5400 كلم² في 14 يوماً… من أين بدأت أنصار الله وإلى أين وصلت؟
مقالات
5400 كلم² في 14 يوماً… من أين بدأت أنصار الله وإلى أين وصلت؟
عدنان علامه
19 أيلول 2026 , 05:03 ص

عدنان علامه - عضو الرابطة الدولية للخبراء والمحللين السياسيين

إنَّ سقوط المخا وميون وذُباب يفتح معركة باب المندب… وال F-15 أصبحت في مرمى الدفاع الجوي اليمني

في اليمن، لم يعد السؤال: هل تستطيع قوات أنصار الله التقدم؟ بل: إلى أي مدى تغيّرت خريطة السيطرة خلال أيام َعدودة؟

فمنذ إندلاع المعارك في 3 أيلول/سبتمبر 2026 تبدلت الخريطة العسكرية على الساحل الغربي لليمن بصورة سريعة. وفي 11 أيلول أعلنت أنصار الله السيطرة على ست مديريات في محافظتي تعز والحديدة بمساحة إجمالية بلغت 5400 كلم² وفق بيان المتحدث العسكري العميد يحيى سريع.

وفي الوقت نفسه تحدثت مصادر يمنية وتقارير دولية عن سقوط المخا وذُباب وجزيرة ميون ومواقع وجزر أخرى.

وهنا لا تكمن أهمية الرقم وحده.

الأهمية الحقيقية في طبيعة الأرض التي انتقلت إليها السيطرة وموقعها على الخريطة.

أولاً: خريطة السيطرة… 3 أيلول مقابل 17 أيلول

في 3 أيلول كانت خطوط التماس تتركز بصورة أساسية في مناطق تعز والساحل الغربي ومحيطها. واندلعت مواجهات واسعة بين أنصار الله والقوات المرتبطة بالحكومة اليمنية والقوى المدعومة إقليمياً.

أما خلال الأيام التالية فقد تحولت المعركة من اشتباكات على خطوط تماس إلى عملية اندفاع واسعة باتجاه الساحل والجنوب الغربي.

وبحسب البيانات العسكرية لأنصار الله والتقارير التي تقاطعت معها:

3 أيلول → بداية الهجوم الواسع

الأيام التالية → توسع السيطرة في تعز والحديدة

10 أيلول تقريباً → سقوط المخا

بعد المخا → التقدم نحو ذُباب وباب المندب

11 أيلول → إعلان السيطرة على ميون ومناطق وجزر استراتيجية

17 أيلول → استمرار المعارك ومحاولات القوات الحكومية استعادة مواقع في المخا وتعز ولحج

وتؤكد تقارير Reuters وAP وFinancial Times أن الهجوم أدى إلى تغير كبير في السيطرة على الساحل الغربي ووضع المخا وباب المندب ضمن المعادلة العسكرية الجديدة.

وهذا يعني أن رقم 5400 كلم² يجب ألا يُقرأ باعتباره مساحة جغرافية مجردة؛ إنه مساحة تضم عقداً جغرافية تتحكم في الساحل وفي طرق الحركة باتجاه باب المندب.

ثانياً: المخا… سقوط المدينة يفتح الطريق جنوباً

المخا ليست مدينة ساحلية عادية.

إنها ميناء تاريخي على البحر الأحمر وتقع على محور يربط الساحل الغربي بمضيق باب المندب. ولذلك فإن انتقالها من يد القوات المناوئة لأنصار الله إلى سيطرة الأخيرة يغير طبيعة خطوط الإمداد والحركة في المنطقة.

وتشير التقارير الدولية إلى أن السيطرة على المخا أعقبت تقدماً سريعاً للقوات الحوثية وانسحاب أو إنهيار وحدات تابعة للقوى المناوئة لها.

ومن المخا يصبح السؤال العسكري مختلفاً:

ماذا يوجد جنوباً؟

الجواب:

ذُباب… باب المندب… ميون.

وهنا تبدأ القيمة الاستراتيجية الكبرى للعملية.

ثالثاً: ميون/بريم… الجزيرة التي تختصر أهمية باب المندب

جزيرة ميون أو بريم تقع في قلب باب المندب تقريباً وتتمتع بموقع يسمح بمراقبة والتحكم في الممرات البحرية للمضيق.

ولهذا لم تكن الجزيرة في السنوات الماضية مجرد نقطة جغرافية.

ففي عام 2021 كشفت صور الأقمار الصناعية عن إنشاء مدرج يبلغ طوله نحو 1.85 كيلومتر مع منشآت عسكرية وحظائر. وأشارت تقارير AP إلى أن المدرج يسمح بإسقاط القوة الجوية باتجاه المضيق والساحل اليمني.

كما أثارت هوية الجهة التي أنشأت المنشآت جدلاً؛ فقد نُسب المشروع إلى الإمارات في تقارير وتصريحات يمنية بينما أعلنت السعودية أن الوجود العسكري في الجزيرة مرتبط بالتحالف ومواجهة التهديدات للملاحة.

ولذلك فإن انتقال السيطرة على ميون ــ إذا استقرت ميدانياً ــ لا يعني إضافة جزيرة صغيرة إلى الخريطة.

إنه انتقال موقع يتحكم في عقدة بحرية دولية إلى طرف جديد.

وإذا اجتمعت السيطرة على ميون مع المخا وذُباب والساحل المحاذي لباب المندب فإن قوات أنصار الله تصبح في وضع جغرافي يسمح لها بفرض معادلة عسكرية جديدة حول المضيق.

ولهذا وصفت تقارير دولية التطور بأنه تحول استراتيجي في منطقة باب المندب.

رابعاً: إسقاط طائرة ال F-15…

المعركة تنتقل إلى السماء

في 16 أيلول أعلن العميد يحيى سريع إسقاط طائرة سعودية من طراز F-15 فوق محافظة مأرب بصاروخ أرض ـ جو قال إنه محلي الصنع.

ونشرت أنصار الله مشاهد قالت إنها لحطام الطائرة.

ومصادر صحفية دولية أشارت إلى وجود طائرة سقطت فعلاً، مع استمرار عدم اكتمال التحقق المستقل من تفاصيل عملية الإسقاط.

وهنا تكمن أهمية الحدث.

إذا تأكد أن الطائرة أسقطت بالفعل بواسطة منظومة أرض ـ جو يمنية محلية الصنع فإن المسألة تتجاوز إسقاط طائرة واحدة.

إنها تعني أن الطيران السعودي لم يعد يعمل فوق بعض مناطق اليمن في بيئة خالية من التهديد الجوي الأرضي.

فالطائرة المقاتلة تستطيع تغيير ارتفاعها ومسارها واستخدام وسائل الحرب الإلكترونية والحماية الذاتية، لكن مجرد وجود تهديد جوي أرضي موثوق يجبر القوة الجوية على إعادة حسابات التخطيط والاستطلاع والإسناد القريب.

وقد أشارت تقارير عسكرية إلى أن تطور الدفاعات الجوية لأنصار الله يمكن أن يفرض على الطيران المعادي تعديلات في مسارات الطيران واستخدام وسائل مضادة أكثر تعقيداً.

الخريطة الجديدة: من الساحل إلى المضيق

إذا وضعنا معطيات الفترة الممتدة من 3 إلى 17 أيلول فوق الخريطة فإن الصورة تصبح أكثر وضوحاً:

5400 كلم² معلنة السيطرة عليها

⬇️

المخا

⬇️

ذُباب

⬇️

ميون/بريم

⬇️

باب المندب

⬇️

الساحل الغربي والجزر المحيطة

وهذا التسلسل هو الذي يعطي العملية وزنها الاستراتيجي.

فالمسألة ليست فقط في عدد الكيلومترات التي تغيرت فيها خطوط السيطرة، بل في أن جزءاً من هذه المساحة يقع على أحد أهم الممرات البحرية في العالم.

وتشير تقارير حديثة إلى أن السيطرة على ميون ومناطق باب المندب رفعت مستوى المخاطر أمام الملاحة الدولية في البحر الأحمر.

فهل نحن أمام تحول استراتيجي؟

المعطيات المتوافرة حتى 17 أيلول تسمح بالقول إن أنصار الله حققت تقدماً إقليمياً واسعاً وسريعاً منذ بداية الهجوم في 3 أيلول.

لكن هناك فارق بين السيطرة الميدانية الأولية وبين القدرة على الاحتفاظ بالأرض وإعادة تنظيمها والدفاع عنها أمام هجمات مضادة.

ولهذا فإن الاختبار المقبل سيكون في قدرة قوات أنصار الله على تثبيت مواقعها في المخا وميون وذُباب والمناطق التي أعلنت السيطرة عليها.

ومع ذلك فإن مجرد إنتقال المعركة خلال أقل من أسبوعين من خطوط تماس في تعز والحديدة إلى المخا وميون وباب المندب يكشف أن قواعد الاشتباك في اليمن قد تغيرت بصورة كبيرة.

وأما إسقاط الـF-15 بالصاروخ المحلي الصنع فإن التطور سيكون ذا دلالة إضافية: فالتحول لم يعد برياً وجغرافياً فقط، بل يمتد إلى المجال الجوي أيضاً.

وهنا تختصر الصورة كلها بجملة واحدة:

في 3 أيلول بدأت المعركة على خطوط تماس… وفي 17 أيلول أصبحت المعركة على بوابة باب المندب وفي سماء اليمن.

وإذا كانت مساحة الـ5400 كلم² هي الرقم الذي أعلنته أنصار الله فإن القيمة الاستراتيجية الحقيقية لهذه المساحة ليست في مساحتها فقط، بل في المواقع التي أصبحت داخلها.

وإن غدًا لناظره قريب

17 أيلول/سبتمبر 2026