عبد الحميد كناكري خوجة: كيان الاحتلال والانحلال، واحتراف الانحراف.
مقالات
عبد الحميد كناكري خوجة: كيان الاحتلال والانحلال، واحتراف الانحراف.

«حين تتخذ القوة من الأكاذيب درعا، ومن القوانين ستارا، ومن دماء الأبرياء وقودا لمشاريع التوسع؛ قراءة نقدية في منظومة تضفي على الاغتصاب غطاء من الشرعية، وتقدس الإفلات من المحاسبة، وتحيل ازدواجية المعايير إلى عقيدة سياسية؛ حيث تتهاوى أقنعة المظلومية أمام حقائق التاريخ، وتغدو الشعارات شاهد إدانة على أصحابها، ويظل الحق عصيا على المحو مهما اشتد البطش وتواطأت المنابر.»

ليست الكتابة السياسية عندي ترفا لغويا، ولا تحلق الكلمة في فضاء الأحداث لتكون صدى لأصوات عابرة؛ إنها شهادة ضمير في زمن التباس الحقائق، ومشرط وعي يشق ستائر التضليل، ومرآة لا تجامل الوجوه حين تتزين الأقنعة. ومن هنا تنبع مساءلة كيان جعل من القوة لسانا، ومن الدعاية حصنا، ومن اختلال موازين المحاسبة نافذة للتمادي؛ كيان تتقدم سرديته على المنابر، فيما تلاحق آثار سياساته أسئلة التاريخ ونداء الضحايا. وليس الدافع إلى هذا النقد انفعالا تمليه حرارة اللحظة، بل حرص على ألا تصادر الناس ببريق الشعارات، وألا يمنح الباطل صك الحقيقة لمجرد أنه يملك أدوات تسويق روايته؛ فالأوطان ليست خرائط صامتة، والكرامة ليست بندا قابلا للمساومة، وحقوق الشعوب لا تسقط بالتقادم ولا تمحى بضجيج المنابر.

وحين تتنكر الهيمنة في ثوب الشرعية، يصبح تفكيك خطابها واجبا فكريا، وتغدو الكلمة المسؤولة حصنا للوعي، لا معولا للهدم؛ إذ ليس أرفع من قلم يواجه ادعاء القوة بسلطان الحجة، ويضع الوقائع في ميزان التاريخ، فالأقنعة لا تدوم وإن طال بريقها، وصوت الحقيقة لا يخبو، مهما ارتفعت حوله جدران التضليل.

لا تنحصر معادلة الاحتلال والهيمنة في الاستيلاء على الأرض، بل تمتد إلى محاولة احتكار الرواية وتوجيه الوعي، وإعادة تعريف الشرعية وفق مقتضيات القوة. ويتجلى تناقض كيان الإحتلال حين يراد للتفوق العسكري أن يحل محل الاستحقاق الأخلاقي، وللنفوذ أن يصبح امتيازا في تفسير القواعد. لكن السيطرة، مهما امتدت، لا تتحول تلقائيا إلى مشروعية، ولا تمنح القوة صاحبها حصانة من المساءلة. ويستدعي الخطاب الأمني لتسويغ سياسات تمس حقوق المدنيين، بينما تنتقى من الوقائع تفاصيل تخدم الرواية وتهمش أخرى محرجة. غير أن تلميع الصورة لا يغير حقيقة الأفعال، وتكرار الإدعاء لا يحوله إلى حقيقة. فالأمن الذي يتجاهل أمان الآخرين لا يصنع استقرارا، بل يبقي الأزمات مفتوحة على مزيد من التوتر، ويرهن المنطقة لدورات متجددة من الاضطراب.

ولا تقف المسؤولية عند صانع القرار؛ بل تمتد إلى من يوفر له الغطاء، ويخضع المعاير القانونية لحسابات المصالح. فالمؤسسات الدولية تقاس بقدرتها على تطبيق قواعدها دون انتقائية، وتفقد مصداقيتها حين تتباين مواقفها تبعا لهوية الفاعل. وازدواجية المعايير ليست هفوة عابرة، بل شرخ في الثقة الدولية، تتسع من خلاله المسافة بين المبادئ المعلنة والممارسة الفعلية. ولا يمكن بناء سلام مستدام ما دامت المحاسبة تستثني منها الأطراف الأقوى، أو تختزل الحقوق في بيانات لا تتبعها خطوات عملية. وفي هذا المشهد، لا يقل دور الإعلام خطورة عن دور السياسة؛ فانتقاء المفردات، وترتيب الأولويات، وتغييب أصوات المتضررين، قد تحول الخبر من وسيلة للفهم إلى أداة لتوجيه الإدراك. لذلك تقتضي المهنية توثيق الادعاءات، والتميز بين الخبر والتعليق، وإخضاع الروايات للفحص، بعيدا عن إملاءات التمويل والاصطفاف. فالإعلام المسؤول لا يصدر الأحكام بدل القضاء، لكنه يمنع احتكار الحكاية، ويمنح الوقائع فرصة للظهور، ويبقي المساءلة حية في المجال العام. وتبلغ المعضلة ذروتها حين تصبح المأساة مشهدا مألوفا، ويختزل الإنسان في رقم عابر، وتقاس الخسائر بمنطق الحسابات لا بميزان الكرامة. فطول الأزمة لا يمنح الظلم شرعية، ولا يعفي الأطراف من مسؤولياتها تجاه المدنيين، ولا يسقط حق الشعوب في تقرير مصيرها، بل تظل هدنة هشة لا سلاما راسخا؛ لأن استقرارا يتجاهل جذور المظلومية لا يعالج المصيبة، بل يرحل انفجارها. من هنا، لا يحتاج نقد الاحتلال إلى المبالغة أو تشويه الواقع، بل إلى حجة موثقة ومعيار موحد، لا يتبدل بتبدل الأطراف؛ معيارا لا يستمد قوته من علو الصوت، بل من صمود منطقه أمام الفحص، واتساق غايته مع كرامة الإنسان وحقوق الشعوب.

سيظل كيان الاحتلال الإسرائيلي أمام استحقاق التاريخ، مهما أحكم بناء روايته؛ فحقوق الشعوب لا تمحوها الدعاية، وكرامة النفس البشرية ليست ورقة في سوق المقايضات.وحين تطوى صفحات الحاضر، لن يكون الفيصل علو الصوت، بل صمود الأفعال الأفضل أمام القانون وضمير البشرية. فالتاريخ لا يكتب بالمنابر وحدها، ولا تحسم أحكامه بميزان القوة؛ إنه يحتفظ بآثار القرارات، وشواهد المواقف، وذاكرة الشعوب العصية على المحو. فقد تحسم القوة جولة، لكنها تعجز عن انتزاع شهادة التاريخ لصالحها. وسيظل هذا الكيان المارق، بما خلفته سياسته من احتلال وقمع وفظائع وانتهاكات وتنكر لحقوق الفلسطينيين، شاهدا على أن الإفلات من العقاب لا يحول الجريمة إلى مشروعية، ولا يمنح المعتدي براءة من ذاكرة الضحايا أو حكم القانون؛ فمهما طال التزييف، يبقى الاحتلال وصمة سياسية وأخلاقية، وتبقى مقاومة الظلم والتمسك بالحق أقوى من كل آلة دعائية تحاول تصوير المعتدي ضحية، والضحية متهما.

كاتب دمشقي حر.