كتب الأستاذ حليم خاتون: هل هي بداية نظام عالمي جديد ونهاية فتوى؟
مقالات
كتب الأستاذ حليم خاتون: هل هي بداية نظام عالمي جديد ونهاية فتوى؟
حليم خاتون
17 آذار 2022 , 18:15 م

كما كل شيء في هذا الكون الذي يجري لمستقر له...

كذلك هي البشرية... تعيش متنقلة من نظام إلى نظام في حركة متواصلة يبدو أن لا نهاية لها إلا بفرض عدالة كونية لكل الشعوب، وإلا، سوف نظل ننتقل من حرب إلى حرب، بعد فترات استراحة قد تطول أو تقصر...

منذ اليوم الأول لوجود البشر، والصراعات لا تنتهي، حتى تبدأ صراعات جديدة رغم معرفة الجميع أن الاستقرار والسلام لا يمكن أن يقوم إلا على أسس متينة ينتفي فيها الظلم، وتسود العدالة الكونية التي تحتضن كل البشر بغض النظر عن اللون والعرق والجنس...

في لغة الأفراد، يسمى هذا الصراع طمع دفع قابيل و هابيل إلى الاقتتال حتى الموت...

في لغة الامم، يسمى هذا مصالح، وضمانات أمنية واقتصادية هي في النهاية ليست سوى صورة مكبرة عن استعباد القوي للضعيف تحت مظلة قانون الغاب...

انتهت الحرب العالمية الأولى بانتصار الحلفاء على دول المحور، فقرر المنتصرون إنشاء هيئة الأمم لتكريس سيطرة المنتصرين على باقي الأمم والشعوب...

تحت رايات نهاية عصر الاستعمار، أوجد هؤلاء المنتصرين استعماراََ مقنعا أطلقوا عليه اسم الانتداب، جرى في ظله الإستمرار في استعباد الشعوب ونهب ثرواتها ومصادرة الأراضي الخصبة وسرقة المياه وحتى إزالة أوطان بأكملها عن الخريطة واستبدالها كيانات أخرى بذرائع واهية في خدمة مشاريع تلك الدول...

لم يدم هذا النظام العالمي أكثر من عقدين من الزمن، قبل أن تنتفض ألمانيا التي كانت قد هزمت في الحرب العالمية الأولى...

اجتاحت المانيا تشيكوسلوفاكيا ونصف بولندا قبل أن تلتفت غرباََ، وتجتاح أيضاً بلجيكا وهولندا وفرنسا...

مرة أخرى انتهت الحرب العالمية الثانية بانتصار الحلفاء وهزيمة المانيا ومعها اليابان وإيطاليا...

مرة أخرى اجتمع المنتصرون في يالطا، وقاموا باقتسام العالم...

بعد فشل هيئة الأمم في منع الحرب العالمية الثانية، أنشأ المنتصرون الجدد كيانا جديداً يكرس هيمنتهم، وينظم خلافاتهم... فكانت الأمم المتحدة التي يتحكم بها مجلس للأمن مؤلف من خمسة عشرة عضو...

خمسة أعضاء دائمين يملكون حق النقض/ الفيتو وتسعة أعضاء يتم انتخابهم لعدة سنوات وفقاً لمنطق من هي القوى العظمى التي تسيطر أثناء هذه الحقبة أو تلك...

استطاع نظام يالطا أن يعيش حوالي أربعة عقود، وجد فيها المنتصرون أن أفضل طريقة لمنع الحروب الساخنة هو عن طريق التقاتل عبر الوكلاء...By Proxy...

كانت القوى العظمى الخمس نووية، وتستطيع تدمير الكوكب عدة مرات في حال نشب الصراع بينها، لذلك رأت أن لا تسمح للنزاعات الإقليمية الجارية أن تسخن...

من هنا جاء تعبير الحرب الباردة...

جرت الحرب الباردة تلك بين المعسكر الغربي بزعامة الولايات المتحدة الأميركية( حلف الأطلسي)، والمعسكر الشرقي بزعامة الاتحاد السوفياتي (حلف وارسو)...

دون الخوض في تفاصيل ليس مكانها في هذه العجالة، انهار حلف وارسو لأسباب اقتصادية وعقائدية وليس نتيجة هزيمة في حرب نووية ما كان من الممكن أن تجري دون التدمير المتبادل...

ثلاثة عقود من حكم العجائز البيروقراطيين الفاسدين في موسكو، انتهى إلى وصول رجل ساذج آمن بالمثالية، لم يعرف أن "الطريق الى جهنم، مبلطة بالنوايا الحسنة"...

صدّق غورباتشوف الغرب، وسمح لرجل غبي ما يكاد يصحو من آثار الخمر حتى يسبح في بحيرة خمر أخرى...

بوريس يلتسين، رجل أتى من الريف، ويمكن بدون اي ندم أو اتهام بالفوقية القول ان هذا الرجل أتى من بين البقر...

ظن غورباتشوف أن مثاليته سوف تقابل بمثالية مقابلة في الغرب...

ساهم من حيث لا يدري بخروج الوحش الأميركي القذر للتربع على عرش العالم وحيدا يفعل ما يشاء غير آبه بمئات آلاف الضحايا...

إذا كان غورباتشوف قد حاول تجميل هذا النظام العالمي البشع، فإن يلتسين كان يستعجل دفعه إلى أقصى البشاعة التي يمكنه الوصول إليها...

انهار الاتحاد السوفياتي دون حرب مباشرة، فدخل العالم في فترة انتقالية تميزت بسيطرة شبه مطلقة لقطب واحد هو الولايات المتحدة الأمريكية...

وافق غورباتشوف على انضمام كامل جمهورية ألمانيا الديموقراطية(الشرقية) إلى الوطن الأم كمقاطعات تحت بند حرية تقرير المصير للشعب الألماني...

بدل أن يطلب غورباتشوف أن تكون المانيا الموحدة كما النمسا، دولية حيادية خالية من الأسلحة والقواعد الأجنبية، اكتفى بوعد أن لا يتمدد حلف الأطلسي شرقاً إلى حدود الاتحاد الروسي...

لكن غورباتشوف الضعيف ما لبث أن استسلم أمام قيام يلتسين بطرده بشكل مذل من مجلس الرئاسة، لأن الاتحاد السوفياتي لم يعد موجودا بعد إعلان استقلال روسيا!!!

عمليا، قام هذا الرجل التافه بطرد كل حلفاء روسيا من حولها، وساهم في وقوع هذه الدول الواحدة تلو الأخرى في شباك الحلف الأطلسي...

ثلاثة عقود هي المرحلة الانتقالية التي عملت فيها اميركا على محاولة تثبيت نظام عالمي جديد تكون فيه هي القطب الاقوى والأوحد...

اجتاحت العراق، دمرت يوغوسلافيا، نشرت الفوضى في ليبيا... جرى كل ذلك مع صمت العالم وموافقة ضمنية أحياناً كثيرة خوفاً من جبروت اميركا...

عدة امور غيرت تلك المعادلة...

حرب تموز ٢٠٠٦ في لبنان...

الحرب الكونية التي شنت على سوريا...

احداث هونكونغ... تايوان...

الانقلاب الأطلسي الملون في أوكرانيا...

الخ...

حرب تموز أيقظت القوى الخائفة وجعلتها تقتنع بأن أميركا ليست قدرا محتوما...

هزيمة اسرائيل، أظهرت كم هي ممكنة هزيمة أميركا...

الحرب الكونية على سوريا كانت الميدان الذي تجرأت فيها روسيا والصين على تحدي اميركا...

أكثر من مرة تم استخدام الفيتو من قبل الدولتين بعد سنين من البصم على بياض للجاموس الأميركي كي يفعل ما يشاء...

استفاقة روسيا والصين من جهة، ثم قصف قاعدة عين الأسد وهزيمة أفغانستان من جهة أخرى؛ كل هذا دفع اميركا الى شراسة اكبر واندفاع على غير هدى في محاولة تطويق روسيا والصين...

تكريس عالم القطب الواحد يفترض إعادة هاتين الدولتين إلى حظيرة الصمت في أحسن الأحوال...

لكن الصين التي نقزت في هونكونغ وبدأت تسمع كلام الاستعلاء في الخطاب الأميركي تجاهها بموضوع تايوان ورفض حقوق الصين في بحر الصين...

وروسيا التي استشعرت قوتها، وانتبهت إلى أن قوتها الصاروخية والنووية قادرة على منع أي كان من التمادي في القفز فوق مصالحها... روسيا تلك انتفضت وأرادت أن تضع حدا لحلف الاطلسي في أوروبا...

كانت أوكرانيا هي الحبة التي قصمت ظهر البعير...

كل الضجيج الذي يخرج من بريطانيا وأميركا لا يعني شيئا...

الذي يعاني فعلاً، هي دول الاتحاد الاوروبي، وتحديدا ألمانيا وفرنسا...

أميركا لا تأبه لمصاب تلك الدول...

أما الحديث عن العقوبات على روسيا التي سوف تقصم ظهر ذلك البلد، والتهديد بمعاقبة الصين إن هي تعاملت أو ساعدت روسيا... فهذا أمر يثير السخرية والضحك حتى آخر مدى...

تتعرض كوبا لحصار كامل منذ حوالي ستة عقود، ولم تسقط كوبا...

تعرضت الجمهورية الإسلامية في إيران إلى حرب مجنونة لمدة ثماني سنوات، وهي تخضع لعقوبات وصفت بالأقسى في تاريخ البشرية منذ أربعة عقود...

ماذا حصل..؟

خرجت إيران من الفقر والتخلف والاعتماد على الخارج لتصبح دولة إقليمية كبرى، بل ودولة عتبة نووية...

لقد بلغ الصلف بهؤلاء الأميركيين ومعهم الغرب درجة، أن باتوا "يخرفون، ولا يلوون على شيء"...

عندما فشلوا ضد حزب الله، أيقنوا استحالة انتصارهم على إيران، وها هم يحاولون التفاهم معها...

بعد فشلهم مع إيران، ألم يحن الوقت كي يفهموا أن التخبيص في أوكرانيا سوف ينتهي حتما بانتصار روسيا وتحقيق أهدافها سلما أو حرباً...

روسيا ليست جمهورية موز...

ولا الصين...

حتى لو قتل مليون أوكراني، لن تستطيع اميركا الانتصار...

روسيا لن تتراجع...

وحده زيلينسكي، يقدم الاضاحي الأوكرانية على مذبح الرخص والتفاهة الأطلسية...

روسيا النووية، لها حلفاء أيضاً...

إذا أخلصت روسيا تجاه هؤلاء الحلفاء، سوف تكون هي الكاسب الأكبر...

انتصار روسيا وحلفائها هو هزيمة تلقائية لأمريكا وحلفائها...

يبدو أن روسيا قد فهمت هذا...

أما عندنا في إيران...

فقد برهنت الحرب الأوكرانية الكثير من الأمور...

فتوى الامام الخميني بتحريم اقتناء السلاح النووي... لها طبعا منطقها...

لكن هذه الفتوى ليست كتابا منزلاً...

في عالم الوحوش لا يستطيع المرء العيش بسلام دون سلاح رادع...

هل تستطيع إيران المطالبة بمنع الانتشار النووي على كامل الكرة الأرضية...؟

لا يمكن للمرء أن يكون مثاليا في عالم غير مثالي...

إيران سوف تحتل بالتأكيد موقعا متميزا في هذا النظام الجديد...

لكن المعرفة النووية سوف تؤمن لإيران وكل حلفاء إيران صوتا أكثر من مسموع عندما يكون هذا البلد دولة نووية وليس مجرد دولة على حافة النووي....


المصدر: موقع إضاءات الإخباري