المدون : الطالب فراس السقا
عرفت النساء عدة مكتسبات على مر العصور ففي القرن التاسع عشر ظهر الجيل الأول كان النضال النسوي مرتكزا حول حقوق تعد اليوم بديهية مثل الحق في الإنتخاب و التعليم في مرحلته الأساسية و تاريخيا تعد دولة نيوزيلندا أول دولة تمنح للمرأة الحق في التصويت سنة 1893 , و قد برز الجيل النسوي الثاني في منتصف القرن العشرين حيث برزت المطالبة بالمساواة في الحقوق المهنية من عدد ساعات العمل و الإنتداب و الأجر , هذا و قد عمل الجيل النسوي الثالث الذي ظهر في فترة التسعينات على تجريم العنف المادي و المعنوي ضد المرأة بينما يسعى الجيل النسوي الحالي على القضاء على جميع أشكال التمييز المسلط ضد المرأة .
هذه الإنجازات توضح أن حقوق المرأة تشهد تطورات و لكن هذا التطور لا يعد كونيا حيث أنه لم يشمل كل النساء في العالم و لعل المرأة الأفغانية أدق و أبرز مثال على ذلك فلا يوجد مرأة أفغانية اليوم تجاوزت التعليم الأساسي ناهيك عن عدة حقوق أساسية أخرى تمنع المرأة الأفغانية اليوم من التمتع بها بسبب سيطرة حكومة طالبان و إستيلائها على الحكم في أفغانستان , و تدعونا هذه المعطيات للتأمل في تاريخ و حاضر المرأة الأفغانية على المستوى الحقوقي و مستقبلها مع حكومة طالبان
تاريخ المرأة الأفغانية
وضع المرأة الأفغانية قبل صعود طالبان لسدة الحكم
قبل ضهور و تأسيس جماعة طالبان كان واقع المرأة أفضل نسبيا خاصة في عهد الملك أمان الله خان , الرجل الذي حكم أفغانستان لمدة عشر سنوات من 1919 حتى سنة 1929 تاريخ تنازله عن العرش و عرفت فترته عدة إصلاحات على جميع المستويات فعلى المستوى السياسي تم القطع مع الملكية المطلقة ليتم إرساء ملكية مقيدة بدستور ( ملكية دستورية ) و قد كرس هذا الدستور الذي صدر سنة 1923 بصفة صريحة المساواة بين جميع المواطين في الحقوق و الواجبات بالمادة السادسة عشرة و أقر بمبدأ الحرية الشخصية بالمادة التاسعة و مجانية التعليم بالمادة الرابعة عشرة و إجباريته في المرحلة الإبتدائية على الجميع بالمادة الثامنة و الستون , و قد تبع هذا التنصيص الدستوري بناء عدة مدارس للفتيات كما تم إرسال بعثات تعليمية ذكورا و إناثا للدراسة في الخارج بدعم من الملكة ثريا طرزي زوجة الملك أمان الله خان , كما تم العمل على الحد من العمل بالعادات و التقاليد المتشددة عبر التشجيع على إرتداء الملابس الحديثة و العمل على منع إجبار الفتيات على إرتداء الحجاب أو البرقع . هذه الإصلاحات و لئن إعتبرناها تطورا للمرأة الأفغانية في الجانبين الحقوقي و الإجتماعي على الأقل إلا أنها كانت سببا في خلق عدة إنتفاضات نتيجة التعصب الديني و القبلي لرجال الدين الأفغان نذكر مثالا على ذلك تمرد خوست الذي رغم قمعه سنة 1925 إلا أن إستمرار التمردات و الإنتفاضات أدى إلى تنازل الملك أمان الله خان عن عرشه في شتاء 1929 و ذهابه لإيطاليا قبل أن يتوفي سنة 1960
المرأة الأفغانية خلال فترة حكم طالبان الأولى ( 1996-2001 )
تأسست طالبان سنة 1994 على يد الملا عمر مع عدد من الطلبة الذين يحملون معاداة للشيوعية و للأفكار الغربية عموما و قد إستولت هذه الجماعة التي أسسها مجموعة من الطلبة على الحكم بعد سيطرتهم على العاصمة كابول سنة 1996 ليتم إعلان ما يسمى بإمارة أفغانستان الإسلامية التي حضيت بإعتراف باكستان و المملكة العربية السعودية و الإمارات العربية المتحدة و على المستوى الحقوقي أسست طالبان مايسمى بالشرطة الدينية التي مارست عدة إعتداءات بحق المرأة من ضرب علني بسبب عدم إرتداء البرقع أو إذا كان هذا الأخير لا يستوجب للشروط التي وضعتها الحكومة كما يمكن للشرطة الدينية إعتقال المرأة بسبب خروجها دون محرم إضافة للفتاة التي تتعلم سرا حيث أن حكومة طالبان قد أمرت بإغلاق جميع مدارس الفتيات إذ أقرت وزارة الخارجية الأمريكية سنة 1998 إستنادا لتقرير صادر من منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان أن %22 من النساء في كابل واجهن ضغوطات من طالبان و أغلب هذه الضغوطات كانت مرتبطة بلباس البرقع زيادة على أنه تم الإعتداء جسديا على أغلب النساء اللواتي تم إعتقالهن و هو ما أحدث غضبا عالميا من طالبان خاصة مع إيوائها لتنظيم القاعدة الإرهابي , كل هذه الأحداث أدت لسحب المملكة العربية السعودية و الإمارات العربية المتحدة إعترافهما بحكومة طالبان سنة 2000 قبل الغزو الأمريكي لأفغانستان بسنة واحدة
واقع و مستقبل المرأة الأفغانية
المرأة الأفغانية اليوم مع عودة طالبان للحكم
في منتصف سنة 2021 إنسحبت القوات الأمريكية من أفغانستان بعد مفاوضات بدأت سنة 2020 شهر فبراير بين الولايات المتحدة الأمريكية و جماعة طالبان بالعاصمة القطرية الدوحة , و بإنسحاب القوات الأمريكية عادت طالبان لتمسك بزمام السلطو ة دواليب الدولة و قد أكدت طالبان فور تسلمها للحكم أن الحكم سيكون إستنادا للشريعة الإسلامية لكنها قدمت وعودا بإحترام حقوق المرأة مثل إلغاء إجبارية إرتداء البرقع , و لكن اليوم و بعد حوالي 5 سنوات من تسلم طالبان لدواليب الحكم يبدو لنا أن واقع المرأة الأفغانية يكاد يكون مشابها لواقعها خلال الفترة الأولى لحكم طالبان خاصة مع صدور قانون الأخلاق الأفغاني سنة 2023 الذي فرض إرتداء البرقع على جميع النساء كما تم منع النساء من الغناء أو القراءة بصوت عال أو حتى مجرد التحدث بصوت عال في الأماكن العامة و قد أثار هذا القانون غضبا في صفوف الناشطات الأفغانيات اللواتي أطلقن حملة صدای من عورت نيست ( صوتي ليس عورة ) هذا إلى جانب السماح بضرب الزوج لزوجته و منع الفتاة من التعلم بعد إتمام المرحلة الأساسية , كما أن زواج القاصرات في أفغانستان مازال منتشرا إلى اليوم و خاصة في الأوساط الريفية خاصة في ظل تجاهل حكومة طالبان للأمر مع غياب أي محاولة منها لمنعه أو حتى الحد منه
أي مستقبل ينتظر المرأة الأفغانية
رغم كل هذه القيود إلا أن التفائل بغد أفضل منتشر بين النساء الأفغانيات حيث قالت ممثلة هيئة الأمم المتحدة للمرأة في أفغانستان أن 40% من النساء الأفغانيات يطمحن بمستقبل يتحقق فيه التغيير و تكرس فيه المساواة و هو ما يعطي أملا في حدوث إنفراج و لو كان تدريجيا على المستوى الحقوقي خاصة في ظل عزلة طالبان دوليا و عدم إعتراف أي دولة بها كحكومة شرعية بإستثناء روسيا سنة 2025 في شهر يوليو فكما تطمح المرأة الأفغانية بواقع أفضل نطمح اليوم نحن المدونون و كافة المناصرين لحقوق المرأة بغد أفضل