العقبة تتجاوز الأردن… وصواريخ إيران ترسم حدود الاشتباك الجديدة؟!

عباس المعلم - كاتب سياسي
مقالات
العقبة تتجاوز الأردن… وصواريخ إيران ترسم حدود الاشتباك الجديدة؟! عباس المعلم - كاتب سياسي
عباس المعلم
19 تموز 2026 , 17:26 م

لم يعد الاستهداف الصاروخي الإيراني الأخير للأردن يُقرأ ضمن السياق التقليدي للضربات المتبادلة بين طهران وواشنطن، ولا يمكن وضعه في خانة الامتداد الطبيعي للهجمات السابقة التي ارتبطت باستهداف القواعد والأصول العسكرية الأمريكية. فالتوقيت، وطبيعة المسار، وموقع سقوط الصواريخ، كلها مؤشرات توحي بأن العملية حملت أبعادًا عملياتية واستراتيجية أوسع من الهدف المعلن، بما يجعلها رسالة مركبة تتجاوز الجغرافيا الأردنية لتلامس مباشرة معادلات الردع الإقليمي.

فاستهداف محيط العقبة تحديدًا يمنح العملية دلالة جيوسياسية بالغة الحساسية؛ إذ تقع المدينة عند تقاطع واحد من أكثر الممرات الاستراتيجية أهمية في الشرق الأوسط، حيث تتجاور الحدود الأردنية مع فلسطين المحتلة، وتلتقي المصالح الأمنية الإسرائيلية مع منظومات الإنذار والاعتراض الغربية. ومن هذا المنظور، فإن مسار الصواريخ لم يكن مجرد خط عبور نحو هدف أمريكي، بل مسارًا اخترق عمليًا ما تعتبره إسرائيل نطاقها المتقدم للإنذار المبكر والدفاع الوقائي، وهو نطاق يبدأ خارج حدودها السياسية قبل أن يبدأ داخل مجالها الجوي.

ولذلك، فإن المشاركة الإسرائيلية المباشرة والمعلنة في اعتراض الصواريخ لم تكن تفصيلًا ميدانيًا عابرًا، بل تعكس أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية تعاملت مع الحدث بوصفه تهديدًا يمس منظومة الأمن القومي الإسرائيلي قبل أن يكون تهديدًا للأردن. ففي العقيدة العسكرية الإسرائيلية، لا تُقاس المخاطر بخطوط الحدود الدولية، بل بمسافة اقتراب التهديد من فضاء الإنذار الاستراتيجي، حيث تصبح أي مقذوفات تدخل هذا النطاق هدفًا مشروعًا للاعتراض، حتى وإن كانت خارج المجال الجوي الإسرائيلي بالمعنى القانوني.

وعلى المستوى العسكري، تبدو الرسالة الإيرانية أكثر تعقيدًا من مجرد استهداف قاعدة أو موقع أمريكي. فطهران تدرك أن أي صاروخ يمر في هذا الممر الجغرافي سيُرصد فورًا من قبل شبكات القيادة والسيطرة الأمريكية والإسرائيلية، وبالتالي فإن قيمة العملية لا تكمن فقط في احتمالات إصابة الهدف، بل أيضًا في اختبار زمن الاستجابة، وآليات التنسيق بين منظومات الدفاع الجوي، ومستوى التكامل العملياتي بين الولايات المتحدة وإسرائيل والأردن. وهذه معطيات استخبارية لا تقل أهمية عن الأثر التدميري للصواريخ نفسها، لأنها تكشف جانبًا من بنية الدفاعات الإقليمية في ظروف اشتباك حقيقية.

سياسيًا، يبدو أن الأردن وجد نفسه مرة أخرى في موقع “جغرافيا الرسائل”، لا في موقع طرف الاشتباك. فالمملكة لم تكن هدفًا مباشرًا بقدر ما تحولت إلى مساحة تعبر فوقها رسائل القوة والنفوذ بين القوى الكبرى، وهو واقع يفرض عليها تحديات أمنية وسيادية متزايدة كلما اتسعت رقعة المواجهة الإقليمية. أما إسرائيل، فقد وجدت في هذا الحدث مبررًا إضافيًا لتكريس مفهوم “الدفاع المتقدم”، الذي يوسع عمليًا نطاق تدخلها العسكري خارج حدودها التقليدية تحت عنوان حماية الأمن القومي.

وبناءً على ذلك، فإن ما جرى لا ينبغي اختزاله في عنوان “صواريخ سقطت في الأردن”، بل في كونه مؤشرًا على تحول تدريجي في قواعد الاشتباك الإقليمي. فإيران تبدو وكأنها ترسم خطوطًا جديدة للردع، تؤكد من خلالها أن أي مواجهة مع الولايات المتحدة لا يمكن فصلها عن إسرائيل، وأن المسافة الفاصلة بين القواعد الأمريكية والمجال الأمني الإسرائيلي أصبحت، من منظورها، مسرحًا واحدًا للعمليات. وإذا استمر هذا النمط، فإن المنطقة قد تكون أمام مرحلة تتراجع فيها قيمة الحدود السياسية أمام خرائط الاشتباك العسكري، حيث تتحول دول العبور إلى ساحات ضغط، وتصبح الرسائل الصاروخية أداة لإعادة رسم التوازنات الاستراتيجية أكثر من كونها وسيلة لتحقيق إصابة تكتيكية محددة.

عباس المعلم - كاتب سياسي