حقق علماء إنجازا جديدا في مجال الفيزياء النووية، بعدما تمكنوا لأول مرة من رصد الجسيمات المضادة للنيوترينو المنبعثة من الوقود النووي المستهلك عقب إيقاف تشغيل مفاعل نووي بالكامل. ويعد هذا الاكتشاف خطوة مهمة قد تفتح الباب أمام تطوير وسائل أكثر دقة واستقلالية لمراقبة المفاعلات النووية وإدارة الوقود المستهلك.
ونشرت نتائج الدراسة في مجلة Physical Review Letters.
تجربة أجريت في فرنسا بقيادة علماء ألمان
أجرى الدراسة فريق بحثي من معهد ماكس بلانك للفيزياء النووية باستخدام كاشف Double Chooz الموجود في محطة تشوز للطاقة النووية شمالي فرنسا.
ويقع الكاشف على عمق نحو 400 متر تحت سطح الأرض، وعلى مسافة متساوية من مفاعلي المحطة النووية، ويحتوي على نحو 30 مترا مكعبا من سائل وامض خاص يصدر ومضات ضوئية دقيقة عند تفاعل جسيم مضاد للنيوترينو معه.
رصد الإشارة بعد توقف المفاعلين
حلل الباحثون بيانات جرى جمعها خلال 17.2 يوما أثناء توقف المفاعلين بالكامل عن العمل.
وخلال هذه الفترة، سجل الكاشف نحو 100 حدث مرشح يمثل جسيمات مضادة للنيوترينو ناتجة عن التحلل الإشعاعي داخل قلبي المفاعلين وأحواض تبريد الوقود النووي المستهلك.
وأظهرت النتائج توافقا كبيرا بين القياسات الفعلية والمحاكاة النظرية الخاصة بالوقود النووي المتبقي ونواتج الانشطار طويلة العمر، لتوفر بذلك أول دليل تجريبي مباشر يؤكد التوقعات العلمية المتعلقة بانبعاث مضادات النيوترينو من المفاعلات المتوقفة عن العمل والوقود النووي المستهلك.
وسيلة جديدة لمراقبة المفاعلات النووية
قال الباحث أنتوني أونيون إن مضادات النيوترينو نادرا جدا ما تتفاعل مع المادة، لكن عندما يحدث هذا التفاعل داخل كاشف Double Chooz فإنه يولد إشارة ضوئية مزدوجة مميزة يمكن تمييزها عن الإشعاع الخلفي.
وأوضح أن هذا الإنجاز يثبت إمكانية استخدام كواشف مضادات النيوترينو للتحقق بشكل مستقل من حالة تشغيل المفاعلات النووية، وكذلك مراقبة الوقود النووي المستهلك أثناء أعمال الصيانة أو بعد إيقاف المفاعلات.
من جانبه، أشار الباحث تييري لاسير إلى أن معظم الدراسات السابقة ركزت على المفاعلات العاملة، حيث تكون كمية مضادات النيوترينو أكبر بكثير، أما رصد الإشارة الضعيفة بعد إيقاف التشغيل فقد تطلب سنوات من تطوير تقنيات التحليل وتقليل التشويش الإشعاعي.
تطبيقات في الأمن والسلامة النووية
يرى الباحثون أن هذه التقنية قد توفر مستقبلا وسيلة إضافية لمراقبة المنشآت النووية والتحقق من حالة تشغيل المفاعلات وكميات الوقود النووي المستهلك، دون الاعتماد فقط على أساليب التفتيش التقليدية.
كما أشاروا إلى أن نتائج تجربة JUNO-TAO، التي عرضت خلال مؤتمر Neutrino 2026، أظهرت اهتماما متزايدا بهذا المجال، بينما تمثل نتائج تجربة Double Chooz أول مرجع علمي منشور يؤكد إمكانية رصد هذه الجسيمات بعد توقف المفاعل.
ويذكر أن مشروع Double Chooz أنشئ أساسا لدراسة تذبذب النيوترينوات، وساهم سابقا في قياس زاوية الخلط θ13، وهي أحد الثوابت الأساسية التي تفسر تحول النيوترينوات بين أنواعها المختلفة أثناء انتقالها عبر الفضاء، قبل أن يكشف الآن عن تطبيق جديد يتجاوز هدفه الأصلي.