ما يحدث اليوم حول إيران لم يعد مجرد تصعيد تدريجي أو تبادل رسائل ردع تقليدية، بل تحول صريح إلى ما تُعرف في العلوم العسكرية بـ«هدوء ما قبل العاصفة». السماء، البحر، والأرض في المنطقة تعكس لحظة فاصلة تسبق الانفجار، حيث تتلاشى الضوضاء المعتادة، وتتراجع الإشارات العلنية، ويبدأ الصمت القاتل الذي يمهّد لليوم التالي.
اللافت أن المؤشرات الأكثر خطورة ليست فيما يُعلن، بل فيما أُلغي. رفع القيود عن مناطق تدريب بحرية وجوية كانت محظورة سابقا، يعكس تحول إيران من مرحلة الاستعراض إلى مرحلة العمليات الفعلية. فتح المجال البحري والجوي فوق مناطق استراتيجية قرب خليج عمان، وقواعد بحرية خارج مضيق هرمز، يشير إلى احتمالية انتشار صامت للوحدات البحرية والغواصات، أو تهيئة ممرات لعبور عملياتي سريع بعيد عن كشف العدو.
الأمر نفسه ينطبق على المناطق القريبة من العمق النووي الإيراني، حيث تشير القيود الجوية حول محيطات حساسة إلى دخول منظومات الدفاع مرحلة «المراقبة الصامتة» لتفادي كشف الترددات أو البصمات الإلكترونية للطائرات الأمريكية، استعدادًا لأي سيناريو محتمل. النتيجة مشهد شبه كامل: سماء صافية، أرض صامتة، وبحر مفتوح ظاهريًا. هذا المشهد ليس استقرارًا، بل أعلى درجات التوتر المنضبط، إذ تختفي كل إشارات التحذير دفعة واحدة، ويُجبر الخصم على التحرك ضمن مسارات محسوبة مسبقا.
في الأسابيع الأخيرة، انتقل ملف إيران من الضغط السياسي والاقتصادي إلى حافة القرار العسكري. الولايات المتحدة وإسرائيل تتهيآن لتدخل مباشر أو شبه مباشر، مع تفاوت في التوقيت ونطاق الضربة، بينما يُستعمل الغموض كأداة نفسية لإبقاء طهران في حالة استنزاف مستمرة. التحركات العسكرية على الأرض، مثل فتح مركز تنسيقي للدفاع الجوي في قاعدة العديد بقطر وإعادة تنظيم القيادة الأمريكية في الخليج، تؤكد استعدادا لتصعيد واسع، لا مجرد عملية محدودة.
في الداخل الإسرائيلي، ارتفعت الجهوزية المدنية والعسكرية، مع فتح الملاجئ ونشر تعليمات الطوارئ، استعدادا لاحتمال تعرض الجبهة الداخلية لهجمات صاروخية أو مسيّرة. على الصعيد السياسي، تجمع المقاربة الأمريكية بين التصعيد والتحريض، وبين إشارات الانفتاح المشروط، في محاولة لشق الصف الداخلي الإيراني وربط الضغط العسكري بتحريك الداخل.
طهران من جانبها تتعامل مع المشهد كحرب مركّبة، تشمل الأمن الداخلي، الاستخبارات، الحرب الإلكترونية، والمعركة الإعلامية. إيران لا تتحضر للدفاع فقط، بل لإدارة صراع طويل متعدد المستويات. على المستوى العسكري، تعزز القيادة الإيرانية معادلة ردع مفادها أن أي ضربة لن تبقى ضمن حدودها الجغرافية، وتشمل إطلاق آلاف الصواريخ نحو العمق الإسرائيلي، وقواعد أمريكية في الخليج والعراق، مع قبرص كنقطة حساسة ضمن دائرة الخطر.
العراق مرشح ليكون ساحة اشتباك مركزية، فيما انهيار إيران لن يقتصر على الداخل، بل سيكون زلزالا جيوسياسيا يهدد باكستان، أفغانستان، تركيا، الخليج، والقوقاز، كما أنه يضع الصين وروسيا أمام تهديد مباشر لمشاريع الطاقة والربط القاري.
الخلاصة أن الأيام المقبلة ليست عادية. أي إعلان جوي أو بحري جديد لن يكون تدريبًا روتينيًا، بل إعلان منطقة عمليات حقيقية، حيث لن يكون السؤال من بدأ الضربة، بل من يستطيع تحمّل ارتداداتها. ما نعيشه الآن هو السكون الذي يسبق الانفجار، وفي هذه اللحظات، غالبا ما تكون الحسابات الخاطئة أخطر من الصواريخ نفسها.