إسرائيل تعيد عسكرة الحدود مع مصر ... هل دخل كامب ديفيد مرحلة الخطر ؟
مقالات
إسرائيل تعيد عسكرة الحدود مع مصر ... هل دخل كامب ديفيد مرحلة الخطر ؟
مهدي مبارك عبد الله
13 حزيران 2026 , 18:05 م

د . مهدي مبارك عبد الله

لم تكن الحدود المصرية الإسرائيلية منذ توقيع اتفاقية كامب ديفيد عام 1977 ساحةً لمثل هذا القدر من التوتر والشكوك المتبادلة كما هي اليوم والحرب في غزة وما نتج عنها من تحولات أمنية وجغرافية دفعت الطرفين إلى إعادة النظر في كثير من المسلمات التي حكمت العلاقة الأمنية بينهما طوال أكثر من أربعة عقود حتى بات السؤال المطروح بقوة في الأوساط السياسية والعسكرية هو ما إذا كانت الترتيبات التي أرستها معاهدة السلام ما زالت قادرة على الصمود أمام المتغيرات الجديدة أم أن المنطقة دخلت بالفعل مرحلة مختلفة تتجاوز روح الاتفاق ونصوصه

خلال السنوات الماضية استند الاستقرار بين القاهرة وتل أبيب إلى معادلة أمنية دقيقة تقوم على ضبط مستويات التسلح والانتشار العسكري في المناطق الحدودية غير أن الحرب على غزة وما رافقها من انهيار للواقع الأمني في القطاع أديا إلى اهتزاز هذه المعادلة بصورة غير مسبوقة حيث وجدت إسرائيل نفسها أمام حدود جنوبية ملتهبة ومفتوحة على احتمالات متعددة بينما وجدت مصر أن أمنها القومي بات مهدداً بشكل مباشر نتيجة التطورات المتسارعة في رفح ومحور صلاح الدين وما يرتبط بها من مخاوف تتعلق بمشاريع التهجير القسري وإعادة تشكيل الواقع الجغرافي للمنطقة

ضمن هذا السياق بدأت إسرائيل بتنفيذ سلسلة إجراءات عسكرية واسعة قرب الحدود المصرية شملت إنشاء مواقع ميدانية جديدة وتعزيز نقاط المراقبة وتكثيف انتشار القوات المدرعة ووحدات المدفعية إضافة إلى تطوير منظومات الاستطلاع والرصد الجوي وقد بررت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية هذه التحركات بالحاجة إلى التعامل مع البيئة الاستراتيجية المتغيرة التي بات لا يمكن التنبؤ بمساراتها مستقبلاً خاصة في ظل استمرار مخاطر الحرب وتزايد المخاوف من اتساع رقعة المواجهة الإقليمية

القراءة الإسرائيلية المعلنة للاحداث لا تنطلق فقط من التطورات الراهنة بل من مجريات عقيدة أمنية راسخة تعتبر أن التهديدات المحتملة يجب أن تُقاس وفق القدرات العسكرية المتاحة وليس وفق النوايا السياسية المعلنة خاصة وان النوايا قد تتبدل بتغير الحكومات والظروف أما القدرات العسكرية فهي تبقى عاملاً ثابتاً في حسابات الأمن القومي ولهذا تنظر تل أبيب بعين القلق إلى التطورات العسكرية المصرية المتسارعة في سيناء وإلى مشاريع البنية التحتية العسكرية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة

على الجانب الاخر ترى القاهرة أن الإجراءات العسكرية والامنية التي اتخذتها داخل أراضيها لا تخرج عن إطار حقها السيادي الكامل في حماية حدودها وتأمين أمنها الوطني خصوصاً في ظل المخاطر الناجمة عن حرب غزة ومحاولات دفع السكان الفلسطينيين نحو الأراضي المصرية كما تؤكد مصر أن انتشار قواتها في سيناء وتطوير منشآتها العسكرية وقدرات جيشها التدريبية جاء استجابة عاجلة لمتطلبات أمنية حقيقية فرضتها الظروف الاستثنائية التي تمر بها المنطقة وليس بنية الاستعداد لأي مواجهة مع إسرائيل

بعد تصاعد السجال السياسي والإعلامي بين الجانبين أخذت التقارير الأمنية الإسرائيلية تتحدث بصورة متزايدة عن توسع القدرات العسكرية المصرية في سيناء بما يشمل تطوير المطارات العسكرية وتوسيع المرافق اللوجستية وتعزيز شبكات الرصد والدفاع الجوي وهو ما تنظر إليه دوائر إسرائيلية مختصة باعتباره تحولاً استراتيجياً يستدعي إعادة تقييم البيئة الأمنية على الحدود الجنوبية للدولة العبرية

واقعيا نلحظ ان حساسية المخاوف الإسرائيلية تزداد مع الحديث المتكرر عن تحديث بعض القواعد الجوية القريبة من الحدود وما يمكن أن توفيره من قدرة على الانتشار السريع لسلاح الجو المصري في أي ظرف طارئ حيث ترى مراكز أبحاث إسرائيلية أن هذه التطورات قد تقلص الفوارق الزمنية وتمنح القاهرة مرونة عملياتية أكبر في إدارة أي أزمة مستقبلية بينما تعتبرها مصر جزءاً طبيعياً من عملية تحديث قواتها المسلحة وتطوير قدراتها الدفاعية بما يتناسب مع مكانتها الإقليمية وحجم التحديات التي تواجهها

في الوقت ذاته لا تخفي إسرائيل انزعاجها المتواصل من حجم القوات المصرية المنتشرة في بعض مناطق سيناء مقارنة بما كان قائماً خلال العقود السابقة بينما ترى القاهرة أن الظروف التي أنتجت الترتيبات الأمنية القديمة لم تعد قائمة بالشكل نفسه وأن مكافحة الإرهاب وحماية الحدود ومنع أي محاولات لفرض وقائع جديدة على الأرض تفرض إجراءات استثنائية تتناسب مع حجم التحديات المستجدة

المشكلة الحقيقية بين الطرفين لا تكمن في عدد الجنود أو حجم المعدات المنتشرة على جانبي الحدود بل في تراجع مستوى الثقة الاستراتيجية الذي شكّل لعقود الضمانة الأساسية لاستمرار السلام فكل طرف بات يقرأ خطوات الطرف الآخر باعتبارها استعداداً لمرحلة مختلفة وليس مجرد استجابة لظروف مؤقتة وهو ما يفسر حالة التوجس المتزايدة التي تحكم الخطاب السياسي والأمني في كل من القاهرة وتل أبيب

رغم أن اتفاقية كامب ديفيد ما زالت قائمة من الناحية القانونية والسياسية الا إن الواقع الميداني يكشف أن كثيراً من الترتيبات التي قامت عليها تعرضت لاختبارات قاسية خلال السنوات الأخيرة فقد أدت الحرب على غزة إلى تغيير البيئة الأمنية المحيطة بالاتفاق بصورة عميقة كما دفعت الطرفين إلى اتخاذ إجراءات لم تكن مطروحة سابقاً سواء من حيث حجم الانتشار العسكري أو طبيعة المنشآت المقامة في المناطق الحدودية

الأخطر من كل ذلك أن إسرائيل لم تعد تنظر إلى الحدود المصرية باعتبارها جبهة مستقرة ومضمونة كما كان الحال طوال العقود الماضية بل باتت تتعامل معها باعتبارها مساحة استراتيجية تستوجب المراقبة الدائمة والجاهزية المستمرة في ظل التحولات الكبرى التي يشهدها الإقليم وفي المقابل فإن مصر تنظر بقلق متزايد إلى الوجود العسكري الإسرائيلي المتنامي في محيط رفح ومحور فيلادلفيا وترى فيه محاولة لفرض وقائع جديدة قد تؤثر مستقبلاً على توازنات الأمن القومي المصري وعلى دور القاهرة التاريخي في القضية الفلسطينية

من هنا اصبح الحديث الدائر اليوم حول مستقبل كامب ديفيد لا يتعلق بإلغاء المعاهدة أو انهيارها بصورة مباشرة بقدر ما يتعلق بتآكل الأسس الأمنية التي قامت عليها والاتفاق الذي وُلد في نهاية سبعينيات القرن الماضي نشأ على بيئة إقليمية مختلفة تماماً عن البيئة الحالية حيث لم تكن غزة ساحة حرب مفتوحة ولم تكن مشاريع التهجير القسري مطروحة بهذا الشكل ولم تكن المنطقة تعيش هذا الحجم من التحولات الجيوسياسية المتسارعة

حقيقة ما يجري على الحدود بين مصر وإسرائيل لا يعكس مجرد خلافات حول ترتيبات أمنية أو انتشار عسكري محدود بل يكشف ايضا عن تحولات أعمق تطال توازنات القوة ومفاهيم الأمن والسيادة في المنطقة كلها والحرب على غزة لم تقتصر آثارها على القطاع الفلسطيني بل امتدت لتعيد رسم الحسابات الاستراتيجية للدول المحيطة بها وتدفع الجميع إلى مراجعة تصوراتهم القديمة بشأن المستقبل

السؤال الأهم في العمق لم يعد ما إذا كانت كامب ديفيد قد انتهت أم لا بل ما إذا كانت الصيغة التي وُلدت قبل نحو نصف قرن ما زالت قادرة على استيعاب واقع إقليمي جديد يتشكل على أنقاض الحروب والأزمات المتلاحقة سيما وان المشهد الراهن يوحي بأن الشرق الأوسط يقف على أعتاب مرحلة مختلفة تماماً وأن الحدود المصرية الإسرائيلية تحولت من جديد إلى واحدة من أكثر نقاط التوتر حساسية وخطورة في المنطقة بأسرها حيث يتراجع مبدأ الثقة المتبادلة تدريجياً لصالح منطق القوة والردع والاستعداد لأسوأ الاحتمالات

ختاما : لا تبدو التحركات العسكرية المتسارعة على جانبي الحدود مجرد إجراءات أمنية عابرة فرضتها حرب غزة الاخيرة وما بعدها بقدر ما تعكس بداية مرحلة جديدة من الشك الاستراتيجي المتبادل بين القاهرة وتل أبيب رغم عدم سقوط كامب ديفيد رسمياً بعد لكنها تواجه اليوم اختباراً لم تعرفه منذ توقيعها وإذا استمرت الوقائع الميدانية في تجاوز روح الاتفاق ونصوصه فإن الخطر الحقيقي لن يكون في انهيار معاهدة السلام نفسها بل في تحوّلها إلى وثيقة قائمة على الورق فقط بينما تُدار الحدود على الأرض بمنطق القوة والحذر والاستعداد للمواجهة التي قد تنفجر في اي لحظة مواتية

كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية

[email protected]