​من التهديد إلى التراجع: قراءة إستراتيجية في سلوك
مقالات
​من التهديد إلى التراجع: قراءة إستراتيجية في سلوك "إرهاب الدولة" الأمريكي
عدنان علامه
2 آب 2026 , 18:39 م

عدنان علامه - عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين

​شهد العالم تقلبات حادة في الموقف الأمريكي تجاه إيران، بدأت صباحًا بتهديدات لضرب مصادر الطاقة وارتفعت الوتيرة إلى شن هجمات قاسية وعنيفة جداً ضد أهداف ومصالح إيرانية، وانتهت بتراجع مذِّل ومفاجئ.

هذا التخبط يعكس أزمة عميقة في صانع القرار الأمريكي، حيث تتصادم غطرسة القوة "الأنا المتفجرة" مع حقائق الميدان ومعادلات الردع.

#الرواية الأمريكية المختلقة مقابل حقائق الميدان

*​حاولت الإدارة الأمريكية إخراج تراجعها في قالب "دبلوماسي" يحفظ ماء وجه ترامب:

​أعلنت وسائل إعلام إسرائيلية أن ترامب ألغى هجوماً عسكرياً كان مخططاً له ضد إيران، لإفساح المجال أمام المفاوضات.

و​أدَّعى الرئيس الأمريكي أن إيران ودولاً أخرى في الشرق الأوسط طلبت تأجيل أي هجوم بعد التوصل إلى خطوط عريضة لاتفاق.

و​زعم ترامب أن هذا الإتفاق يشمل الفتح الفوري والكامل لمضيق هرمز، وإنهاء التهديد النووي الإيراني.

و​برر ترامب تراجعه بأنه وافق على إلغاء الهجوم، من أجل مستقبل أفضل للعالم، وكذلك من أجل بقاء إيران دولةً ناجحةً ومزدهرة.

و​في المقابل، تتكشف الأسباب الحقيقية لهذا التراجع، والتي لا علاقة لها بالحرص على ازدهار طهران أو مستقبل العالم:

ف​نفى محمد مرندي، المستشار السابق لفريق التفاوض الإيراني، الرواية الأمريكية بشكل قاطع.

و​أكد مرندي أن واشنطن هي التي عدلت عن العدوان العسكري، وليس طهران، مشيراً إلى أن "ترامب هو من تراجع".

وقد ​جمد ترامب خطط التصعيد العسكري، بناءً على نصائح وتحذيرات من قادة ومسؤولي البنتاغون.

و​جاء هذا التحذير العسكري خوفاً من إستنزاف مخزون الصواريخ الإعتراضية وأنظمة الدفاع الجوي بشكل خطير في حال اندلاع هجوم واسع.

و​يُضاف إلى ذلك التقييمات الاستخباراتية التي أكدت عدم جدوى العدوان، والرسالة الإيرانية الصارمة عبر باكستان بأن الرد سيكون مزلزلاً آوشاملاً على كل المصالح الأمريكية.

و​أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية تحذيرات أمنية للسفارات في الأردن والعراق وإسرائيل تطالب الرعايا بالاستعداد لمغادرة المنطقة، مما يعكس حجم التخبط والرعب من التداعيات.

#​السقوط القانوني والانتقال إلى "إرهاب الدولة"

​في الجانب القانوني، أسقط هذا السلوك كل المسوغات والادعاءات الأمريكية:

​*إنتهاك ميثاق الأمم المتحدة:

إن التهديد باستخدام القوة لتدمير مصادر الطاقة والبنى التحتية ينسف القانون الإنساني الدولي، ويخالف صراحة الفقرة (4) من المادة (2) من ميثاق الأمم المتحدة.

#​سقوط حجة "الدفاع عن النفس":

فلا يمكن تبرير هذه التهديدات تحت المادة (51) لعدم وجود هجوم مسلح مباشر أو مبرر شرعي للضربات الاستباقية.

#​إرهاب الدولة (State Terrorism):

يتحول سلوك الدولة العظمى إلى "إرهاب دولة" عندما تتخلى عن الدبلوماسية، وتلجأ إلى أدوات الترهيب العسكري، الحصار الاقتصادي الخانق، والتهديد بالإبادة الشاملة دون أي تفويض أممي؛ كأدوات ابتزاز سياسي لإخضاع الدول ذات السيادة وتحصيل تنازلات.

#​الشراكة والتواطؤ: إسرائيل ومجلس الأمن

​لا تعمل الإدارة الأمريكية في فراغ؛ فهناك شركاء في هذا الإرهاب الممنهج، وجهات دولية متواطئة عبر صمتها:

*​الدور الإسرائيلي:

تلعب إسرائيل دور الشريك الأساسي والمحرض في هذا النمط من الإرهاب الممنهج عبر الاعتداءات، والاغتيالات دون أي غطاء قانوني.

*​تآمر مجلس الأمن:

تتجلى الازدواجية في المعايير وازدراء القانون الدولي، في غياب أي تحرك رادع من مجلس الأمن أو الأمم المتحدة.

فبينما يسارع الأمين العام غوتيريش للتعبير عن القلق والمطالبة بوقف إطلاق النار حين تمارس المقاومة حقها في الدفاع عن النفس، يلوذ بالصمت أمام غطرسة ترامب.

إن صمت مجلس الأمن منذ انسحاب ترامب من الاتفاق النووي عام 2018 هو ما شرعن هذه البلطجة اليوم، ورسخ نظاماً عالمياً يُدار بـ "قانون الغاب" بدلاً من "قوة القانون".

ورأى معلق الشؤون الخارجية في صحيفة "الغارديان" ​سايمون تيسدال​، بتاريخ 19 تموز الحالي،في قراءة نقدية حادة لسياسة الرئيس الأميركي ​دونالد ترامب​ تجاه إيران، ورأى أنَّ "الخطر الأكبر لا يكمن فقط في قوة الخصوم أو طبيعة الصراع، بل في غياب إستراتيجية واضحة لإدارة الأزمة".

وأضاف تيسدال : "أن حب ترامب لذاته، هو العدو العالمي الأول"، ويقول: "إنه السبب الرئيسي وراء تصاعد هذه الحرب بشكل لا يمكن السيطرة عليه مرة أخرى. إنه سلاح دمار شامل متنقل".

وأضاف تيسدال: "أن ترامب أصبح العامل الأكثر خطورة في الأزمة الإيرانية، معتبرا أن طريقة إدارته للصراع دفعت الولايات المتحدة والعالم إلى مأزق سياسي واقتصادي وعسكري يصعب الخروج منه".

​وإنَّ غدًا لناظره قريب

02 آب/أغسطس 2026