بقلم :- راسم عبيدات
وقّعت السعودية وتركيا وباكستان «اتفاقية مكة للدفاع المشترك»، التي تنص على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوماً عليها جميعاً. يجمع الحلف المال والموقع والمكانة السعودية في مجال الطاقة العالمية ، والجيش والصناعة العسكرية التركيين، والجيش والترسانة النووية الباكستانيين، لكنه يترك السؤال الأهم بلا جواب، مَن هو العدو الذي يستدعي جمع هذه القدرات؟ إلا إذا كان الحلف مساراً احتياطياً لمرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي من المنطقة؟.
إذا كان المقصود إيران، فإن تركيا وباكستان اللتين لم تدخلا الحرب إلى جانب الولايات المتحدة، بكل ما تمثله من قوة، لن تخاطرا بدخولها إلى جانب السعودية التي تجنبت دخول الحرب ضد إيران أصلًا. كما أن الدولتين تؤديان دور الوسيط بين طهران وواشنطن والرياض، وتعرفان أن الحرب مع إيران سوف تهدّد حدودهما واقتصادهما وأمنهما الداخلي. وإذا كان المقصود اليمن، فإن باكستان التي رفضت عام 2015 المشاركة في الحرب السعودية "عاصفة الحزم"، لن تدخلها بعد أكثر من أحد عشر عاماً، بعدما ثبت عجز القوة العسكرية عن حسمها.
وإذا كان الحلف قد ولد تحت النار اليمنية، مع إطلاق أنصار الله سلسلة هجمات صاروخية ومسيّرة على مواقع القوات المدعومة سعودياً في مأرب وحضرموت، وإصابة جنوب المملكة، بالتوازي مع استمرار الحصار البحري على السفن المرتبطة بالسعودية. فإن السؤال هو هل تدخل تركيا وباكستان الحرب، أم تتحرّكان لفتح تفاوض حول مطلب اليمن رفع الحصار وتأمين الملاحة؟
أما “إسرائيل”، التي تحتل أراضي سورية ولبنانية وتواصل عدوانها على غزة، فتقع في قلب المجال الاستراتيجي للحلف، بينما الدول الثلاث أعضاء في مجلس السلام الخاص بغزة، وتركيا والسعودية معنيتان مباشرة بسورية ولبنان. فإذا امتلك الحلف شجاعة ردع “إسرائيل”، تحوّل إلى قوة إقليمية حقيقية تشارك إيران في حمل لواء قضية فلسطين وتخلق توازناً إقليمياً مع دورها يجعل الحوار مدخلاً لحل أي خلافات، وتمنح اليمن سبباً للتفكير بروية والاستعداد لفتح قنوات الحوار مجدداً، طالما أن الحديث يجري عن حل يرفع لواء فلسطين. أما إذا تجاهل الحلف “إسرائيل”، فلن يكون أكثر من طمأنة زائفة للسعودية واستعداد لزمن الانكفاء الأميركي، بلا عقيدة دفاعية واضحة.
بدأ المسار قبل أكثر من سنة، وسبقته اتفاقية الدفاع الاستراتيجي السعودية الباكستانية في أيلول 2025، قبل أن تدخل تركيا على الصيغة. لكن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، واستهداف القواعد والمصالح الأميركية في الخليج، وإغلاق هرمز، وتصاعد الضغط اليمني على السفن السعودية، وإستهداف اليمن – أنصار الله- القوات والتجمعات العسكرية السعودية وحلفائها من القوات اليمنية الجنوبية في حضرموت ومأرب،وسقوط عدد كبير من القتلى في صفوف تلك القوات،ورسم اليمن لمعادلات ردعية " الحصار مقابل الحصار والميناء مقابل الميناء والمطار مقابل المطار، وفرض حصار بحري على تصدير النفط السعودي،حتى يتم رفع الحصار الجوي والبحري عن المطارات والموانىء اليمنية ودفع الرواتب وغيرها، عجّلت بالتوقيع. لذلك قرأت الصحافة الأميركية الاتفاق بوصفه سعياً سعودياً إلى تنويع المظلات الأمنية، استعداداً لزمن لا تعود فيه الولايات المتحدة قادرًة أو راغبة في توفير الحماية الكاملة لحلفائها.
يبدو بأن الهزيمة العسكرية والسياسية التي منيت بها أمريكا وإسرائيل في حربها على ايران،وعدم تحقيق أهداف العدوان ،وخاصة ما يتعلق بإسقاط النظام،والتي استدعت قيام رئيس الموساد الإسرائيلي رومان غوفمان الى إقالة نائبة واثنان من قادة إستخبارات الجهاز،والذي رصد له لتنفيذ هذه المهمة 344 مليون دولار،والفشل في إعادة فتح مضيق هرمز دون قرار إيراني،رغم كل المحاولات الأمريكية للإلتفاف على ذلك،وفشل الحصار للموانىء الإيرانية والضربات العسكرية ،وكذلك فشل محاولة التهرب من تنفيذ أمريكا لإلتزاماتها في مذكرة التفاهم الأمريكية – الإيرانية،بالعمل على فتح مسار بحري بديل يمر عبر الأراضي العُمانية وبحماية أمريكية وموافقة خليجية،وكذلك تراجع كبير في مخزونات الصواريخ الإعتراضية الدفاعية للسعودية،عجلت في ولادة هذا الحلف الدفاعي الثلاثي.
نحن ندرك بأن الدول الثلاثة،هي دول حليفة لواشنطن،وهي لا تريد القطع مع واشنطن،أو الخروج من تحت مظلتها،وخاصة بأن تركيا عضو في حلف "الناتو" ،وهناك اكبر قاعدة جوية أمريكية " أنجرليك"،أما في باكستان النظام وخاصة الجيش وقيادته،يتغلغل فيها النفوذ الأمريكي.
السعودية بأتت ترى بأن الوجود الأمريكي في المنطقة،سائر نحو الخروج من غرب آسيا ومنطقة الخليج،ولذلك سعدت السعودية وحلفائها الأتراك والباكستانيين الى العمل على بناء وتجميع قدرات تحمي مصالحها، عندما لا تكون أمريكا قادرة على فعل ذلك أو لا تريد فعل ذلك،ولذلك أفدمت السعودية على تشكيل هذا الحلف لحاجتها الى طبقات حماية متعددةـ وليس طبقة حماية واحدة.
استشعار قوى التحالف الثلاثة بأن ايران،ستترسخ كقوة إقليمية كبرى ومهيمنة على منطقة الخليج،عجلت بهذا التحالف،ولربما موقع تركيا وباكستان على حدود ايران يمنحهما قدرات للضغط عليها.
دول التحالف حرصت على القول بأن هذا التحالف ليس محوراً عسكرياً أو تكتلاً طائفياً،وهو يقوم على الردع الجماعي ومحاربة الإرهاب والتعاون في الصناعات الدفاعية،وايران التي ربما يكون هذا التحالف موجه ضدها وضد محورها بالأساس،وصفت هذا التحالف بالتحالف الورقي الذي لن يجلب الأمن للسعودية ودعتها لتصحيح سياساتها بدل استجداء الأمن.
“إسرائيل” فتقع في قلب المجال الاستراتيجي الذي يفترض بالحلف التعامل معه، مع احتلالها أجزاء من سورية ولبنان واستمرار عدوانها على غزة. وتركيا والسعودية معنيتان مباشرة بسورية ولبنان، والدول الثلاث أعضاء في مجلس السلام الخاص بغزة.
الصحافة الإسرائيلية علقت على هذا التحالف، ما بين أنه ثقل سني في مواجهة ايران،والدخول التركي على خط السعودية،قد يعرقل التطبيع مع إسرائيل، فالقلق الإسرائيلي الحقيقي هو احتمال انتقال السعودية من انتظار الحماية الأميركية والتطبيع الإسرائيلي إلى بناء مظلة إسلامية مستقلة تضم قوة نووية.
الإختبار الحقيقي لهذا الحلف يكمن في تعريف العدو، فإذا سكت هذا الحلف عن إسرائيل التي تحتل أجزاء من الأراضي السورية واللبنانية واستمرار العدوان على قطاع غزة،ورفض الغوص في أسباب الموجهة مع ايران واليمن،فهذا لن يكون رؤيا استراتيجية لأمن المنطقة،بل عبارة عن صورة جماعية لطمأنة السعودية
ويبقى السؤال الجوهري ،هو هذا التحالف الذي يضم المال والقدرات العسكرية والنووية ،موجه ضد من ،وبدون ذلك سيبقى هذا التحالف تجمع عسكري بدون عقيدة دفاعية.
قلسطين – القدس المحتلة
8/7/2026