‏اكتشاف جديد يقرب العلماء من فهم إصابات الأوتار
دراسات و أبحاث
‏اكتشاف جديد يقرب العلماء من فهم إصابات الأوتار
9 تشرين الأول 2026 , 15:46 م

توصل باحثون من جامعة كوين ماري في لندن إلى اكتشاف مجموعة من الخلايا الموجودة في الأوتار ، تستجيب بقوة للتغيرات في البيئة الميكانيكية المحيطة بها، ما قد يساعد على فهم أسباب استمرار آلام الأوتار وصعوبة علاج بعض إصاباتها.

‏وأظهرت الدراسة، المنشورة في مجلة Advanced Science، أن هذه الخلايا يمكن أن تستعيد بعض خصائصها الطبيعية عندما تنتقل إلى بيئة أكثر ليونة، بعد أن تتأثر سلبا بالأسطح الأكثر صلابة.‏

وقد يوفر هذا الاكتشاف طريقة جديدة لدراسة اعتلال الأوتار، وهو اضطراب شائع قد يؤدي إلى ألم مستمر وتقييد الحركة لدى البشر والعديد من الحيوانات.

‏كيف تعمل الأوتار، ولماذا يصعب علاج إصاباتها؟

علاج إصابات الأوتار ‏( مصدر الصورة : Shutterstock )ع

‏الأوتار هي أشرطة قوية ومرنة من النسيج الضام، تربط العضلات بالعظام وتنقل القوة الناتجة عن انقباض العضلات، ما يتيح لنا المشي والجري ورفع الأشياء وتحريك المفاصل.

‏وتتميز هذه الأنسجة ببنية متخصصة تساعدها على تحمل الإجهاد الميكانيكي المتكرر. لكن فهم أسباب تدهورها وصعوبة علاج بعض اضطراباتها يتطلب دراسة أنواع الخلايا المختلفة التي تتكون منها، وكيفية استجابتها للتغيرات التي تحدث داخل الأنسجة.

‏ويُعد اعتلال الأوتار من الحالات التي قد تستمر لفترات طويلة، إذ يمكن أن تؤثر في القدرة على الحركة وممارسة الأنشطة اليومية والرياضية.

‏ولذلك، يسعى العلماء إلى فهم كيفية تأثير البيئة المحيطة بخلايا الأوتار في قدرتها على الحفاظ على وظائفها الطبيعية أو المشاركة في تطور المرض.

‏طبقة لينة بين حزم الأوتار

‏تتكون الأوتار من حزم من ألياف الكولاجين تُعرف باسم الحزم الليفية، وتفصل بينها طبقة أكثر ليونة تسمى المصفوفة بين الحزم الليفية (Interfascicular Matrix - IFM).

‏وتختلف البيئة الميكانيكية التي تعيش فيها الخلايا الموجودة بين هذه الحزم عن البيئة المحيطة بالخلايا الموجودة داخل الحزم نفسها، والمعروفة باسم المصفوفة الحزمية (Fascicular Matrix - FM).

‏وافترض الباحثون أن هذا الاختلاف قد يجعل كل مجموعة من الخلايا تستجيب بصورة مختلفة عندما تتغير صلابة الأنسجة بسبب التقدم في العمر أو الإصابة أو المرض.

‏ولاختبار هذه الفرضية، عزل الفريق الخلايا الموجودة في المصفوفة بين الحزم الليفية، إلى جانب الخلايا الموجودة في المصفوفة الحزمية، ثم زرع المجموعتين على أسطح تختلف في درجة صلابتها.

‏وأتاح هذا التصميم التجريبي مقارنة استجابات الخلايا في ظروف مخبرية مضبوطة.

‏لماذا تتأثر بعض خلايا الأوتار بالأسطح الصلبة؟

‏أظهرت النتائج أن الخلايا الموجودة في المصفوفة الحزمية بقيت دون تغيرات كبيرة، بينما استجابت خلايا المصفوفة بين الحزم الليفية بصورة واضحة للتغيرات في صلابة السطح الذي نمت عليه.

‏وشملت هذه الاستجابات تغيرات في البنية الداخلية للخلايا، إلى جانب تغير سريع في نشاط الجينات المرتبطة بوظائف الأوتار وإنتاج المصفوفة خارج الخلوية، وهي المادة التي تحيط بالخلايا وتوفر لها الدعم البنيوي.

‏كما لاحظ الباحثون أن قدرة هذه الخلايا على التكاثر انخفضت عندما نمت على أسطح صلبة.

‏وتشير هذه النتائج إلى أن البيئة الميكانيكية المحيطة بالخلايا قد تؤثر في شكلها ونشاطها وقدرتها على التكاثر، وأن الاستجابة تختلف باختلاف نوع الخلية وموقعها داخل الوتر.

‏وقال الباحث الرئيسي في الدراسة، الدكتور سايمون غروسمِي، من جامعة كوين ماري في لندن، إن النتائج توضح أن أنواع خلايا الأوتار المختلفة يمكن أن تستجيب بطرق متباينة للتغيرات في البيئة الميكانيكية.

‏وأضاف أن هذا الأمر مهم لأن الأوتار قد تتغير بنيتها وصلابتها أثناء المرض، ما يجعل فهم استجابة كل مجموعة من الخلايا لهذه التغيرات ضروريا.

‏الخلايا استعادت بعض خصائصها في بيئة أكثر ليونة

‏في خطوة أخرى من التجربة، أعاد الباحثون نقل خلايا المصفوفة بين الحزم الليفية إلى أسطح أكثر ليونة، تشبه البيئة التي توجد فيها عادة داخل الوتر.

‏وأظهرت الخلايا تعافيا في عدد من الخصائص التي تأثرت سابقا، إذ استعادت شكلها وقدرتها على التكاثر، كما انعكس بعض التغير في نشاط الجينات.

‏وقالت الباحثة الرئيسية المشرفة على الدراسة، البروفيسورة Hazel Screen، إن استعادة الخلايا خصائصها بعد إعادتها إلى بيئة أكثر ليونة كانت من النتائج اللافتة، لأنها تؤكد أهمية البيئة الفيزيائية في الحفاظ على سلوك هذه الخلايا وخصائصها.

‏ويشير هذا التعافي إلى أن بعض التغيرات التي تطرأ على سلوك خلايا الأوتار قد تكون قابلة للعكس عند تغيير الظروف المحيطة بها.

‏لكن ذلك لا يعني أن الأوتار المصابة لدى البشر ستتعافى بمجرد تقليل صلابتها، إذ أُجريت التجارب على خلايا في المختبر، ولم تختبر الدراسة علاجا سريريا لإصابات الأوتار.

‏هل يقود الاكتشاف إلى علاج جديد لإصابات الأوتار؟

‏لا تثبت الدراسة أن خلايا المصفوفة بين الحزم الليفية هي السبب المباشر لاعتلال الأوتار، كما أنها لم تقدم علاجا جديدا أو تثبت فعاليته لدى المرضى.

‏وتتمثل أهميتها المباشرة في توفير نظام تجريبي يساعد العلماء على دراسة هذه الخلايا، وفهم كيفية تأثير البيئة المحيطة بها في وظائفها واستجابتها للتغيرات المرتبطة بالإصابة والمرض.

‏وطور الباحثون أيضا طريقة محددة لزراعة هذه الخلايا في المختبر، بما يساعد على الحفاظ على بعض خصائصها المهمة.

‏وتكتسب هذه الخطوة أهمية لأن عزل الخلايا من الأنسجة الطبيعية وزراعتها في بيئة مختلفة قد يغير سلوكها، وهو ما قد يؤثر في دقة النتائج إذا لم تُراع هذه التغيرات.

‏ومن خلال تحسين طرق دراسة خلايا الأوتار، يأمل الباحثون في تحديد العوامل التي تساعد الأنسجة على الحفاظ على وظائفها الطبيعية، والعوامل التي قد تسهم في تدهورها.

‏أهمية الدراسة لصحة الإنسان والحيوان

‏قد تساعد النتائج أيضا على تطوير الأبحاث المتعلقة بإصابات الأوتار وتعافيها لدى الحيوانات، من خلال مقارنة استجابات الخلايا بين الأنواع المختلفة.

‏وتحظى الخيول باهتمام خاص في هذا المجال، لأن أوتارها تتحمل قوى كبيرة أثناء الحركة والأنشطة الرياضية، ما يجعل فهم آليات إصاباتها وتعافيها ذا أهمية بيطرية وعلمية.

‏وقد تتيح دراسة الاختلافات بين خلايا الأوتار لدى الإنسان والحيوان فهما أفضل للعوامل التي تؤثر في تحمل الأنسجة للإجهاد الميكانيكي وقدرتها على التعافي.

‏ما الخطوة التالية؟

‏تقدم الدراسة دليلا على أن صلابة البيئة المحيطة تؤثر في سلوك مجموعة محددة من خلايا الأوتار، وأن بعض التغيرات التي تحدث لهذه الخلايا يمكن أن تنعكس عندما تعود إلى بيئة أكثر ليونة.

‏لكن الانتقال من هذه النتائج المخبرية إلى تطبيقات علاجية يتطلب إجراء مزيد من الأبحاث، لتحديد ما إذا كانت الآليات نفسها تعمل داخل الأوتار الحية، وكيف ترتبط بإصابات الأوتار المزمنة.

‏وإذا أكدت الدراسات المستقبلية هذه النتائج، فقد تسهم في تطوير نماذج أفضل لفهم اعتلال الأوتار، وتحديد أهداف جديدة للأبحاث التي تسعى إلى تحسين التعافي من الإصابات.

المصدر: Advanced Science