تحتضن مدينة نيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية أشغال الدورة الحادية و الثمانين لاجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة بحضور 130 مشارك من رؤساء دول و رؤساء حكومات و وزراء خارجية, و قد بدأت أعمال المناقشة العامة يوم الثلاثاء 22 سبتمبر (أيلول) 2026 و تتواصل حتى يوم الإثنين 28 سبتمبر (أيلول) ضمن إطار الأسبوع رفيع المستوى لهذه الدورة, و تأتي هذه الأشغال في ظل مناخ عالمي يشهد حروبا متعددة.
أول هذه الحروب هي حرب غزة فرغم الاتفاق على وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر 2025 ضمن ما يعرف باتفاق شرم الشيخ و تبادل الأسرى بين الكيان الصهيوني و حركة المقاومة الفلسطينية "حماس" إلا أن الكيان الصهيوني لم يلتزم حتى الان بالانسحاب من قطاع غزة و وقف إطلاق النار مستمرا في خرق الاتفاق المذكور إذ أكدت وكالة الأنباء الفلسطينية في الثالث و العشرين من شهر سبتمبر (أيلول) تسجيل المستشفيات بقطاع غزة خلال الساعات الأربع و العشرين الأخيرة لثلاث شهداء و 18 مصابا, هذا و قد شهدت مدينة غزة في الفترة الأخيرة قصفا متكررا تنفذه الطائرات المسيرة التابعة للكيان الصهيوني مخلفا قتلى و جرحى.
أما الحرب الروسية الأوكرانية فقد شهدت بدورها تطورات في الفترة الأخيرة فحسب موقع رويترز شنت أوكرانيا هجوما بطائرة مسيرة على العاصمة الروسية موسكو وصفه عمدة موسكو بأكبر هجوم بالطائرات المسيرة على العاصمة و قد جاء الهجوم خلال اليوم الأخير من الانتخابات البرلمانية الروسية و خلف 3 قتلى محدثا أضرارا بجزء من مصفاة النفط بالعاصمة و قد حذرت الحكومة الأوكرانية بعد هذا الهجوم من استعداد روسيا للرد عبر هجوم شامل و واسع النطاق.
و أخيرا نذكر المواجهة المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، و التي بدأت في 28 فيفير 2026 بشن هجمات أمريكية وإسرائيلية على إيرانالتي ردت بضربات استهدفت إسرائيل ومواقع في دول خليجية تستضيف قواعد أمريكية. وبعد أسابيع من القتال، تم الإتفاق في 7 أفريل على وقف إطلاق النار و تلا ذلك مسار من المفاوضات بين واشنطن وطهران، انتهى في إلى اتفاق مؤقت لتمديد الهدنة وفتح مضيق هرمز. غير أن الاتفاق انهار لاحقًا، وعادت المواجهات بين الطرفين، لتدخل الحرب شهرها السابع في سبتمبر 2026، بالتزامن مع انعقاد الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة.
و رغم بشاعة هذه الحروب إلا أن الدول الكبرى في العالم و التي تتمتع بالعضوية الدائمة داخل الأمم المتحدة و حق النقض أو ما يعرف بالفيتو و هذه الدول هي الولايات المتحدة الأمريكية و التي تصرح علانية بدعمها العسكري و السياسي للكيان الصهيوني و عدائها للنظام الإيراني بسبب سعيه لامتلاك السلاح النووي و دعمه العسكري للمقاومة الفلسطينية و حزب الله إضافة لفرنسا و بريطانيا اللذان يعتبران من أقوى الداعمين لأوكرانيا في حربها على روسيا التي تتمتع بدورها بحق النقض و إلى جانب خوضها لحرب ضد أوكرانيا فإن الولايات المتحدة الأمريكية تتهمها بدعم النظام الإيراني وصولا إلى الصين و التي تعد من أقوى الحلفاء لروسيا.
فبين معاناة المدنيين من أهوال و بشاعة الحرب و انعكاساتها السلبية خاصة على المستوى الاجتماعي و الاقتصادي و سعي الدول الكبرى إما لحماية مصالحها أو مصالح حلفائها هل ينجح اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة في إنهاء هذه الحروب أم أن المصالح السياسية ستطغى على المصلحة الإنسانية؟
جهود الأمم المتحدة من أجل وقف الحروب و النزاعات
يمكننا اعتبار منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة فضاء لعرض الخلافات الدولية و مناقشتها بكافة الوسائل الدبلوماسية و السلمية و قد شاهدنا ذلك في عدة مناسبات سابقة بداية بخطاب إرنستو تشي غيفارا في شهر ديسمبر من سنة 1964 الذي هاجم فيه الإمبريالية الأمريكية و تدخلاتها الاقتصادية و السياسية في قارة إفريقيا و أمريكا الجنوبية مستعرضا صمود كوبا و مقاومتها لهذه التدخلات مؤكدا على حق الشعوب في تقرير مصيرها, و في سنة 2006 هاجم الرئيس الفينزويلي السابق هوغو تشافيز الرئيس الأمريكي السابق واصفا إياه بالشيطان بسبب تدخله العسكري بعدة دول لعل أبرزها العراق سنة 2003, و لا يمكننا نسيان تمزيق الرئيس الليبي السابق معمر القذافي لميثاق الأمم المتحدة سنة 2009 معتبرا الميثاق فاقدا لأهميته منذ الحرب العالمية الثانية و ذلك بسبب هيمنة الدول الكبرى على منظمة الأمم المتحدة عبر استخدام حق الفيتو كما وصف مجلس الأمن بمجلس الرعب, كل هذه التصرفات تؤكد أن اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة السنوي دائما ما يعد فضاء لفض النزاعات بين الدول بطريقة دبلوماسية لا عن طريق الحرب.
و لا تقتصر جهود الأمم المتحدة على اعتماد الخطابات لإيقاف الحروب بل أنها تعمل فعليا على ذلك من خلال العمل في الميدان حيث أن مواقفها الرسمية دائما ما تدعو للسلام و إنهاء جميع النزاعات في العالم, ففي حرب غزة الأخيرة وصف الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الدمار الحاصل بقطاع غزة بالغير مسبوق، محذراً من أن سياسات الضغط والإكراه والتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية تثير شبح التطهير العرقي, لنفهم من خلال هذا التصريح لعب الأمم المتحدة دائما لدور الوسيط الساعي لإنهاء الخلافات السياسية قبل تفاقم الأوضاع, و يبرز هذا الدور كذلك من خلال الدعوات المتكررة لوقف إطلاق النار و دعوة الأطراف المتنازعة للجلوس على طاولة الحوار ففي إجتاع الجمعية العامة للأم المتحدة الحالي أصدرت 50 دولة بيانا يطالب روسيا بالإنهاء الفوري و اللامشروط للحرب في أوكرانيا واصفين هذه الخطوة بالضرورية لإحلال السلام و قد دعت هذه الدول روسيا للإفراج عن جميع المحتجزين الأوكرانيين وفق ما أفادت به وكالة الأنباء الأوكرانية.
و لا ننسى أيضا قرارات مجلس الأمن التي دائما ما تسعى لفرض السلام و إنهاء النزاع بهدف حماية المدنيين و من أبرز القرارات التي اتخذها مجلس الأمن خلال الفترة الأخيرة القرار عدد 2728 لسنة 2024 و الذي ينص على وقف إطلاق النار بين المقاومة الفلسطينية حماس و الكيان الصهيوني خلال شهر رمضان إضافة للإفراج عن الرهائن و السماح بدخول المساعدات الإنسانية لأهالي غزة, هذا إلى جانب القرار عدد 2774 لسنة 2025 و الذي يدعو للإسراع بوضع حد للنزاع بين روسيا و أوكرانيا، والحث على تحقيق سلام دائم بينهما.
و لا يجب أن ننسى العمل الميداني الكبير الذي تقوم به الأمم المتحدة فبحسب مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين فإن الأمم المتحدة ترعى قرابة 118 مليون شخص حول العالم سنة 2025 من بينهم ما يفوق 41 مليون لاجئ من بينهم 6 ملايين لاجئ فلسطيني
صراع الدول الكبرى وتأثيره على قرارات الأمم المتحدة
عرف هذا الاجتماع هيمنة الدول الكبرى قبل حتى عقده إذ لم يحضر الرئيس الفلسطيني محمود عباس لهذا الاجتماع بسبب رفض الإدارة الأمريكية منحه لتأشيرة الدخول في المقابل سمح لرئيس الوزراء الصهيوني بينيامين نتينياهو لحضور الاجتماع رغم إصدار المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف ضده في 21 نوفمبر 2024 كما تحدث المتحدث باسم الخارجية الأمريكية تومي بيغوت في منشور له عبر موقع إكس عن عدم السماح للوفد الإيراني بقيادة الرئيس مسعود بزشكيان بشراء السلع الفاخرة أما داخل الاجتماع فقد شهدت الأجواء نوعا من التوتر بداية بانسحاب الوفد الكوبي عند خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي هاجم الحكومة الكوبية واصفا إياها بالشيوعية الفاشلة و أن النظام الكوبي سيسقط كما أشاد بالعملية العسكرية الأمريكية بالعاصمة الفنزويلية كاراكاس و التي أدت لاعتقال الرئيس الفينزويلي نيكولاس مادورو وزوجته, كما وصف النظام الإيراني بالنظام الإرهابي داعيا دول العالم إلى فرض حصار اقتصادي عليها. و رد عليه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بأن النظام الإيراني ضحية للإرهاب مشيرا لقصف الولايات المتحدة الأمريكية لمدرسة للفتيات في 28 فيفري (فبراير) 2026 و الذي أدى لمقتل مايفوق 100 مدني حسب منظمة العفو الدولية علما و أن الوفد الأمريكي انسحب من الاجتماع خلال كلمة الرئيس الإيراني ولا يجب أن نتجاهل انسحاب 77 دولة من هذا الإجتماع عند إلقاء نتينياهو لخطابه وهو ما يعكس العزلة الدولية التي يعيشها الكيان الصهيوني رغم أنه يعتبر من أكبر حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية.
وفيما يخص الشأن الروسي الأوكراني فالصراع يظهر في غياب بوتين عن هذا الاجتماع بقرار شخصي منه فحسب المتحدث الرسمي باسم الكريملين دميتري بيسكوف فإن الولايات المتحدة الأمريكية لا تفي بالتزاماتها وقراراتها على النحو الأمثل تجاه الدبلوماسيين الروس، معتبراً أن السفر إلى هناك ليس الوجهة المثلى في ظل التوترات الحالية خاصة و أن المحكمة الجنائية الدولية أصدرت مذكرة توقيف دولية ضد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في 17 مارس 2023 ليعوض الرئيس الروسي وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف الذي أكد في خطابه بالجمعية العامة للأمم المتحدة انفتاح روسيا على التسوية السياسية و الجلوس على طاولة الحوار لكنها ترفض وقف إطلاق النار أثناء الحوارات معتبرا أن هذا ذلك سيمكن الاتحاد الأوروبي و الولايات المتحدة الأمريكية من إعادة تسليح أوكرانيا باعتبارهم حلفاء لها, في المقابل هاجم الرئيس الأوكراني زيلينسكي فلاديمير بوتين واصفا إياه بالمريض رقم صفر مؤكدا أنه يمثل عقبة تجاه السلام بين روسيا و أوكرانيا كما كشف زيلنسكي عن خسائر الجيش الروسي في هذه الحرب خلال سنة 2026 إذ قال أن الجيش الروسي فقد أكثر من 200 ألف جندي من عناصره مقابل الاستيلاء على 1,000 كيلومتر مربع فقط من أراضي أوكرانيا و التي نجحت القوات الأوكرانية في استعادة أجزاء واسعة منها.
و يظهر الصراع بين الدول الكبرى بشكل عام عبر حق النقض أو الفيتو الذي يمكن صاحبه من الاعتراض أو إيقاف أو إجهاض أي قرار أو مشروع قانون بشكل نهائي دون الحاجة لإبداء الأسباب و الذي يستخدم داخل مجلس الأمن و لكن له تأثيرا هاما على قرارات الأمم المتحدة و إن كنا قد أشرنا للدول المتمتعة بهذا الحق يجب أن نذكر أن هذا الحق تم استخدامه 293 مرة و قد استخدمته روسيا (أو الاتحاد السوفياتي سابقا) و الولايات المتحدة الأمريكية 226 مرة منذ تأسيس الأمم المتحدة بعد نهاية الحرب العالمية الثانية سنة 1945 ففي 20 نوفمبر 2024 استخدمت الولايات المتحدة هذا الحق ضد مشروع قانون يطالب بوقف إطلاق النار داخل غزة باعتبار أن الكيان الصهيوني حليف للولايات المتحدة الأمريكية و في سنة 2012 إثر اندلاع المواجهات بين المعارضة السورية و نظام البعث السوري استخدمت روسيا رفقة الصين حق الفيتو ضد مشروع قرار يدعو جميع الأطراف لإيقاف العنف و قد اعتبرت روسيا هذا المشروع قد يسمح بالتدخل الخارجي في الشأن السوري و يغير النظام السوري.
افاق السلام في ظل التحولات الدولية
يطرح استمرار الحروب والنزاعات المسلحة اليوم تساؤلات حول فرص تحقيق السلام, خاصة مع ارتباط هذه النزاعات بمصالح القوى الدولية و مصالحها السياسية وهو ما كشفه تصريح الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن يصرح سنة 2023 "لو لم تكن هناك إسرائيل لعملنا على إقامتها" و يذكر أن هذا التصريح جاء بعد يوم واحد فقط من قصف الكيان الصهيوني لمستشفى المعمداني في غزة فلكي تنتهي كافة النزاعات المسلحة يجب بداية مراجعة حق الفيتو باعتباره ميزة تجعل الحرب و السلم بيد 5 دول فقط كما يجب أن يستغل فضاء الأمم المتحدة و اجتماعاتها باعتبارهم وسيلة حوار لا مشاحنات سياسية و وسية لإلقاء الشتائم و تبادل الاتهامات
توصيات ختامية
ختاما، يجب التأكيد على أن الأمم المتحدة هي إحدى أهم المؤسسات القادرة على جمع أطراف المجتمع الدولي حول طاولة الحوار، ولكن تحقيق السلام يقتضي تعزيز دورها كوسيط إلى جانب إعادة النظر في آليات اتخاذ القرار داخل مجلس الأمن، والحد من توظيف النزاعات لخدمة مصالح القوى الكبرى.