لا يقتصر إدمان الأشخاص على العلاقات العاطفية، بل قد يظهر في الصداقة، والعائلة، والعمل، والمرجعيات الاجتماعية أو المهنية. تبدأ الحالة حين يربط الإنسان أمنه النفسي، أو ثقته بنفسه، أو قدرته على اتخاذ القرار، بشخص واحد يمنحه القبول أو التوجيه أو الحماية. ومع الوقت لا يعود وجود هذا الشخص مجرد إضافة إلى الحياة، بل يتحول إلى مركزٍ داخلي يدور حوله التوازن كله.
ويعمل هذا النمط من التعلق عبر دوائر المكافأة النفسية؛ فكل رسالة، أو موافقة، أو إشادة، أو استجابة من الشخص المرجعي تمنح الدماغ دفعة من الارتياح، بينما يثير غيابه أو صمته أو رفضه قلقًا يشبه أعراض الانسحاب. لذلك قد نجد موظفًا عاجزًا عن العمل دون تثبيت دائم من مديره، أو فردًا لا يتخذ قرارًا دون موافقة أحد والديه، أو صديقًا يفقد اتزانه إذا شعر بتراجع اهتمام رفيقه. هنا يصبح الشخص الآخر مصدر تنظيم نفسي خارجي بدل أن يكون علاقة متبادلة.
وتظهر الخطورة حين تبدأ الهوية بالانكماش لصالح هذه التبعية؛ فيراقب الإنسان ردود الفعل، ويعدّل آراءه، ويؤجل رغباته، ويتنازل عن حدوده كي لا يخسر مصدر الأمان. ومع استمرار ذلك تتراجع الاستقلالية الانفعالية، ويضعف تقدير الذات، وتتضخم حساسية الرفض، ويصبح أي فتور في العلاقة تهديدًا لصورة الإنسان عن نفسه، لا مجرد تغير طبيعي في التواصل.
أما التعافي فلا يعني قطع العلاقات أو تبني القسوة، بل إعادة توزيع مصادر الأمان والمعنى. ويبدأ ذلك ببناء قدرة مستقلة على اتخاذ القرار، وتوسيع شبكة الدعم، وتدريب النفس على تحمل غياب الاستجابة الفورية، وفصل القيمة الذاتية عن رضا الآخرين. فالعلاقة الصحية لا تجعل شخصًا واحدًا بوابةً وحيدة إلى الطمأنينة، ولا تحوّل القرب إلى ضرورة قهرية؛ بل تترك لكل طرف مساحةً يبقى فيها كاملًا، حتى وهو مرتبط بالآخرين.
" عباس المعلم " - إعلامي لبناني