م. ميشال كلاغاصي – 25/9/2026
تتجه أنظار العالم نحو مدينة شنتشن الصينية، التي تستعد لاستضافة قمة منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ (أبيك) يومي 18 و19 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، ورغم الأجندة الإقتصادية الطموحة للمنتدى، إلاّ أن الزخم الحقيقي للقمة يتركز خلف الكواليس، حيث يدور الحديث عن لقاء ثلاثي تاريخي محتمل قد يجمع لأول مرة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس الصيني شي جين بينغ، هذا اللقاء المرتقب، الذي يأتي في توقيت بالغ الأهمية، تتمركز أولوياته حول إعادة تشكيل التوازنات الدولية، ويحمل في طياته ملفات ساخنة تصنع الحدث، وعلى رأسها "الملف الأوكراني" الذي يفرض نفسه كعنوان أبرز ومحك رئيسي لصياغة تفاهمات كبرى قد تعيد رسم خارطة الأمن العالمي، وإنهاء الصراع الأكثر تعقيداً في القرن الحادي والعشرين.
حيث طُرحت فكرة عقد القمة الثلاثية خلال محادثةٍ هاتفية بين الرئيسين بوتين وترامب، وتحدث عنها كل من ريابكوف ولافروف وأوشاكوف وبيسكوف عن إمكانية انعقادها، في وقتٍ طالبت فيه الخارجية الروسية تحديد جدول أعمالٍ واضح ومضمون متفق عليه قبل الشروع في أي تحضيرات فعلية، وأكدت مشاركة روسيا في قمة ابيك، فيما لم يصدر عن البيت الأبيض أي تأكيد رسمي حتى الآن بشأن مشاركة ترامب في القمة أو الموافقة على عقد هذا اللقاء، في حين أبدى الرئيس الأوكراني زيلينسكي مؤخراً استعداده التام للقاءٍ يجمعه بالرئيسين ترامب وبوتين لإنهاء الحرب.
مواقفٌ معقدة وملفات متشعبة، فهل تلوح بارقة الأمل، في ظل مشهدٍ تختزله الضغوط الأمريكية على روسيا بشأن ملف الحرب في أوكرانيا، وفي ظل تقارب استراتيجي متزايد بين موسكو وبكين، وتنافس أمريكي- صيني مستمر، وسط مظاهر الود الكبير التي تسود حالياً خلال استقبال ولقاء ترامب نظيره الصيني وعقيلته في الولايات المتحدة، ويبقى السؤال هل سيشكل استسلام كييف ورقة المساومة في الصفقة الكبرى بين بوتين وشي وترامب.
بالنسبة للإدارة الأمريكية يبدو أن لحظاتها الحاسمة ستبدأ مع انطلاقة انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، وسيتوقف توجّه البيت الأبيض إلى حدٍ كبير على نتائجها، خصوصاً وأن دونالد ترامب لم يُحقق أي شيء يُذكر خلال فترة ولايته وسط تراجع شعبيته بشكلٍ ملحوظ، وعليه لن يكون دافع مشاركته في مؤتمر شنتشن - إن حدثت أصلاً – لبناء نظامٍ عالمي جديد على غرار الدول الثلاث الأخريات، بل ستكون حاجته ماسة لتقديم أي نوعٍ من "الإنتصار" في السياسة الخارجية يقدمها للناخبين الأمريكيين، وسيكون من المهم له الإحتفال بنهاية الحرب في أوكرانيا بإعتبارها انتصاراً باهراً لـ "صانع السلام العظيم"، على أساس تجميد الصراع على طول خط التماس بما يعني اتفاقية "مينسك" جديدة، والتي ستُقابل برفض وغضب الكرملين، وتهليلِ جوقة فرض العقوبات على روسيا وقادة حرب استنزافها.
في وقتٍ يبدو فيه أن اتفاقيات بوتين – ترامب في أنكوريج/اّلاسكا، قد خفت بريقها، لكنها تبقى الخيار الأكثر واقعية، حيث أعاد مؤخراً يوري أوشاكوف، مساعد الرئيس الروسي مؤخراً التأكيد على أنها "لا تزال أساس التسوية في أوكرانيا"، والتي نصت على نقل الأراضي المتبقية من مناطق جمهوريتي دونيتسك ولوغانسك، وزابوروجيا، وخيرسون إلى روسيا، وتنازل كييف القانوني وغير القابل للتراجع عن أي مطالبات إقليمية لروسيا، وتجميد خطوط المواجهة في خرسون وزابوروجيا، مقابل انسحاب القوات الأوكرانية بالكامل من إقليم دونيتسك لتحقيق المطالب الإقليمية الروسية، مع تقديم انسحاب روسي محدود من مناطق في خاركيف وسومي، واشتراط تأمين وضع محايد غير منحاز بضماناتٍ دولية تمنع انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو، بالإضافة إلى خفض عديد القوات المسلحة الأوكرانية إلى الحد الأدنى، وتطهير أوكرانيا من الجذور النازية والأساطير التي يقوم عليها نظام كييف الحالي.
بإختصار، تبدو هذه الشروط بمثابة استسلام وخضوع أوكرانيا المستقلة (الناشئة بعد تفكك الإتحاد السوفيتي) لمطالب روسيا، وسيجري التعامل معها على أنها دولة شبه فاقدة للسلطة وأساسها الأيديولوجي، وستتوقف عدائها لروسيا، وهذا يفسر ما جرى تداوله في الأوساط السياسية والإعلامية الأوكرانية بعد زيارة ويتكوف وكوشنر كييف مؤخرًا قادمين من موسكو، مقولة "عادت جميع بنود الإستسلام للظهور، وحمل المبعوثين نص "حكم الإعدام" للموافقة عليه.
لا تملك واشنطن قدرة تأثيرٍ كبيرة على نظام كييف، وإن وجدت فستبقى تصطدم ببروكسل ولندن اللتان تدعمان أوكرانيا بقوة، وسط دعم واهتمام النخب الأوروبية بإطالة أمد الصراع أكثر من اهتمامها بكييف نفسها، في وقتٍ يقيّد فيه الصراع أوروبا في فلك الطاقة والقوة العسكرية الأمريكية، ويحطم أحلامها بالتقارب الأوراسي (روسيا-الصين-أوروبا)، الذي يُعدّ الكابوس الاستراتيجي الرئيسي للعولميين، في حين تستفيد واشنطن، في ظل ترامب أو أي رئيسٍ جمهوري قد يخلفه، من وجود بؤرة توتر مستمرة وملتهبة على حدود موسكو، يحرمها من الطاقة اللازمة للتقدم التكنولوجي والإقتصادي، في حين سيستغل الديمقراطيين أي تنازل أوكراني على انه "خيانةٌ للحلفاء"، وضعف أمام الديكتاتور بوتين"، والأسوأ من ذلك، استعادتهم سردية "القراصنة الروس" ومزاعم إيصال ترامب إلى ولايته الأولى.
وبالتالي، فإن التخريب الممنهج لأي حل حقيقي سيكون أمراً مضموناً، وسيخرج من داخل الجهاز الأمريكي نفسه (البنتاغون، ووزارة الخارجية، وأجهزة الاستخبارات)، حتى لو رغب ترامب شخصياً في التوصل إلى اتفاق، لكن الجهاز سيعمل على تقويضه.
وعليه، يبدو أن الإجتماع الثلاثي – إن عُقد – فلن يحقق اختراقات كبيرة، وقد لا تكون أوكرانيا على رأس أولوياته.
وفي وقتٍ لا يمكن تأكيد أن إجتماع قادة الدول النووية الثلاث سيخصص لمناقشة القضية الأوكرانية كقضية محورية، لأن مصالح الولايات المتحدة فيه، ستنصب على الصين نفسها، بإعتبارها الهم والإهتمام الأمريكي اليوم وفي المستقبل، أما بالنسبة للصين، فالأمر يتعلق بالعلاقات الإقتصادية مع الولايات المتحدة، بما في ذلك التجارة والعقوبات وعدد كبير من القضايا، وأمن مبادرة الحزام والطريق، والسياسات الاقتصادية الصينية، وكذلك قضية تايوان، أما بالنسبة لروسيا، سيكون الإهتمام بالبحث عن المزيد من تدعيم وتوسيع أفق العلاقات الروسية الصينية، وإحباط محاولات الولايات المتحدة للتدخل في علاقة البلدين الثنائية، فضلاً عن تخلص موسكو من سياسة العقوبات الأمريكية، إضافةً لسعيها نحو رفع مستوى علاقاتها الإقتصادية مع بكين إلى مستويات أعلى.
ومن دون شك، ستبرز وتُثار ملفات أخرى، وفي مقدمتها الشرق الأوسط، وتحديداً ما يتعلق بإيران الشريك الرئيسي للصين في مجال الوقود، وسط سيطرة الحوثيون على مدينة المخا الساحلية، وقدرتهم على فرض الحصار على مضيق باب المندب، الأمر الذي سيتسبب بإرتفاع أسعار النفط مستويات غير مسبوقة قد تصل إلى 200 دولار للبرميل.
كذلك قد يبرز ملف التجارة والإقتصاد برمته، وإزالة الحواجز التكنولوجية لزيادة استقرار الأسواق العالمية، نظراً لأهمية هذا الملف بالنسبة لبكين، وواشنطن التي تخوض معركتها اليائسة ضد التضخم المحلي قبيل الانتخابات النصفية.
ولا بد للقاء الثلاثي مناقشة ملف الذكاء الإصطناعي لأهميته البالغة، خصوصاً بعد إطلاق الشركات الأمريكية والدولية الكبرى العنان لمخاوفها، وسط مزاعمها أن الذكاء الرقمي "يقف على بُعد خطوات قليلة من تدمير البشرية"، ناهيك عن خشية تلك الشركات من جنون تكاليف المنافسة مع الصين في هذا الشأن.
أخيراً.. وبحسب رأي الكثيرين أن حل الأزمة الأوكرانية هو حلٌ عسكري، لكن هذا لا ينفي ولا يلغي ضرورة المفاوضات، وستبقى في نهاية المطاف ضرورية لتأمين ما تم تحقيقه في ساحة المعركة، ومنع أوكرانيا من استغلال فترات التوقف الدبلوماسي لإعادة تنظيم صفوفها وتزودها بأسلحة جديدة، وعليه لا تزال الحرب تحتفظ بمهلة شهرين لحين بدء الانتخابات النصفية، وخلالها قد تشهد الأوضاع تغييراً سياسياً داخلياً في أوكرانيا، أوعسكرياً ميدانياً روسياً، وإلى حينها لن يتصدر الملف الأوكراني جدول أعمال القمة الثلاثية أو سواها أياً من اللقاءات والإجتماعات بين القادة الثلاث.
م. ميشال كلاغاصي – 25/9/2026