تعود الساحة اليمنية إلى واجهة المشهد الإقليمي مع تصاعد العمليات العسكرية في عدد من الجبهات، بالتزامن مع هجمات صاروخية وبالطائرات المسيّرة استهدفت، بحسب التصريحات السعودية، مواقع مدنية واقتصادية ومنشآت للطاقة في جنوب المملكة.
في المقابل، تقول جماعة أنصار الله إن هذه العمليات تأتي في إطار الرد على ما تعتبره تصعيداً عسكرياً ضدها، فيما تؤكد القوات الحكومية اليمنية أنها تحقق تقدماً ميدانياً في جبهات الجوف والبيضاء وتعز.
وبعيداً عن الروايات المتقابلة، فإن التطورات الأخيرة تستحق التوقف عندها من زاوية أوسع، لأن استمرار التصعيد يحمل مخاطر تتجاوز حدود اليمن والسعودية، خصوصاً إذا اتسعت دائرة الاستهداف لتشمل منشآت الطاقة أو المرافق الحيوية.
فالمنطقة تمر أصلاً بمرحلة دقيقة، وأي اضطراب إضافي في أمن الطاقة أو طرق الملاحة يمكن أن ينعكس سريعاً على الأسواق العالمية. ويكفي ارتفاع مستوى المخاطر حتى تتحرك أسعار النفط قبل أن تتضح الصورة العسكرية والسياسية كاملة.
لكن السؤال الأهم ليس فقط: من سيرد على من؟ بل إلى أين يمكن أن يقود هذا المسار؟
فالتجربة اليمنية خلال السنوات الماضية أثبتت أن التفوق العسكري وحده لا يكفي لإنهاء الصراع، وأن الحل المستدام يحتاج إلى تسوية سياسية تراعي تعقيدات الداخل اليمني، وتفتح الباب أمام تفاهمات إقليمية تخفف من احتمالات التصعيد.
كما أن دخول أطراف إقليمية ودولية على خط الأزمة يجعل أي مواجهة واسعة أكثر تعقيداً. فاليمن يقع في موقع جغرافي بالغ الأهمية، قريب من خطوط الملاحة الدولية، فيما تمثل السعودية إحدى أهم ركائز استقرار أسواق الطاقة في العالم.
ومن هنا، فإن مصلحة جميع الأطراف تكمن في منع تحول الجولة الحالية إلى دورة جديدة من التصعيد المفتوح. فالسعودية معنية بأمن أراضيها ومنشآتها وسكانها، واليمن بحاجة قبل أي شيء إلى الاستقرار وإعادة البناء، والمجتمع الدولي معني بالحفاظ على أمن الملاحة والطاقة ومنع توسع الصراع.
الرسالة الأهم اليوم ليست في حجم الضربة المقبلة، وإنما في القدرة على منع الضربة التالية.
فاليمن لا يحتاج إلى حرب جديدة بقدر ما يحتاج إلى فرصة حقيقية للسلام، والمنطقة كلها تحتاج إلى إدارة الخلافات بالحوار والتفاهم، لأن استمرار التصعيد لن يصنع منتصراً واضحاً، لكنه قد يصنع خسائر أكبر للجميع.