«أرض فارس...حيث تقرأ النوايا قبل أن تعلن، وتوزن المخططات الخبيثة قبل أن تتحول إلى عاصفة؛ بصيرة تسبق الخطوة والمسيرة، وصمود يضبط الإيقاع، وتوقيت يعرف متى يحرس القلعة ومتى يقطع الطريق على من أراد اقتلاع جذورها.»
إيران ليست إسما في دفتر الجغرافيا؛ بل صفحة كثيفة من التاريخ، وأرض كلما تبدل عليها الفصل بقي لجذورها ما يكفي من العمق كي لا تقتلعها الأنواء المتقلبة. ومن هنا يأتي اهتمامي: لأن مسرح الأحداث حين يزدحم بالضجيج يستحق عينا تتأمل ما بين السطور. فالعداوة لا تمشي دائما بوجه مكشوف؛ قد ترتدي ثوب المصلحة، وتستعير لغة السكينة، وتترك في الطريق آثارا لا يلتقطها إلا من جمع النقاط قبل أن تصل إلى الصورة. وفي السياسة، كما في الموسيقى، ليست النغمة وحدها مهمة؛ بل ما يسبقها وما يليها، والفتور الذي يفصل بينهما. لهذا تصبح اليقظة فلسفة لا هاجسا، والإطلاع قوة لا فضولا، وحسن التناغم معرفة بموعد الحركة قبل أن يصبح التأخر كلفة. وما يقرأ اليوم تفصيلا قد يبدو غدا عنوانا. وما يمر كظل عابر قد يكون مقدمة عاصفة.
(حين تتقن العاصفة ارتداء قناع الهدوء)
في عالم السياسة، لا تدخل الخديعة من الباب الذي كتب عليه إسمها؛ قد تأتي من ثوب المصلحة، وتتحدث بلسان التهدئة، وتترك وراء ابتسامتها حسابا مؤجلا. والرياح الأشد دهاء ليست التي تملأ السماء بالرعد، بل التي تؤجل اتجاه العصف قبل أن يشعر به أحد. لذلك لا تكفي العين التي ترى الحدث؛ بل المطلوب عقل يقرأ ما قبله وما بعده. تصريح يتبدل في توقيته، اصطفاف يظهر عند لحظة محسوبة، صمت يحل في موقع الكلام، أو خطوة صغيرة تنحرف عن مسارها؛ قد تبدو منفردة عابرة، لكن اجتماعها يكشف أحيانا هندسة المشهد. هنا لا يحتاج القرار إلى نبوءة، بل إلى بصيرة منهجية: تجمع الوقائع، وتقارن التوقيتات، وتفحص المصالح، وتترك الأيام لتكشف ما أخفته العبارات. فالسيناريو، مهما أحكم بناء، يترك أثرا؛ والزوبعة لا تكتب إسمها على السماء، لكنها تترك اتجاهها في أغصان الشجر. وفي أرض تتقاطع فوقها الحسابات، تصبح اليقظة شكلا من أشكال السيادة. ليست الحكمة أن يتحول كل ظل إلى خصم؛ بل الحكمة أن تفتح العين قبل الباب، وأن يعرف مصدر الضوء قبل الحكم على الظل. ومن هنا يأخذ الإطلاع قبل الإقلاع معناه الحقيقي: قاعدة لصناعة زمام المبادرة؛ أن تقرأ لوحة الحسابات قبل الرحلة، وأن تفهم الإشارة قبل أن تصير إنذارا، وأن يحفظ رتم الحركة حين يحاول الآخرون فرض توقيتهم.
في آخر السياق، لا تقاس قوة الحصون بارتفاع أسوارها، بل بمدى اتساع بصيرتها. فالأرض التي تعرف جذورها لا تخشى كل ريح، والدولة التي تحسن تحليل التحولات الجيوسياسية والحسابات الاستراتيجية لا تترك قرارها رهينة للمفاجأة. وهنا يعود العنوان لا بوصفه جناسا، بل فلسفة مكتملة: للاطلاع وحسن الإيقاع، مهد البطولة وأم القلاع، قبل الإقلاع للاقتلاع. إطلاع يجعل الغموض معرفة، ووزن يجعل التوقيت قوة، وإقلاع لا تسبقه عجلة ولا يلحقه تردد. أما الإقتلاع، فليس نزوة لحظة، بل نتيجة قراءة دقيقة حين يتحول الخطر من احتمال إلى واقع. والجمهورية الإسلامية الإيرانية بتاريخها وشعبها العظيم وأرضها الممتدة في قلب جغرافيا متشابكة، تعرف أن الجذر العميق لا يحتاج إلى الصمت كي يثبت وجوده؛ يكفيه أن يكون متشبثا بالأرض، وأن تعرف أغصانه اتجاه الريح. فلتبق العين على الأفق، والعقل على الخريطة، والقرار في يد صاحبه. فالزوبعة قد تغير اتجاهها، والخرائط قد تتبدل، والوجوه قد تعبر؛ أما القلعة التي تعرف من تقرأ، ومتى تصمت، ومتى تحسن الإيقاع فلا تفاجئها الرياح. ومن أحسن الإطلاع، أجاد الإقلاع؛ ومن أجاد الإقلاع، عرف كيف يصون الجذور من الاجتثاث.
وليس أخطر ما يخبئه الخصم في ترسانته، بل ما يزرعه في الوعي من طمأنينة زائفة، أو خلاف مستتر، أو وعد يلمع في الظاهر ويخفي في باطنه قيدا جديدا. فكم من يد امتدت للمصافحة وكانت تخفي حسابا، وكم من هدنة بدت بابا للسلام فإذا بها ممرا لإعادة ترتيب الصفوف. لذلك لا بد أن تبقى البصيرة يقظة من غير هلع، والحكمة حاضرة من غير تردد، والوحدة مصانة من كل من يحاول أن يجعل من التباين شقا، ومن الشق منفذا. إن العدو قد يبدل لغته ولا يبدل غايته، وقد يؤجل خطوته ولا يتخلى عن قصده؛ ومن لا يقرأ ما بين الهدوء والهدوء، قد يستيقظ على عاصفة كانت تنسج حوله خيطا تلو الآخر. فلتكن القوة وعيا قبل أن تكون ردا، والحذر بصيرة لا ارتيابا، ولتظل أرض البطولة والحضارة والأمجاد ممسكة بخريطتها وقرارها، لا تستدرجها الخديعة إلى عجلة، إذ إن القواعد الحصينة لا تصان بكثرة الضجيج، بل بصلابة الداخل، ونظافة المقصد، ودقة النظر وحسن اللحظة.
كاتب دمشقي حر_ مقيم في الخارج.