يعرف الجميع تقريبا أن ممارسة الرياضة مفيدة للصحة، لكن ليس لدى الجميع الوقت أو الدافع أو القدرة الحركية لممارسة التمارين بانتظام.
ولهذا يحاول الباحثون تحديد الأنشطة التي يمكن أن توفر أكبر قدر ممكن من الفوائد الصحية بأقل وقت وجهد.
وفي دراسة جديدة نشرت في مجلة BMJ Open Sport & Exercise Medicine، حدد فريق من الباحثين بقيادة علماء من جامعة كانتربري كرايست تشيرش في المملكة المتحدة تمارين الانقباض العضلي الثابت (IET) كوسيلة يمكن أن تساعد على خفض ضغط الدم من خلال جلستين فقط من التمارين أسبوعيا.
وتشمل تمارين الانقباض العضلي الثابت أي تمارين يحافظ فيها الشخص على وضعية واحدة لبضع دقائق في كل مرة.
فعلى سبيل المثال، يمكن أن تندرج القرفصاء مع الاستناد إلى الحائط، أو الثبات في وضعية البلانك، أو تمارين قبض اليد ضمن هذا النوع من التمارين.
وتتميز هذه التمارين بأنها بسيطة وسريعة، ولا تحتاج إلى معدات، ويقترح الباحثون أنها قد تكون خيارا مفيدا للأشخاص الذين لا يستطيعون ممارسة تمارين أطول وأكثر شمولا.
انخفاض ضغط الدم الانقباضي

خلال فترة الدراسة، ارتبطت ممارسة تمارين الانقباض العضلي الثابت بانخفاض ضغط الدم الانقباضي، وهو الرقم العلوي في قراءة ضغط الدم، مثل 130/85، والذي يعكس أعلى ضغط يصل إليه الدم داخل الشرايين عندما يضخ القلب الدم إلى الخارج.
كما ارتبطت التمارين بانخفاض متوسط الضغط في الشرايين بشكل عام.
وكتب الباحثون في الدراسة المنشورة: "يمكن لتمارين الانقباض العضلي الثابت منخفضة التكرار أن تساعد على الحفاظ على الانخفاضات قصيرة المدى في ضغط الدم، ما يوفر خيارا عمليا للأشخاص الذين يعانون من ضيق الوقت أو صعوبة الالتزام بالتمارين".
وكانت دراسات سابقة قد ربطت بالفعل بين تمارين الانقباض العضلي الثابت وانخفاض ضغط الدم، لكن الباحثين لم يحددوا حتى الآن مقدار التدريب المطلوب، من حيث مدة الجلسات وعدد مرات ممارستها، لتحقيق أكبر فائدة ممكنة.
تجربة على 100 شخص
استقطب الباحثون 100 شخص بالغ، بلغ متوسط أعمارهم 37 عاما، ولم يكونوا يحققون الحد الأدنى الموصى به من النشاط البدني، كما كانت لديهم مستويات ضغط دم انقباضي طبيعية أو مرتفعة قليلا، أي ضمن نطاق 120 إلى 140 ملم زئبق.
وطلب الباحثون من 80 مشاركا ممارسة تمارين القرفصاء على الحائط 3 مرات أسبوعيا لمدة أربعة أسابيع، على أن تتضمن كل جلسة أربع جولات من التمرين.
وفي المقابل، شكل المشاركون العشرون الآخرون مجموعة ضابطة لم تمارس هذه التمارين.
وخلال الأسابيع الأربعة التالية، طلب من المشاركين الذين مارسوا التمارين الاستمرار على معدل ثلاث جلسات أسبوعيا، أو خفضها إلى جلستين أو جلسة واحدة أسبوعيا، أو التوقف عن ممارسة التمارين تماما.
انخفاض واضح بعد 4 أسابيع
بعد الأسابيع الأربعة الأولى، انخفض ضغط الدم الانقباضي لدى مجموعة التمارين بمقدار 9.45 ملم زئبق في المتوسط مقارنة بالمجموعة الضابطة.
أما المشاركون الذين واصلوا ممارسة التمارين ثلاث مرات أسبوعيا لمدة ثمانية أسابيع، فقد ارتفع متوسط الانخفاض إلى 13.73 ملم زئبق.
وبالنسبة إلى الأشخاص الذين خفضوا ممارسة التمارين إلى جلستين أو جلسة واحدة أسبوعيا، بلغ متوسط الانخفاض الإجمالي بعد ثمانية أسابيع نحو 6.5 إلى 7 ملم زئبق.
أما المشاركون الذين توقفوا عن ممارسة التمارين بعد الأسابيع الأربعة الأولى، فعاد ضغط الدم لديهم إلى مستواه السابق بعد أربعة أسابيع من التوقف.
3 جلسات أسبوعيا لتحقيق أفضل النتائج
كتب الباحثون: "لتحقيق أفضل انخفاض في ضغط الدم والحفاظ على نطاق أوسع من التكيفات الفسيولوجية، قد يوصى بممارسة التمارين ثلاث مرات أسبوعيا".
وتقدم الدراسة دليلا قويا على فائدة تمارين الانقباض العضلي الثابت فيما يتعلق بضغط الدم.
فقد تحسن كل من ضغط الدم الانقباضي والانبساطي ومتوسط الضغط الشرياني بشكل ملحوظ مقارنة بالمجموعة الضابطة بعد أربعة أسابيع.
ومع ذلك، لم يؤد اختلاف عدد مرات ممارسة التمارين إلى تغيير كبير في النتائج خلال فترة الدراسة.
كيف يمكن للتمارين أن تخفض ضغط الدم؟
يعتقد الباحثون أن هذه التمارين قد تساعد على إرخاء الأوعية الدموية وتوسيعها، كما قد تساعد على وضع الجهاز العصبي في حالة أكثر هدوءا.
لكنهم يشيرون إلى أن هناك حاجة إلى دراسات أكثر تفصيلا وأطول مدة للتأكد من الآليات المسؤولة عن هذه التأثيرات.
وكتب الباحثون: "رغم أنه لا يمكن تأكيد العلاقة السببية، فإن التوافق الملحوظ بين التراجع في الآلية المقترحة وفقدان انخفاض ضغط الدم يشير إلى أن تكرار التدريب يؤدي دورا مهما في الحفاظ على التكيفات القلبية الوعائية الضرورية للتحكم في ضغط الدم بعد ممارسة تمارين الانقباض العضلي الثابت".
هل تستمر الفائدة بعد التوقف؟
يقترح الباحثون أيضا أن الاستمرار في ممارسة تمارين الانقباض العضلي الثابت لأكثر من بضعة أشهر قد يؤدي إلى تغيرات بنيوية فعلية مرتبطة بتنظيم ضغط الدم.
وفي هذه الحالة، قد لا تختفي الفوائد الصحية بسرعة بمجرد التوقف عن ممارسة التمارين، كما حدث لدى المشاركين في الدراسة الحالية الذين توقفوا بعد أربعة أسابيع.
وتعد هذه النتائج تذكيرا جديدا بأن الحفاظ على الصحة من خلال النشاط البدني لا يتطلب بالضرورة ممارسة قدر كبير من التمارين، إذ يمكن لفترات قصيرة من النشاط أن تحقق فوائد صحية مهمة.
وكتب الباحثون: "قد تساعد الدراسة في توجيه النقاشات المتعلقة بالسياسات الصحية حول التدخلات الرياضية العملية والقابلة للتوسع لتشمل فئات السكان التي تعاني من ضعف الالتزام بالتمارين أو محدودية القدرة على ممارسة النشاط البدني".
ونشرت الدراسة في مجلة BMJ Open Sport & Exercise Medicine.