قصة الرصيف العائم الذي غير تاريخ الهندسة البحرية
منوعات
قصة الرصيف العائم الذي غير تاريخ الهندسة البحرية
9 أيار 2026 , 14:15 م

نفذ مهندسون بريطانيون في ستينيات القرن التاسع عشر واحدا من أكثر المشاريع الهندسية البحرية جرأة في ذلك العصر، بعدما قرروا بناء رصيف جاف عائم عملاق وإرساله عبر المحيط الأطلسي إلى برمودا .

وحمل المشروع اسم HM Floating Dock Bermuda أو اختصارا HM Bermuda، وكان يزن نحو 8 آلاف طن، بطول بلغ 116 مترا وارتفاع وصل إلى 22 مترا، ليصبح أحد أضخم المنشآت العائمة في عصره.

الرصيف العائم HM Bermuda ( مصدر الصورة: Freepik )

لماذا احتاجت بريطانيا إلى هذا الرصيف؟

بحلول منتصف القرن التاسع عشر، أصبحت برمودا مركزا استراتيجيا مهما لـ البحرية الملكية البريطانية في المحيط الأطلسي، خاصة بعد فقدان بريطانيا بعض أحواضها البحرية في أمريكا عقب الحروب الثورية الأمريكية.

وكانت السفن الحربية بحاجة دائمة إلى الصيانة والإصلاح، لكن بناء حوض جاف تقليدي في برمودا كان شبه مستحيل بسبب طبيعة الجزيرة الجيولوجية.

فالصخور الجيرية المسامية في الجزيرة كانت تسمح بتسرب المياه باستمرار، ما جعل الحفاظ على حوض جاف أمرا غير عملي.

الحل البريطاني: بناء رصيف يطفو فوق الماء

بدلا من محاولة بناء حوض ثابت، قرر المهندسون البريطانيون إنشاء رصيف جاف عائم بالكامل في لندن ثم سحبه إلى برمودا عبر المحيط.

بدأ العمل على المشروع في حوض "كامبل وجونستون" على نهر التايمز، حيث شارك نحو 1400 عامل في تثبيت الألواح الحديدية الضخمة للمرفق العملاق.

وجرى تدشين الهيكل عام 1868، لكن سوء الأحوال الجوية أخّر رحلة نقله حتى صيف 1869.

رحلة بحرية استثنائية عبر الأطلسي

في ذلك الوقت، لم تكن هناك قاطرات بحرية قادرة على سحب منشأة بهذا الحجم، لذلك استعانت بريطانيا بعدة سفن حربية ضخمة لسحب الرصيف العائم.

وقادت السفينتان الحربيتان HMS Agincourt وHMS Northumberland المرحلة الأولى من الرحلة حتى جزيرة ماديرا، قبل أن تتولى سفن أخرى مهمة السحب نحو برمودا.

ووصل الرصيف العائم أخيرا إلى برمودا في 28 يوليو 1869 بعد رحلة بحرية معقدة لاقت اهتماما واسعا من سكان الجزيرة.

كيف كان يعمل الرصيف العائم؟

اعتمد تصميم HM Bermuda على مجموعة من خزانات التوازن التي يمكن ملؤها بالمياه أو تفريغها حسب الحاجة.

وعند استقبال السفن، كان الرصيف يغوص جزئيا تحت الماء ليسمح بدخول السفينة، ثم تُضخ المياه خارج الخزانات ليرتفع الهيكل مجددًا حاملاً السفينة فوق سطح البحر لإجراء أعمال الصيانة والإصلاح.

وكان بإمكان المنشأة رفع سفن يصل وزنها إلى 8300 طن، وهو رقم ضخم جدا في ذلك الزمن.

ميزة هندسية مذهلة

امتلك الرصيف العائم خاصية فريدة تُعرف باسم "الانقلاب الذاتي"، إذ كان بإمكانه الميل جزئيًا لتنظيف وصيانة هيكله الخاص وإزالة الرواسب والكائنات البحرية العالقة به.

واعتبر المهندسون هذه الميزة إنجازا تقنيًا متقدما يعكس مستوى الابتكار الصناعي خلال العصر الفيكتوري.

نهاية الرصيف العائم العملاق

استمر HM Bermuda في الخدمة لأكثر من 30 عاما قبل استبداله عام 1902.

وبعد بيعه كخردة، انفلت أثناء سحبه وارتطم بشعاب مرجانية قرب برمودا، ولا تزال أجزاء من حطامه ظاهرة فوق المياه حتى اليوم في منطقة ستوفيل باي.

إرث هندسي ما زال حاضرل

يُنظر إلى HM Bermuda اليوم باعتباره مثالا بارزا على قدرة المهندسين في القرن التاسع عشر على إيجاد حلول مبتكرة لمشكلات بدت مستحيلة.

كما يعكس المشروع مرحلة تاريخية اعتمدت فيها الإمبراطورية البريطانية على الهندسة البحرية للحفاظ على قوتها العسكرية وانتشارها حول العالم.

المصدر: موقع Interesting Engineering