جيشٌ صَنَع شعباً… فهل يفكّك الشعبُ الدولة؟ إسرائيل وخطر الانفجار من الداخل ؟؟!
مقالات
جيشٌ صَنَع شعباً… فهل يفكّك الشعبُ الدولة؟ إسرائيل وخطر الانفجار من الداخل ؟؟!
عباس المعلم
26 آب 2026 , 23:30 م

قد يكون تحذير بنيامين نتنياهو من ضرورة الحفاظ على «وحدة المجتمع الإسرائيلي» ومنع الانزلاق إلى حرب أهلية أكثر من مجرد خطاب سياسي؛ فهو يلامس إحدى أقدم المعضلات البنيوية في إسرائيل: كيف تحافظ دولة شديدة القوة عسكرياً على تماسك مجتمع تكوّن تاريخياً من موجات بشرية شديدة الاختلاف في أصولها وثقافاتها وطبقاتها الاجتماعية؟ فالتفوق العسكري والاستخباري والتكنولوجي، مهما اتسع، لا يستطيع وحده إلغاء التصدعات الداخلية. إسرائيل لم تنشأ فوق مجتمع متجانس سبق الدولة تاريخياً بصورته الحالية، بل استقبلت خلال سنواتها الأولى موجات هجرة ضخمة من أوروبا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وسعت عبر سياسة «بوتقة الصهر» إلى إنتاج هوية إسرائيلية جامعة. وفي الخمسينيات أصبح اليهود القادمون من آسيا وشمال أفريقيا نحو 40% من السكان اليهود، لكن هذا التحول الديموغرافي لم ينعكس على موازين السلطة؛ إذ بقيت النخبة السياسية والمؤسساتية في معظمها أشكنازية، وفق توصيف معهد إسرائيل للديمقراطية نفسه. وهنا نشأت إحدى المفارقات المؤسسة: جُمعت جماعات متعددة داخل دولة واحدة، ثم استُخدمت الدولة والجيش والتعليم واللغة لإعادة تشكيلها في صورة مجتمع واحد، أي إن المؤسسة لم تكن نتيجة المجتمع فقط، بل كانت إحدى أدوات صناعته.

والتاريخ المبكر يكشف أن عملية الدمج لم تكن متكافئة. فالمهاجرون الشرقيون، ولا سيما القادمون من المغرب والعراق واليمن ودول عربية وإسلامية أخرى، وجد كثير منهم أنفسهم في «المَعاباروت»؛ وهي مخيمات ومدن انتقالية ارتبطت بظروف معيشية واجتماعية صعبة، بينما ظلت مراكز القرار السياسي والاقتصادي والثقافي خاضعة بدرجة كبيرة للنخبة الأشكنازية. ويشير معهد إسرائيل للديمقراطية إلى أن الشرقيين عانوا نقصاً في التمثيل السياسي وتمركزاً في مراتب أدنى من حيث الدخل ومستوى المعيشة والمهن. ولم يبق الاحتقان كامناً: ففي وادي الصليب في حيفا عام 1959 انفجرت احتجاجات قادها أساساً يهود مغاربة ضد ما اعتبروه تمييزاً اجتماعياً وإثنياً، وأصبحت الواقعة علامة تاريخية على الشرخ الشرقي–الأشكنازي. وتؤكد دراسات أكاديمية حديثة أن ظروف السكن والعمل والتعليم والتهميش كانت من خلفيات الانفجار. ثم عادت الأزمة بصورة أكثر تنظيماً مع ظهور حركة «الفهود السود» الإسرائيلية عام 1971 بين شبان شرقيين، خصوصاً من أصول مغربية، احتجاجاً على الفوارق والتهميش؛ وفي ذلك العام كان 51% ممن شملهم القياس يصفون العلاقة بين الأشكناز والشرقيين بأنها سيئة أو سيئة جداً. وحتى بعد عقود من الاندماج، لم تختفِ آثار الفجوة تماماً؛ فقد وجدت دراسة اقتصادية إسرائيلية أن فجوة صافي الدخل بين ذوي الأصول الأوروبية–الأميركية وذوي الأصول الآسيوية–الأفريقية، رغم تقلصها، كانت لا تزال تقارب 27% عام 2011 مقابل نحو 40% في منتصف التسعينيات.

وهذا التاريخ مهم لفهم الحاضر، لأن إسرائيل ليست منقسمة على محور واحد يمكن احتواؤه بتسوية سياسية؛ بل تتقاطع داخلها خطوط صدع متعددة: أشكناز وشرقيون، متدينون وعلمانيون، حريديم وغير حريديم، يمين ويسار، يهود وعرب، ومهاجرون قدماء وموجات هجرة أحدث. حتى الذاكرة التاريخية نفسها تحمل ملفات شديدة الحساسية، مثل قضية اختفاء أطفال من عائلات يمنية وشرقية خلال سنوات التأسيس، وهي قضية ظلت موضع لجان تحقيق ونزاع تاريخي واجتماعي طويل، وتتناولها الأدبيات الأكاديمية باعتبارها جزءاً من أزمة الثقة بين بعض الجماعات الشرقية ومؤسسات الدولة. لذلك فإن التمييز لم يكن مجرد خلاف ثقافي عابر، بل ترك رواسب سياسية وطبقية وهوياتية؛ وفي مؤشر الديمقراطية الإسرائيلي لعام 2007 وصف 55% من اليهود العلاقات بين الأشكناز والشرقيين بأنها «غير جيدة» أو «غير جيدة إطلاقاً»، إلى جانب مستويات أعلى من التوتر اليهودي–العربي والغني–الفقير والديني–العلماني. ومع أن الزواج المختلط والحراك الاقتصادي والتعليم وتبدل الأجيال خففت كثيراً من الحدود القديمة، فإنها لم تمحُ بالكامل الذاكرة التي تشكلت في عقود التأسيس، بل انتقلت أجزاء منها إلى السياسة والاقتراع وتوزيع المكانة والنفوذ. وهذا يجعل الأزمة أخطر عندما تتزامن الشروخ التاريخية مع نزاع معاصر حول القضاء، وهوية الدولة، والدين، والتجنيد، والحرب، وحدود سلطة الحكومة.

ومن هنا تختلف فرضية الحرب الأهلية الإسرائيلية عن النموذج التقليدي لحرب أهلية بين إقليمين أو جيشين؛ إذ يمكن أن تبدأ بتشقق منظومة الولاء نفسها: رفض الخدمة أو أوامر السلطة لدى بعض الفئات، صدام بين المتدينين والعلمانيين حول هوية الدولة، انفجار يهودي–عربي داخل المدن المختلطة، انتقال الخصومة السياسية إلى الجيش والاحتياط والأجهزة، أو تحوّل النزاع على القضاء والحكومة إلى سؤال أعمق: من يملك تعريف الدولة ومن يملك حق الأمر فيها؟ وهنا تصبح نقطة القوة التاريخية نفسها نقطة حساسية؛ لأن الجيش كان إحدى أهم مؤسسات الدمج وصناعة الهوية المشتركة، ولذلك فإن وصول الانقسام المجتمعي إليه سيكون مختلفاً جذرياً عن مجرد أزمة حكومية. لا يعني ذلك أن تفكك إسرائيل حتمي؛ فالدولة تمتلك مؤسسات قوية وموارد ضخمة وقدرة عالية على التعبئة، كما أن المجتمع الإسرائيلي أظهر تاريخياً قدرة على الالتفاف عند الشعور بالخطر الخارجي. لكن المفارقة تبقى قاسية: الخطر الخارجي قد يوحّد مجتمعاً منقسماً، أما الحرب الأهلية فتفعل العكس؛ إنها تنقل الحرب إلى المادة البشرية والمؤسساتية التي صُنعت منها الدولة نفسها. وعند بلوغ تلك النقطة، لن يكون السؤال كم تمتلك إسرائيل من طائرات وصواريخ، ولا كم أرضاً تستطيع احتلالها، بل كم تستطيع الاحتفاظ من تماسكها عندما يصبح الانقسام داخل الجيش والمجتمع والدولة أعمق من قدرة القوة العسكرية على ستره. فالجغرافيا يمكن احتلالها بالقوة، لكن المجتمع لا يُحتل من داخله إلى الأبد؛ وحين تتفكك «بوتقة الصهر» التي جمعت الجماعات المختلفة، قد يصبح تفكيك ما جُمع تاريخياً أسرع بكثير من الزمن الذي استغرقه جمعه.

عباس المعلم -كاتب سياسي