الإنسحاب من خيرسون وصاروخ بولندا
مقالات
الإنسحاب من خيرسون وصاروخ بولندا
طارق ناصر ابو بسام
21 تشرين الثاني 2022 , 22:06 م


في الأيام القليلة الماضية انشغل الرأي العام العالمي، من محللين سياسيين وعسكريين وإعلاميين وصحفيين، بالبحث عن حقيقة ماجرى بالنسبة لموضوعين هامين يتعلقان بالحرب الدائرة في اوكرانيا وتطوراتها:

الاول : انسحاب القوات الروسية المفاجيء من خيرسون

الثاني: الصاروخ الذي سقط في الأراضي البولندية

وتسابق المحللون والخبراء العسكريون ورجال الصحافة والسياسة، كل يريد ان يدلي بدلوه في تفسير ما حصل، وتعددت وجهات النظر، وتباينت الاجتهادات حول الحدثين، الى حد كبير وصل الى التناقض احيانا.

هناك من يقول إن الإنسحاب من خيرسون هزيمة لروسيا، ويعد خسارة كبيرة لها، ويعتبر نقطة تحول في مسار الحرب الدائرة منذ شباط لهذا العام، لغير صالح روسيا.

والرأي الآخر يقول ان ما حصل لا يعدو كونه خطوة تكتيكية قامت بها روسيا، اعادت بموجبها تموضع قواتها في المنطقة من جديد، وبما ينسجم مع تحقيق اهدافها التي ارادتها من عملياتها العسكرية، كونها جاءت تلبية لضرورة وحاجة موضوعية في ظل التطورات الحاصلة في الميدان، من اجل منع حصول كارثة كبرى وتجنبا للخسائر الفادحة التى من الممكن أن تتكبدها القوات الروسية في تلك المناطق التي يتواجد فيها اكثر من 20000 جندي يمكن ان يتحولوا الى ضحايا إذا ماتم تفجير السد المائي في كاخوفكا، مما يتسبب بغرق المنطقة والجنود معها.

نعم لقد كان الإنسحاب ثقيلا، ومثّل تراجعا من قبل القوات الروسية، وانسحاب من أراضي تم ضمها لروسيا قبل فترة وجيزة، خاصة ان قرار الضم جاء على لسان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وتم المصادقة عليه من قبل مجلس الدوما. لاشك ان هذا الإنسحاب جاء مفاجئا للجميع، وخاصة الشعب الروسي الذي لا زال يحتفل بعودة هذه الأراضي الى روسيا، وشكّل خسارة معنوية كبيرة في صفوف الجيش والشعب، حيث تعالت الاصوات المنتقدة لهذه الخطوة ووصلت الى الجيش والرئيس بوتين، وخرجت الناس الى الشوارع تطالب الرئيس بوتين والجيش الروسي والقيادة باتخاذ خطوات اكثر حزما وقوة في التعامل مع أوكرانيا، كونهم قادرين على ذلك دون ادنى شك. وطالبوا بتدمير مراكز القرار والبنى التحتية هناك. بحيث تصبح اوكرانيا غير قادرة على المواجهة ويؤدي إلى التسريع في وضع حد لهذه الحرب ونهايتها والذهاب إلى التفاوض وفقا للشروط التي وضعتها روسيا.

ان خطوة الإنسحاب من خيرسون، اضافة الى ما حصل قبل ذلك من انسحاب في خاركوف، جعل الرئيس الأوكراني زيلنسكي يصاب بغرور شديد، وبات يعتبر نفسه منتصرا وبوتين مهزوما، وروسيا مهزومة، وأوكرانيا منتصرة، وبدأ في وضع شروطه للمفاوضات التي تقول لا مفاوضات قبل الإنسحاب الروسي من كافة الأراضي الأوكرانية التي استولت عليها والعودة لحدود عام 1991، وقد تسببت هذه التصريحات الغير واقعية، والغير مسؤولة ويستحيل تحقيقها، الى موجة انتقادات واسعة لموقف الرئيس الأوكراني حتى من قبل حلفائه الغربيين.

ان الإنسحاب من خيرسون وقبلها في اوكرانيا ومن محيط مدينة كييف ليس نهاية المطاف،

ولا يعني اطلاقا ان روسيا قد هزمت وأوكرانيا قد انتصرت.

الحرب هي الحرب، فيها تقدم وتراجع... فيها انكسارات وانتصارات، الا ان الأمور لا تقاس بالانتصار في معركة او تراجع وخسارة في اخرى، وانما تقاس بالنتيجة النهائية للحرب.

ما اقدمت عليه روسيا في خطوة الإنسحاب من خيرسون، ما هو الا خطوة للخلف من اجل عشر خطوات الى الأمام (الإنسحاب تم من 30% من خيرسون وبقي 70% تحت سيطرة روسيا، عندما يقال الإنسحاب من خيرسون، فهذا ما هو إلا تضليل، وهذا ما نراه اليوم من تقدم للقوات الروسية وتحرير المزيد من الأراضي من ناحية وتوجيه العديد من الضربات النوعية الحاسمة في العمق الأوكراني بما في ذلك العاصمة .

اوكرانيا تحتفل ببعض الانتصارات التكتيكية في هذه الحرب، بينما روسيا تعمل من اجل الانتصار الاستراتيجي الذي يضمن لها فرض شروطها والوصول إلى تحقيق اهدافها، ليس على اوكرانيا فقط وانما على حلف الأطلسي واعوانه. ويومها يكون النصر الذي تحتفل به روسيا ومعها احرار العالم.

انني واثق كل الثقة ان روسيا هي المنتصرة في هذه الحرب لا محالة، اقول ذلك ليس من موقع التمني والرغبات الذاتية، وانما من موقع متابعة ومعرفة الوقائع والإمكانات والقدرة على الصمود واردة التحدي التي تملكها روسيا، روسيا عصية على الكسر، لا تقبل الهزيمة وهي تسير نحو الانتصار القادم وهذا ما اثبتته حقائق التاريخ.

واسباب انتصار روسيا متعددة وكثيرة، منها:

اولا ...

روسيا تخوض معركة لا تهدف فيها تدمير اوكرانيا وبنيتها التحتية (المصانع، المدارس والجامعات، خطوط النقل والمواصلات، محطات الوقود والطاقه، المستشفيات...الخ).

كان باستطاعة روسيا ان تفعل ذلك منذ البداية لكنها لم تفعل، كونها لاتريد التدمير، وحرصا على ارواح المواطنين في اوكرانيا، وتجدر الاشارة هنا ان روسيا ليست امريكا التي دمرت يوغوسلافيا والعراق وافغانستان، وقبل ذلك فييتنام، واستخدمت السلاح النووي ضد اليابان، روسيا لديها قيم واخلاق حتى وهي تحارب، وهذا ما تفتقده امريكا ودول الأطلسي التي لعبت دورا كبيرا في تدمير سوريا وليبيا.

مع الأسف قد تصبح روسيا مجبرة على ذلك وعلى تغيير اسلوبها في قادم الأيام، اذا ما استمرت القيادة الأوكرانية في تعنتها، والغرب في دعمها، وعندها سوف تتغير الكثير من المعطيات لصالح روسيا .

ثانيا...

روسيا لم تستخدم سوى جزء بسيط من اسلحتها التقليدية، وما زالت تراهن على الحلول السياسية والدبلوماسية التى لجأت اليها قبل مدة طويلة من اندلاع هذه الحرب، ولو ارادت روسيا حسم المعركة من خلال اتباع أسلوب الأرض المحروقة، سياسة السجادة كما يسميها الأميركان، لفعلت ذلك وحسمت المعركة لصالحها خلال ايام.

والسؤال هنا؟؟

الم تصل القوات الروسية الى العاصمة كييف؟

الم تنتقل البعثات الدبلوماسية منذ بداية المعركة وفي ايامها الأولى الي مدينة لفوف على حدود بولندا؟ ان هذا يعطي جوابا واضحا على قدرة روسيا عل الحسم.

ثالثا...

من يقرأ التاريخ يدرك جيدا ان روسيا انتصرت في معاركها ولم تهزم دوما.

الم تهزم نابليون؟؟ الم تنتصر على هتلر وتهزم جيوشه بعد ان وصل ابواب موسكو، وفرضت عليه الاستسلام.

صحيح ان بعض الأراضي الروسية قد احتلت في حروب سابقة كما اشرت، ولكن في النهاية كانت روسيا هي المنتصرة وهزمت المحتل.

الشعب الروسي شعب عظيم، والجيش الروسي ليس اقل عظمة من شعبه، وهو لن يهزم وسيكون النصر حليفه في النهاية مهما طالت الحرب.

رابعا...

الشعب الروسي وقيادته موحدين خلف الرئيس بوتين، ولن يغيّر في ذلك بعض الانتقادات التي برزت مؤخرا بعد الانسحاب من خيرسون، وهي انتقادات تطالب بالمزيد من الحسم وليس العكس.

بينما الدول الغربية منقسمة على نفسها، حيث بدأت تزداد الخلافات بينها حول المفاوضات مع روسيا، وفرض العقوبات عليها، وحول دعم اوكرانيا ماليا وعسكرياً، واستمرار هذا الدعم هذا رسميا، اما على المستوى الشعبي تعالت الاصوات في معظم انحاء اوروبا وامريكا مطالبة بالتفاوض مع روسيا والوصول إلى حل معها يوقف هذه الحرب.

حيث بات يدرك المواطن في هذه الدول ارتداد سلبيات هذه الحرب على حياتهم اليومية، في البيت والعمل، وكافة مجالات الحياة الاخرى، من غلاء المعيشة وارتفاع اسعار المحروقات والطاقة والمواد الغذائية وكل شي، وزيادة التضخم ونسبة البطالة، الى جانب عدم الشعور بالأمان وفقدان الأمل في المستقبل، وما المظاهرات الكبيرة التي عمت انحاء اوروبا الا دليل على ذلك.

خامساً...

لا زالت موازين القوى لصالح روسيا في هذه الحرب، رغم بعض الانتكاسات، ومما يدل على ذلك ان المعارك تجري داخل الأراضي الأوكرانية حتى الآن، وكذلك القصف والغارات والتفجيرات وليس في الأراضي الروسية .

روسيا هي من تتقدم داخل اوكرانيا وضمت عددا من مناطقها اليها لوغانسك، دونيتسك، زاباروجيا، خيرسون).

سادساً...

التراجع في موقف امريكا وحلف الأطلسي خشية من توسع هذه الحرب، وشمولها اراضيهم، كونهم غير مستعدين لخوض هذه الحرب مباشرة وإرسال جنودهم دفاعا عن اوكرانيا، لكنهم يخوضونها كحرب بالوكالة، وهم مستعدين لخوضها حتى اخر جندي اوكراني، ومن المعروف ان الشعب الأوكراني هو من يدفع الثمن.

ان هذا التراجع في المواقف يقودنا إلى فهم وتحليل ردود افعال هذه الدول بعد حادثة ما يسمى صاروخ بولندا والأزمة التي نتجت عنها وكادت تدفع الأمور نحو تفجير اكبر، ربما يقود إلى حرب عالمية ثالثة.

ومن المعروف ايضا ان الروايات قد تعددت حول مصدر هذا الصاروخ، منها من قال ان روسيا هي من اطلق هذا الصاروخ وتريد اختبار رد الفعل الغربي والناتو حول ذلك، ومنهم من قال ان هذا الصاروخ هو صاروخ بولندي اطلق من الدفاعات البولندية التي كانت تتصدي للصواريخ الروسية المهاجمة، وسقط في بولندا.

والأهم من هذا وذاك هو الاستغلال الكبير البشع من قبل زيلنسكي ورئيس بولندا ودول البلطيق لهذا الحادث، من اجل صب الزيت على النار والدعوة إلى تفعيل المادة الرابعة من ميثاق حلف الأطلسي من اجل الوصول إلى تفعيل المادة الخامسة التي تقول (اذا ما تعرض اي بلد من البلدان المشاركة في الحلف الى اعتداء على كف. الدول ان تقوم بالدفاع عنها).

ومازال البعض يحمل روسيا المسؤولية عن هذا الحادث رغم اتضاح الصورة بشكل لا يقبل الجدل ان مصدر هذا الصاروخ هو بولندا. في رغبة منهم لجر العالم الى حرب قد تكون الأخيرة .

وهنا اقول رب ضارة نافعة، حيث اكتشف العديد من دول اوروبا والاطلسي ان مواقف زيلنسكي مواقف مغامرة كاذبة تستهدف التصعيد وجر الناتو الى دخول حرب مباشرة مع روسيا عكس رغبتهم. وبناءا على ذلك جاء الرد السريع من قبل الرئيس الأمريكي جو بايدن الذي ابلغ الشركاء المجتمعين على هامش قمة العشرين ان الصاروخ لم يكن روسيا مما أدى إلى تبريد الاجواء المشتعلة، وجاء في نفس السياق ايضا تصريح الامين العام لحلف شمال الأطلسي الذي اكد كلام الرئيس بايدن، وبالتالي تم نزع فتيل التفجير اولا، وكشف حقيقة زيلنسكي واكاذيبه. ثانيا، بعد كل هذا بجب ان تتوقف الأصوات التي تدعوا إلى استمرار الحرب وتوسيع نطاقها، التوقف والذهاب إلى طاولة المفاوضات وهي الطريق الوحيد الذي يمكنه حل هذا النزاع.

روسيا لن تهزم، روسيا سوف تنتصر

لست خائفا مما يجري، اتمنى ان تنتهي هذه الحرب اليوم قبل الغد، حفاظا على الأرواح والممتلكات

قد يسأل البعض لماذا ادافع عن روسيا، اجبت عن ذلك في مقال سابق لي تم نشره في الصحافة ووسائل الإعلام.

انا مع الحق... مع تصحيح الاخطاء التاريخية، ليس في روسيا فقط، وانما في فلسطين ايضا، انا ضد الظلم، ضد هيمنة القطب الواحد، ضد الاستغلال، انا مع العدالة والمساواة ونيل الحقوق وان تقرر الشعوب مصيرها بنفسها.

النصر لروسيا ومن معها

الهزيمة للاطلسي ومن معه

طارق ناصر ابو بسام

براغ 22/11/2022

المصدر: موقع إضاءات الإخباري