وما بدّلوا تبديلاً .. حزب الله حتى ينقطع النفس
مقالات
وما بدّلوا تبديلاً .. حزب الله حتى ينقطع النفس
عباس المعلم
30 آب 2026 , 22:25 م

قالوا فيه حتى بَحَّ الكلام، وكتبوا عنه حتى كادت المحابر تنزف من فرط ما حُمِّلت من خصومة؛ ضيّقوا عليه الأرض، ثم ضاقوا حتى باسمه، فصار ذكره عند قومٍ تهمة، ومحبته شبهة، والوفاء له عبئًا يدفع صاحبه من راحته ورزقه وصورته بين الناس. هو حزب الله؛ ذلك الاسم الذي لم يعرف يومًا نعمة المرور خفيفًا في هذه الدنيا: إن انتصر، أقاموا حول نصره ألف رواية ليطفئوا وهجه، وإن جُرح، ازدحموا على جرحه، وإن نزف، خرجت من الشقوق أفواهٌ كثيرة تنهش لحمه قبل أن يجف دمه؛ حتى ليخال المرء أن بعضهم لم يكن ينتظر سقوطه، بل كان ينتظر وجعه ليعلن ما أخفاه طويلًا.

وكان السيد حسن يقولها بمعناها كمن يعرف طبائع الطريق قبل أن تبلغها الأقدام: إن الله لا يهب العزَّ لخليطٍ لم تمحّصه النار. فلا بدّ أن تهب العاصفة كي يُعرف الجذر من الورق؛ فيتعب من كان يحمل الطريق على كتفيه لا في قلبه، ويفرّ من أحبّ النصر ولم يحتمل ثمن الصبر، ويخون من كان مستورًا بالعافية، وينقلب من كانت قدمه معنا وقلبه في مكان آخر، ويعتزل قوم، ويصعد آخرون إلى التلال ينتظرون لمن تكون الغلبة. ثم يهدأ الغبار، فلا يبقى في الساحة إلا قليلٌ عجيب؛ وجوهٌ لوّحتها المحن، وقلوبٌ مرّت عليها النار فلم تجد فيها شيئًا تحرقه سوى الخوف.

وها نحن اليوم كأن الدنيا قد جمعت جدرانها الأربعة وأطبقتها علينا؛ الأرض تضيق، والأبواب توصد، والسهام تأتي من الجهات التي نعرفها ومن جهاتٍ ما حسبنا يومًا أن يأتي منها سهم. ومع ذلك، ما ازددنا لهذه المسيرة إلا معرفة؛ فالطرق تُعرف عند انطفاء المصابيح، والرفاق يُعرفون حين يصبح الطريق موحشًا، والعهد لا يُختبر يوم تصفق الجموع، بل يوم تنفضُّ الجموع ولا يبقى حوله إلا الذين أحبوه حين صار الحب كلفة، وحملوه حين صار الحمل وجعًا، وبقوا حين أصبح الرحيل أسهل ألف مرة من البقاء.

لهذا لا نسأل اليوم كم بقي معنا، ولا كم مضى عنا؛ فالجبال لا تستوحش لقلة الواقفين على قممها. إن بقي من الدنيا شبرٌ وقفنا عليه، وإن بقي من العمر يومٌ حملنا فيه عهدنا، وإن بقي في الصدر نبضٌ واحد فلن نجعله شاهد خوف، بل شاهد وفاء. ولو انطبقت السماء على الأرض، وتكسرت فوق رؤوسنا الجهات، وغاب عن العين كل منفذ، فلن نفتش في آخر العتمة عن بابٍ نهرب منه، بل عن موضعٍ نحفظ فيه العهد نظيفًا حتى آخر النَّفَس.

فبعض الطرق لا تُترك لأنها شقّت الأقدام، وبعض العهود لا تسقط لأن أهل الأرض اجتمعوا عليها، وبعض اليقين كلما أرادوا دفنه أخرجته المحنة من التراب أصلب مما كان. وهكذا نبقى: لا لأن الطريق بلا جراح، بل لأن الجراح لم تستطع أن تنتزع الطريق من أرواحنا؛ ولا لأن الدنيا رحبت بنا، بل لأننا تعلّمنا أن للمرء وطنًا في عقيدته حين تضيق به أوطان الأرض. حتى يأذن الله بفرجه، أو نأتيه وليس في أيدينا من الدنيا شيء، إلا عهدٌ حملناه طويلًا، ثم أعدناه إليه كما أخذناه: لم نبع، لم نبدّل، ولم ننحنِ إلا لله.

"عباس المعلم " كاتب سياسي