كتب: حسن علي طه
قبل عاصفة الحزم التي أطلقها محمد بن سلمان ضد اليمن قبل أحد عشر عامًا، كان اليمن على هامش الكرة الأرضية، بلدًا فقيرًا بالرغم من محيطه الثري والغني، تتنازعه الصراعات الداخلية.
عرفنا عنه أنه اليمن السعيد، وأنه أصل العروبة، وأهله يمتازون بالنخوة والشجاعة وكل قيم الكرم والمروءة.
وبعد ذلك التاريخ بدأنا نعرف موقع اليمن الجغرافي، إذ يشكّل مع سلطنة عُمان واجهة شبه الجزيرة العربية على بحر العرب، ومنه على المحيط الهندي.
عانى اليمن في الأعوام الماضية شتى صنوف الظلم، وليست المجاعة آخرها ولا نقص الدواء أولها، خاصة مع جائحة كورونا التي تضامنت الأرض بناسها ونسيت اليمن سعيدًا.
قبل ثلاثة أعوام بدأت ملامح الحرب السعودية على اليمن تأخذ بُعدًا آخر ومختلفًا عما هو متوقع، ولعل أكثر ما يثير الدهشة كيف لرجال ملبسهم العباءة والحفية، وهم يقدمون عرضًا عسكريًا فيه كل مواصفات الجيوش النظامية، في نقطة تحول أفضت فيما أفضت إليه إلى أن يضطر حاكم الأرض ترامب إلى مهادنة تنظيم مسلح يُدعى أنصار الله في البحر الأحمر.
واليوم، ومع تجدد حرب السعودية على اليمن، وفي تطورات متسارعة قلبت المشهد على عقبه، أصبحت السعودية تستجدي المساعدة، وذلك تظهيرًا لحجم الهزيمة التي مُنيت بها.
تاريخيًا، ينظر السعودي إلى اليمني نظرة دونية واستعلائية، كما هو حال نظرة اللبناني المريض للجالية السريلانكية أو الإثيوبية مع الأسف.
هذه النظرة عظّمت عليه حجم الهزيمة، إذ كيف لعمال المملكة أن يكونوا أسيادًا، مع الإشارة إلى أن هناك أكثر من ثلاثة ملايين يمني يعملون في السعودية.
فمن حلف مكة مع باكستان وتركيا، التي لها في اليمن جرح يتحدث عنه الأتراك اليوم من آباء وأجداد لم يعودوا من الحرب هناك،
إلى الاستنجاد بأبي محمد الجولاني لكي يرد شيئًا من جميل المملكة عليه، وهي التي ساهمت في تلميعه وترئيسه على دمشق.
وصولًا إلى استعطاف العالم الإسلامي من أن حركة أنصار الله ستقصف مكة المكرمة لما لها من قدسية لدى المسلمين، ولعل الرد اليمني على ادعاء السعودية كان قصفًا بحد ذاته، إذ هدد قادة أنصار الله بضرب السعودية فيما لو تم استهداف مكة، لأن ذلك سيكون من فعل بن سلمان نفسه في مسرحية فاشلة الإخراج حتى الإحراج.
أمام تصدّر اليمن مشهد الإقليم، إذ إن حجم ما تم إنجازه من السيطرة على مياه باب المندب ليصبح مفتاحه في جيب أنصار الله حصرًا، إضافة إلى التمدد باتجاه الأراضي اليمنية المحتلة تاريخيًا من السعودية (نجران وعسير وجيزان) في الأيام الماضية، يعادل، لا بل يفوق، كل النكسات التي تعرض لها المحور من بيروت لدمشق وحتى بغداد.
بداية الرسائل كانت باتجاه طهران بمعادلة سعودية تطلب تهدئة أنصار الله مقابل إيقاف الضغط على شيعة لبنان.
بدءًا من قرارات الحكومة المتعلقة بالمقاومة، إلى تحريك مؤسسات الدولة باتجاه قرى الجنوب للمساعدة في إعادة الحياة إليها، وصولًا إلى إنهاء عهد جوزاف عون الذي كان يزيد بن فرحان هو عرّاب تعيينه في بعبدا.
ليس غريبًا على اليمن السعيد أن يكون مع قضايا الأمة، وكيف هو الحال لو عدنا بالتاريخ لنعلم أن أصل جبل عامل هو لقبيلة عاملة التي أتت من اليمن واستوطنت جبل عامل.
لكن المفارقة اليوم أن اليمن الذي كان يُنظر إليه على أنه ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، قد يتحوّل إلى طرف تُعقد معه التسويات وتُقدَّم له التنازلات، حتى خارج حدوده الجغرافية. وإذا صحّت المعادلة التي تربط تهدئة الجبهة اليمنية بتخفيف الضغط السعودي في لبنان، فإننا نكون أمام تحوّل يتجاوز موازين القوة العسكرية إلى إعادة رسم حدود النفوذ السياسي في المنطقة.
وعندها لن يكون السؤال عمّا إذا كان اليمن قد دخل المعادلة اللبنانية، بل عن حجم ما يستطيع انتزاعه من تنازلات لمصلحة لبنان، وعن قدرة القوى اللبنانية على تحويل تلك التنازلات إلى مكاسب فعلية، لا أن تبقى مجرد أوراق في بازار التسويات الإقليمية.
فهل يأتي اليوم الذي يصبح فيه مفتاح بعض أبواب بيروت في صنعاء، بعدما اعتاد اللبنانيون البحث عنه في عواصم أخرى؟