ترامب ورحلة الانحدار ... من الاستعراض والابتذال الى المراهقة والانفلات تصرفات مشينة لا تليق برئيس دولة
مقالات
ترامب ورحلة الانحدار ... من الاستعراض والابتذال الى المراهقة والانفلات تصرفات مشينة لا تليق برئيس دولة
مهدي مبارك عبد الله
4 أيلول 2026 , 20:13 م

د . مهدي مبارك عبد الله

تختلف التصرفات التي تُسقط هيبة الرؤساء باختلاف السياقات غير أن هناك خطاً أحمر غير مكتوب يحكم سلوك من يجلس على قمة هرم السلطة حيث يتصل هذا الخطٌ بوقار المنصب قبل أي اعتبار آخر وعندما تكسر الهيبة مراراً وتكراراً فإن المسألة لا تعود مجرد أسلوب شخصي بل تتحول إلى إشكالية تمس صورة الدولة نفسها في أعين مواطنيها والعالم ومن هنا يبرز الجدل المتواصل حول سلوك الرئيس دونالد ترامب بوصفه نموذجاً لزعيم اختار أن يغامر برمزية المنصب مقابل شعبوية صاخبة تخلط بين الاستعراض السياسي والانفلات الشخصي

في هذا السياق تبدو الحكاية التي رواها ترامب عن زوجته ميلانيا قبل شهور قليلة كاشفة بقدر ما هي صادمة حين أقرّ بأن رقصته التي يختتم بها تجمعاته حيث يختتم ترامب عادة تجمعاته الانتخابية بالرقص على أنغام Y.M.C.A. لفرقة فيليدج بيبول وهي أغنية قال إنها تعرف أحيانا بالنشيد الوطني للمثليين وهذا لا تعجبها وتراه تصرفاً لا يليق برئيس وعلى الرغم من استياء زوجته لم يبد أي نية للتخلي عن هذا التقليد ويصر على أدائها وكأنها جزء من هويته السياسية والمشكلة هنا لا تكمن في الرقصة بحد ذاتها بل في الإصرار على تكريس صورة رئيس يتعامل مع المنصب كمنصة استعراض شخصية لا كرمز سيادي ما يعكس استخفافاً ضمنياً بالبروتوكول وبما تمثله الرئاسة من ثقل معنوي تقليدي .

لم تعد الامور تقف عند حدود السلوك الاستعراضي فحسب بل باتت تمتد إلى نمط أوسع من التصرفات غير المنضبطة التي تتجلى في لغة حادة تميل إلى السوقية والانحطاط وكذكل في الاندفاع الفظي الذي يتجاوز الأعراف الدبلوماسية حيث تحولت خطاباته في أكثر من مناسبة إلى منصات لإطلاق أوصاف مهينة بحق خصومه السياسيين وحلفائه الاستراتيجيين على حد سواء وهو ما يضعف صورة الدولة الامريكية ويحوّل الخطاب السياسي إلى مادة للجدل والابتذال بدل أن يكون أداة لقيادة الرأي العام وتوجيهه نحو الافضل .

الحقيقة الثابتة ان هذا الانفلات لا ينفصل عن طريقة إدارة القضايا الكبرى حيث يظهر الرجل في كثير من الأحيان وكأنه يتصرف بدافع اللحظة لا وفق حسابات استراتيجية راسخة وقد تراه ينتقل من التهديد إلى التراجع ومن التصعيد إلى المهادنة في وقت قياسي وهو سلوك في تكراره يزرع الشك في قدرة القيادة على ضبط إيقاع القرار ويجعل العالم أمام حالة دائمة من عدم اليقين خصوصاً عندما يتعلق الأمر بدولة تمتلك من القوة ما يجعل أي ارتباك في قيادتها شأناً دولياً بامتياز .

كما أن إشكالية الشخصنة تبدو حاضرة بقوة مع ترامب إذ يميل إلى التعامل مع الملفات العامة بمنطق الربح والخسارة الشخصية لا بمنطق المصلحة الوطنية الشاملة حيث يظهر أحياناً كزعيم حملة انتخابية دائمة أكثر منه رئيساً لكل المواطنين وهو ما يخلق انقساماً داخلياً حاداً يقوّض فكرة الدولة الجامعة التي يفترض أن يجسدها هرم السلطة .

إذا أضفنا إلى ذلك سلوكيات اخرى توصف بأنها غير لائقة ومخجلة في التعامل الجسدي والإشارات والحركات المثيرة للجدل فإن الصورة تزداد قتامة ويتحول الرئيس في نظر منتقديه إلى شخصية أقرب إلى المراهقة السياسية منها إلى رجل دولة متزن وشخصية هزلية تستسهل كسر القواعد وتتعامل مع النقد باعتباره وقوداً إضافياً للاستعراض لا فرصة للمراجعة والمواجهة .

رغم أن كثير من أنصاره يرون في هذا الأسلوب تعبيراً عن الصراحة وكسر للقوالب التقليدية الجامدة إلا أن السؤال الأعمق يظل قائماً حول الثمن الذي تدفعه هيبة الدولة مقابل هذه الشعبوية الزائدة خاصة ان الرئاسة بمكانتها ليست مسرحاً للفت الانتباه بل هي مؤسسة رسمية تُبنى على الانضباط والاتزان والقدرة على تمثيل الدولة بأفضل صورة ممكنة وعندما تغيب هذه العناصر يصبح المنصب نفسه عرضة للتآكل الرمزي وفقدان الهيبة والاحترام .

على المستوى الأميركي الداخلي لا يمكن فصل هذا النمط من السلوك عن حالة الاستقطاب الحاد التي تعيشها الولايات المتحدة حيث تتحول الشخصية القيادية إلى عامل انقسام بحد ذاته وبدلا من أن تكون الرئاسة مساحة جامعة تصبح أداة حادة لتعميق الشروخ السياسية والاجتماعية ومع تكرار التصريحات الصادمة والممارسات غير المنضبطة تتضاءل ثقة شريحة واسعة من المواطنين بمؤسساتهم ويغدو الجدل حول السلوك الشخصي بديلا عن النقاش الجاد حول السياسات العامة وهو ما ينعكس مباشرة على جودة الديمقراطية وصورتها في الداخل والخارج .

أما في المحيط الدولي فإن الحلفاء قبل الخصوم يجدون أنفسهم أمام شريك غير قابل للتوقع كما ان استمرار التقلب في الخطاب والاندفاع في اتخاذ المواقف يضعفان من مصداقية الالتزامات الأميركية يجعلان العلاقات الدولية أقرب إلى ساحة اختبار دائم للنوايا بدلا من كونها شبكة مصالح مستقرة في ظل قيادة تغلب فيها ردود الافعال على التخطيط وتستبدل اللغة الدبلوماسية بالضجيج الإعلامي وهو ما يفتح الباب أمام قوى دولية أخرى لإعادة تشكيل موازين النفوذ مستفيدة من هذا الارتباك في قمة النظام الدولي .

اللافت اما هذه التناقضات ان العالم يقف حائرا أمام مفارقة لافتة تقود فيها القوة الأكبر دولة تتراجع فيها صورة الوقار المؤسسي لصالح فردانية صاخبة ومع استمرار هذا النمط لا يقتصر الخطر على تراجع الهيبة وحدها بل يمتد إلى طبيعة القرار نفسه وإلى استقرار النظام الدولي ككل وحين يصبح السلوك الشخصي عاملا مؤثرا في مصير دول وشعوب هنا تتحول السياسة إلى مغامرة مفتوحة على احتمالات غير محسوبة وتغدو الحاجة أكثر إلحاحا لإعادة الاعتبار لمفهوم القيادة الرصينة التي توازن بين القوة والمسؤولية في عالم لم يعد يحتمل مزيدا من الفوضى والصبيانية غير المسؤولة .

حتاما : واقع الحال بات لا يتعلق برأي سياسي بقدر ما هو نقاش بين معنى القيادة وحدودها وواجباتها وقواعدها وبين رئيس لا زال يصر على الرقص والمجون والجنون رغم اعتراض أقرب الناس إليه واكثرهم صلة به مقابل عالم اصبح يراقب بقلق تصرفاته المتقلبة وكلماته النابية التي باتت تشكل معضلة حقيقية عنوانها تراجع الوقار الرصانة لصالح الاستعراض والعبث وهذا ما يطرح سؤالاً مفتوحاً حول مستقبل صورة القيادة في زمن تتداخل فيه ابجديات السياسة مع صندوق الفرجة إلى حد غير مسبوق .

كاتب وباحث متخصص في الشؤون السياسية

[email protected]