ماذا لو أغلقت إيران مضيقي هرمز وباب المندب .. هل يدخل العالم في السيناريو الأسوأ ؟
مقالات
ماذا لو أغلقت إيران مضيقي هرمز وباب المندب .. هل يدخل العالم في السيناريو الأسوأ ؟
مهدي مبارك عبد الله
23 تموز 2026 , 22:15 م

د . مهدي مبارك عبد الله

ربما لم تعد المخاوف من انتقال المواجهة في المنطقة إلى الممرات البحرية الحيوية مجرد تحليلات نظرية أو حسابات افتراضية بعيدة ومع تصاعد الضغوط العسكرية وإعادة فرض الحصار على إيران واشتداد الضربات الجوية الأمريكية برزت إلى الواجهة تهديدات إيرانية صريحة بإمكانية اللجوء إلى استخدام أوراقها البحرية الاستراتيجية وفي مقدمتها مضيق هرمز وامتداداته المحتملة نحو باب المندب .

يبدو ان المعادلة الجديدة باتت لا تتعلق فقط بساحة مواجهة بين دولتين أو صراع عسكري محدود بل تفتح الباب أمام سؤال أكبر يتجاوز حدود الإقليم بأكمله ماذا سيحدث لو انتقل الصراع من استهداف المواقع العسكرية إلى محاولة التحكم بأهم شرايين الملاحة العالمية وما حجم التداعيات التي قد تترتب على إغلاق مضيقين يشكلان معاً أحد أهم مفاصل حركة الطاقة والتجارة والأمن الدولي .

التوقع المقلق الذي بات يفرض نفسه على مراكز القرار في العالم هو هل يبقى التلويح بهذه الورقة ضمن إطار الردع والضغط السياسي أم أن المنطقة تقترب فعلاً من لحظة خطيرة قد تغير قواعد اللعبة وتضع العالم أمام أحد أخطر السيناريوهات المحتملة في العقود الأخيرة .

عمليا لم يعد الحديث عن مضيقي هرمز وباب المندب مجرد نقاش جغرافي يتعلق بأهمية ممرين بحريين يربطان الشرق بالغرب بل أصبح جزءاً من معادلة استراتيجية تتجاوز حدود الإقليم إلى مستقبل النظام الدولي بأسره والعالم الذي بنى اقتصاده على انسياب الطاقة والتجارة عبر البحار يواجه اليوم احتمالاً غير مسبوق يتمثل في إغلاق متزامن لأهم شريانين بحريين في العالم وهو سيناريو إن تحقق فلن يكون مجرد أزمة ملاحة عابرة بل نقطة تحول تاريخية قد تعيد رسم خرائط القوة والنفوذ والاقتصاد العالمي لعقود طويلة قادمة.

لعل أخطر ما في هذا السيناريو لا يكمن في توقف عبور ناقلات النفط أو تأخر السفن التجارية فحسب بل في انهيار إحدى أهم المسلمات التي قامت عليها العولمة الاقتصادية وهي ضمان حرية الملاحة واستمرار تدفق السلع والطاقة دون انقطاع خاصة وان العالم الصناعي لم يبن ازدهاره على وفرة الموارد وحدها وإنما على سرعة انتقالها واستقرار خطوط إمدادها ولذلك فإن أي خلل يصيب هذه المنظومة يتحول فوراً إلى أزمة عالمية تمتد من أسواق المال إلى المصانع والموانئ والمستهلكين في مختلف القارات .

مضيق هرمز وحده يمثل شرياناً تمر عبره نسبة تقارب خمس تجارة النفط العالمية إضافة إلى كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال بينما يشكل باب المندب البوابة الجنوبية للبحر الأحمر والمدخل الرئيسي إلى قناة السويس التي تربط آسيا بأوروبا وعند جمع الأهمية الاستراتيجية للممرين معاً يصبح العالم أمام عقدة بحرية تتحكم بجزء بالغ الأهمية من حركة الطاقة والتجارة الدولية ولذلك فإن تعطلهما في وقت واحد سيولد صدمة مزدوجة تتجاوز آثارها كل الأزمات الاقتصادية التي شهدها العالم خلال العقود الأخيرة .

افتراضيا في حال وقوع هذا الإغلاق المزدوج فإن أولى النتائج ستكون قفزة تاريخية في أسعار النفط والغاز نتيجة تعطل جزء كبير من الإمدادات القادمة من الخليج العربي وارتفاع غير مسبوق في أسعار التأمين البحري والشحن والنقل مما سينعكس مباشرة على أسعار الغذاء والدواء والمواد الخام والمنتجات الصناعية لتدخل الاقتصادات الكبرى في موجة معقدة من الركود التضخمي حيث يتراجع النمو الاقتصادي بالتزامن مع ارتفاع معدلات التضخم بصورة يصعب احتواؤها بالوسائل التقليدية .

التداعيات المترتبة على هذا الفعل لن تقف عند حدود أسواق الطاقة حيث ستتعطل سلاسل الإمداد العالمية التي تعتمد على المرور عبر البحر الأحمر وقناة السويس وستضطر آلاف السفن التجارية إلى الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح وهو ما يضيف ما بين عشرة وخمسة عشر يوماً إلى زمن الرحلات البحرية ويضاعف استهلاك الوقود ويرفع تكاليف التشغيل والتأمين ويؤخر وصول المواد الأولية إلى المصانع والبضائع إلى الأسواق الأمر الذي يعيد إلى الأذهان اضطرابات سلاسل التوريد التي شهدها العالم بعد جائحة كورونا ولكن بصورة أشد اتساعاً وعمقاً.

المفارقة الابرز أن الأزمة لن تتعلق بنقص في الموارد فقط بقدر ما ستكون أزمة ثقة سيما وان الأسواق المالية لا تنتظر وقوع الكارثة حتى تتفاعل معها بل يكفي ارتفاع احتمالاتها حتى تبدأ رؤوس الأموال بالهروب وترتفع تكاليف التمويل وتتراجع الاستثمارات ويزداد الطلب على الأصول الآمنة وتدخل البورصات العالمية في موجات من التقلب الحاد لأن الاقتصاد الحديث يقوم بقدر كبير على توقعات المستثمرين بقدر اعتماده على الوقائع الميدانية .

دول الخليج العربية ستجد نفسها أمام تحد بالغ التعقيد فهي تعتمد على الممرات البحرية في تصدير الطاقة واستيراد نسبة كبيرة من احتياجاتها الغذائية والدوائية والصناعية ورغم وجود خطوط أنابيب بديلة لبعض الصادرات الا إن إغلاق باب المندب بالتزامن مع هرمز سيقيد فعالية كثير من هذه البدائل ويجعل المنطقة تواجه ضغوطاً اقتصادية ولوجستية غير مسبوقة بما يفرض البحث عن حلول إقليمية ودولية عاجلة للحفاظ على استقرار حركة التجارة.

في المقابل فإن الولايات المتحدة لن تكون بمنأى عن آثار هذه الأزمة رغم ارتفاع إنتاجها النفطي لأن أسعار الطاقة تحددها السوق العالمية وليس حجم الإنتاج المحلي وحده وكل ارتفاع كبير في أسعار النفط سينعكس على أسعار الوقود والنقل والصناعة والزراعة داخل الاقتصاد الأمريكي وسيزيد الضغوط على الاحتياطي الفيدرالي بين مكافحة التضخم والحفاظ على النمو كما أن أي تدخل عسكري واسع لإعادة فتح الممرات البحرية بالقوة سيعني استنزافاً مالياً وعسكرياً وسياسياً قد يمتد لفترة طويلة.

كما أن الصين والاتحاد الأوروبي والهند واليابان لن يستطيعوا الوقوف على هامش الأزمة لأن اقتصاداتهم تعتمد بصورة مباشرة على استمرار تدفق التجارة والطاقة عبر هذه الممرات ولذلك فإن أي اضطراب طويل الأمد سيدفع هذه القوى إلى البحث عن ترتيبات أمنية جديدة وربما إلى إعادة رسم خرائط النقل العالمية عبر الاستثمار في ممرات برية وخطوط أنابيب وموانئ بديلة بما يقلل تدريجياً من الاعتماد المطلق على الممرات التقليدية .

الحقيقة الراسخة انه من الخطأ الاعتقاد أن الإغلاق المزدوج يمكن أن يشكل مكسباً صافياً لأي طرف في هذه الورقة وإن كانت عمليا قادرة على رفع كلفة الصراع بصورة هائلة الا إن استخدامها عملياً يحمل أثماناً باهظة ومكلفة على جميع الأطراف بما فيها إيران نفسها لأن استمرار تعطيل الملاحة سيؤدي إلى تصعيد عسكري واسع يحفز القوى الكبرى على بناء منظومات بديلة تقلل مستقبلاً من القيمة الاستراتيجية لهذه الممرات وهو ما يعني أن ورقة الضغط الأقوى قد تتحول مع مرور الوقت إلى ورقة أقل تأثيراً إذا طال أمد استخدامها .

لذلك يمكن القول إن أخطر ما يكشفه هذا السيناريو ليس فقط هشاشة الاقتصاد العالمي وإنما ايضا ضعف النظام الدولي الذي ربط أمنه الاقتصادي بعدد محدود من نقاط الاختناق البحرية فإذا كانت الحروب في القرن الماضي تدور حول السيطرة على حقول النفط فإن صراعات القرن الحادي والعشرين تبدو أكثر ارتباطاً بالسيطرة على طرق عبوره لأن من يمتلك القدرة على تعطيل حركة التجارة والطاقة لا يحتاج بالضرورة إلى امتلاك أكبر الجيوش حتى يفرض نفسه لاعباً مؤثراً في معادلات القوة الدولية .

في المحصلة يبدو إن السؤال المطروح لم يعد ما إذا كان الإغلاق المزدوج لمضيقي هرمز وباب المندب سيقع أم لا لأن ذلك يبقى رهناً بتطورات الصراع وحسابات الأطراف المختلفة وإنما بات السؤال الأهم هو ما إذا كان العالم قد دخل بالفعل مرحلة جديدة أصبحت فيها الممرات البحرية أدوات ردع لا تقل تأثيراً عن حاملات الطائرات والصواريخ بعيدة المدى وإذا كان القرن العشرون قد كرس مفهوم الهيمنة العسكرية فإن القرن الحادي والعشرين قد يكرس مفهوماً أكثر تعقيداً وهو أن السيطرة على عقد التجارة العالمية قد تصبح الطريق الأقصر لإعادة تشكيل ميزان القوى الدولي وصناعة نظام عالمي مختلف تماماً عن ذلك الذي عرفناه طوال العقود الماضية .

كاتب وباحث مختص في الشؤون السياسية

[email protected]

الأكثر قراءة محور سُنّي يتشكل!
محور سُنّي يتشكل!
هل تريد الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة؟
شكراً لاشتراكك في نشرة إضآءات
لقد تمت العملية بنجاح، شكراً