عبد الحميد كناكري خوجة: التشظي والتلظي...التجرثم والتشرذم.
مقالات
عبد الحميد كناكري خوجة: التشظي والتلظي...التجرثم والتشرذم.

«من أطماع الهيمنة إلى شظايا الأوطان حين تتجرثم السياسة بأطماع الاستحواذ، وتتشرذم البلاد تحت وطأة التدخلات، تتطاير شظايا السيادة في الجهات. ويتلظى الإنسان بنار صراعات تتجاوز حدود الجغرافيا؛ من واشنطن إلى تل أبيب، حيث تتقاطع عزائم القوة مع مقدرات الشعوب، ويغدو الوعي آخر متراس في وجه اقتلاع الأوطان من ذاكرتها ومصيرها.»

حين تعتل الخرائط:

أكتب بريشتي لأستنطق صمت الخرائط، وأتعقب خيوط الأطماع حين تتوارى خلف أقنعة الأمن. وأقرأ ما وراء الجغرافيا حين تتحول إلى مسرح لتنازل التطلعات. فليست كل الحروب وليدة لحظة؛ بعضها ينضج في مطابخ المصالح، ويتغذى على تناقضات السياسة، ثم ينفجر في وجوه الشعوب، تاركا وراءه مدنا مثقلة بالرماد وأجيالا ترث ندوبا لم تصنعها. ومن هنا جاء عنواني: التجرثم والتشرذم...التشظي والتلظي؛ أربعة مفاتيح لقراءة مسار يبدأ بأطماع التوسع، ويمر بتفكيك الروابط، وينتهي بشظايا تتناثر في جسد الإقليم، ونيران تتجاوز حدود الميدان إلى الذاكرة والمستقبل.

عاصمتا التوسع والإستكبار العالمي: هندسة النفوذ وأقنعة الأمن حين أتأمل السياسات الأمريكية والاسرائيلية، أرى تنافسا على إعادة تشكيل موازين القوة، تتداخل فيه الحسابات الأمنية مع المصالح الاستراتيجية والنفوذ الاقتصادي والعسكري. وتبرز هنا أسئلة السيادة والاستقلال، حين تتحول الجهات المؤثرة لحماية الأمن إلى أداة لفرض العزيمة وتقييد القرار الوطني. وفي غزة، خلفت الحرب دمارا واسعا ومأساة إنسانية ثقيلة؛ وفي الجنوب اللبناني، امتزج القصف والنزوح بقلق دائم على السيادة والاستقرار؛ أما الجولان وجبل الشيخ وجنوب سورية بشكل عام فقد أعادت التحركات العسكرية لقوات الاحتلال الصهيوني فيه سؤال الحدود والسيادة إلى واجهة المشهد. ولم تعد أدوات الصراع حكرا على المدافع والطائرات؛ فالتجسس والاختراق السيبراني والمراقبة والعمليات الاستخبارية والاغتيالات تنقل المعركة من الميدان إلى الهاتف، ومن الحدود إلى الشبكات، ومن الجسد الظاهر إلى المعلومة المستترة. وحين تتضافر موازين التأثير مع إدارة الصورة، يغدو الوعي نفسه ساحة للصراع، وتصبح الحقيقة هدفا آخر في مرمى النفوذ.

(من التجرثم إلى استرداد المعنى)

هنا تكتمل دائرة العنوان: التجرثم أطماع تتكاثر، والتشرذم شقوق تتسع، والتشظي أوطان تتبعثر، والتلظي أجيال تحمل رمادا لم تصنعه. ومع ذلك،

لا أرى التاريخ بابا موصدا؛ فالأمم قادرة على جمع شظاياها حين تستعيد وعيها. وتصون سيادتها، وتحمي اختلافها من التحول إلى متاريس. فالقوة التي تخضع الإنسان لا تصنع سلاما، والهيمنة التي تستنزف الأوطان لا تمنح التاريخ شرعية دائمة. فإذا كان التجرثم يمد أذرعه، والتشرذم يفتح أبوابه، والتشظي يبعثر المرايا، فإن التلظي ليس خاتمة الحكاية؛ ما دامت الشعوب قادرة على جمع شظاياها، وصون سيادتها، وإعادة كتابة مصيرها بمداد الوعي والكرامة. لا أكتب لأعيش في ظل الحقيقة؛ بل لأترك لها أثرا لا يستطيع الباطل أن يطمسه. ومن هنا أدعو دول الجوار إلى توطيد أواصر الأخوة وحسن الجوار مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وتعزيز التعاون والتكامل، وتغليب المصالح المشتركة على أسباب التباعد، بما يرسخ وحدة المصير الإقليمي ويحفظ لشعوب المنطقة أمنها وكرامتها وسيادتها. كما أن احترام حرية قرار الدول يقتضي ألا تستخدم أراضيها أو منشآتها العسكرية منطلقا لتهديد طهران أو استهداف شعبها وجيشها ومقدراتها؛ فالأمن الإقليمي الحقيقي يقوم على تقدير الحرمة الوطنية المتبادلة، وصيانة الاستقلال وتغليب الحوار على منطق الإكراه.

التشرذم: أذرع النفوذ وراء الحدود.

ولا تنحصر المنافسة على النفوذ في المشرق؛ فإفريقيا وآسيا فضاءان تتلاقى فيهما المصالح الاستعمارية الأمريكية والإسرائيلية مع حسابات قوى دولية وإقليمية أخرى، عبر الدبلوماسية والتجارة والتكنولوجيا وغيرها. وتمتد الأذرع الإسرائيلية إلى الهند، فيما تتحرك باكستان ضمن حسابات إقليمية مختلفة، لا يصح اختزالها في شبكة واحدة. لكن الخطر يبدأ حين تتحرك المصالح إلى أدوات ضغط، والانقسامات إلى منافذ اختراق، فتغدو المجتمعات شظايا متقابلة، وتستنزف طاقاتها في خصومات تبعدها عن بناء مستقبلها.

كاتب دمشقي حر.