بقدرة الشعر على تغيير الوقائع مباشرة، وإنما بقدرته على مقاومة اختزال الإنسان في صورة واحدة، وإبقاء الأسئلة مفتوحة أمام الوعي. فحين تصبح الكتابة مناسبة للتفكير في مصائر البشر، وفي العلاقة بين المكان والهوية، وبين التاريخ والذاكرة، فإنها تستعيد دورها بوصفها ممارسة جمالية ومعرفية في آن واحد.

إن «وحدهم يعبرون الجسر» يفتح، من خلال عنوانه وتقديمه، باباً للتأمل في مصير الإنسان الذي يواصل عبوره على الرغم من الخسارات، وفي ذاكرته التي تقاوم التلاشي، وفي القصيدة التي تحاول منح التجربة صوتاً يتجاوز حدود اللحظة العابرة. ومن هذه الزاوية، تتصل دلالات الديوان بمسيرة شاعر جعل من الكلمة مجالاً للتعبير والتفكير، ومن الكتابة طريقاً لمساءلة العالم واستعادة المعنى.

فالجسور لا تختصر المسافات دائماً، والعبور لا يضمن الوصول إلى نهاية آمنة، لكنهما يكشفان عن قدرة الإنسان على مواصلة الرحلة وحمل ذاكرته معه، حتى في أكثر اللحظات التباساً. أما الشعر، فلا يعد بإلغاء المأساة، لكنه يستطيع مقاومة تحويلها إلى أمر مألوف، والحفاظ على اسم الإنسان وحكايته وحقه في أن يُرى ويُسمع.

و لعل القيمة الأعمق للكتابة تكمن هنا: في أن تظل وفية للإنسان حين يصبح عرضة للنسيان، وأن تحمي الذاكرة من الاختزال، وأن تذكّر بأن عبور الجسر ليس مجرد انتقال بين ضفتين، بل مواجهة مستمرة مع التاريخ وما يتركه في حياة البشر من أسئلة لا تنتهي.