عبد الحميد كناكري خوجة: من عاصفة الصحراء إلى استهداف طهران... مَن يُشعل الحروب تحت لافتات الخلاص، ومَن يكتب فصول الخراب حين تصطدم الشعارات بالوقائع؟
مقالات
عبد الحميد كناكري خوجة: من عاصفة الصحراء إلى استهداف طهران... مَن يُشعل الحروب تحت لافتات الخلاص، ومَن يكتب فصول الخراب حين تصطدم الشعارات بالوقائع؟

من بغداد وطرابلس وصنعاء ودمشق وبيروت إلى طهران وغزة؛ أوامرٌ تُصاغ في واشنطن، ومصالحُ أطماع وهيمنة إسرائيلية تتقدم، وتحالفاتٌ إقليمية تتشابك، فيما تدفع البلدان والشعوب أثمان الحروب، ويثير الصمت العربي الرسمي أسئلةً لا تُسكتها البيانات.

حين تصبح السيادة تهمة

ليست أخطر الحروب تلك التي تبدأ بالمدافع، بل التي تسبقها حملاتٌ تُلبس المصالح ثياب المبادئ، وتسوّق الهيمنة خلاصًا، وتقدّم إخضاع الدول. ومن العراق وليبيا إلى سوريا واليمن، وصولًا إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية، يتكرر مشهد تتقدم فيه حسابات الأطماع الأمريكية، وتتقاطع فيه الأحقاد الإسرائيلية، بينما تتحمل شعوب المنطقة أعباء الحروب العدائية وتداعياتها القاسية.

وفي قلب هذه المعادلة يقف البيت الأبيض، بما يمتلكه من نفوذ سياسي وعسكري واقتصادي، وقدرة على تحريك التحالفات وفرض العقوبات الأحادية وتوجيه الضغوط. ويتجلى العداء الأمريكي والإسرائيلي للجمهورية الإسلامية الإيرانية في التهديدات العسكرية، والعقوبات الاقتصادية، وسياسات التصعيد والمواجهة، وفي المساعي الرامية إلى إضعاف إيران وتقويض قدراتها والنيل من استقلال قرارها وسيادتها. ولا يمكن فصل هذا النهج العدائي عن إصرار واشنطن وتل أبيب على فرض معادلات إقليمية تخدم المصالح الإسرائيلية على حساب أمن المنطقة واستقرارها.

حروب تتبدّل عناوينها وتتشابه أثمانها

من العراق إلى ليبيا: الشعارات والنتائج

منذ حرب الخليج عام 1991، مرورًا بالتدخل العسكري في العراق عام 2003، وصولًا إلى العدوان على ليبيا عام 2011، ظل السؤال قائمًا عن المسافة بين الأهداف المعلنة والنتائج الفعلية. فحين تتدخل القوى الكبرى، لا يكفي النظر إلى الشعارات المرفوعة؛ بل ينبغي النظر إلى ما تخلّفه الحروب من انهيار مؤسسات، واضطراب سياسي، وانقسامات اجتماعية، وتراجع في قدرة الدول على صون استقلالها.

وفي الحرب التكالبية على ليبيا، وللأسف الشديد، شاركت دول عربية في العمليات الجوية؛ وبرزت ضمن الأرقام المتداولة بشأن مشاركاتها أربع طائرات قطرية، وست طائرات إماراتية من طراز F-16 وست من طراز ميراج، وأربع طائرات أردنية. لكن دلالة المشاركة لا تُختزل في عدد الطائرات؛ إذ يبقى السؤال عن حصيلة التدخل، وما إذا كان قد أفضى إلى استقرار مستدام أم فتح أبوابًا لصراعات لم تنتهِ آثارها.

اليمن وسوريا: حين تتسع دائرة الاستنزاف

في العدوان على اليمن، دخلت الحرب مرحلة جديدة عام 2015، وسط مشاركة عسكرية إقليمية واسعة. وتورد الأرقام المتداولة بشأن بدايات العمليات نحو 100 طائرة سعودية، وقوة قوامها 150 ألف جندي، إلى جانب 30 طائرة إماراتية، و15 طائرة لكل من الكويت والبحرين، و10 طائرات قطرية، وست طائرات لكل من الأردن والمغرب، فضلًا عن خمس طائرات سودانية ومشاركة قوات برية سودانية.

ومهما اختلفت التقديرات والتفاصيل، فإن المحصلة الإنسانية للحرب تفرض سؤالًا لا يجوز تجاهله: كيف تحولت الإمكانات العسكرية الهائلة إلى سنوات من المعاناة والنزوح والأزمات المعيشية؟ وأي انتصار يمكن أن يُحتفى به فيما يدفع المدنيون أثمان الصراع؟ من تجويع وترويع وحصار؟

وفي سوريا، تعقدت المواجهات بتشابك التدخلات الخارجية وتعدد القوى المسلحة. وقد أكدت تقارير متداولة أرقامًا تقارب 60 ألف مقاتل ضمن بعض التشكيلات المسلحة في مراحل من النزاع؛ والثابت في الصورة العامة أن تعدد الأطراف والمصالح جعل الأزمة أكثر تعقيدًا، وأطال معاناة السوريين، وفتح البلاد أمام تنافس إقليمي ودولي واسع.

الجمهورية الإسلامية الإيرانية: عداء معلن وصراع على سيادتها:

أما الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فتواجه ضغوطًا أمريكية وإسرائيلية لا يمكن قراءتها بمعزل عن الصراع على النفوذ ومستقبل التوازنات الإقليمية. فالتهديدات العسكرية، والعقوبات، والتصعيد السياسي، والاعتداءات التي تستهدف أمن الدول وسيادتها، ليست أدوات لبناء الثقة أو ضمان الاستقرار، بل عوامل تزيد مخاطر المواجهة وتوسّع دائرة القلق في المنطقة.

إن استهداف إيران أو محاولة إخضاع قرارها السيادي لا ينفصل عن الحسابات الاستراتيجية لواشنطن وتل أبيب، ولا سيما حين تتقدم المصالح الإسرائيلية في صلب التصورات الأمنية المطروحة للمنطقة. ومن هنا، فإن الدفاع عن سيادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية وحقها في الاستقلال وصون أمنها ليس مبررًا للحروب، بل رفضٌ لمنطق الإكراه وفرض الإرادات بالقوة.

ولا يجوز أن تتحول الخصومات السياسية إلى ذريعة لتجاهل حقوق الشعوب أو الاستهانة بمخاطر التصعيد؛ فاستقرار المنطقة لا يتحقق بالتهديد المتبادل، ولا بإخضاع دولة لإرادة دولة أخرى، بل باحترام السيادة والامتناع عن الاعتداء وتسوية النزاعات بعيدًا عن الهيمنة.

غزة: مأساة تكشف اختلال الأولويات

وفي مقابل هذا الحشد العسكري والسياسي، تقف غزة شاهدةً على مأساة إنسانية تستوجب مواقف تتناسب مع حجم المعاناة. فبينما تتسع التحالفات وتُرصد الإمكانات وتُعقد الحسابات الاستراتيجية، يظل المدنيون الفلسطينيون في مواجهة القتل والدمار والنزوح والجوع، وتظل حماية حياتهم وكرامتهم مسؤولية أخلاقية لا تسقط بالتذرع بالتوازنات السياسية.

وهنا تتجلى المفارقة المؤلمة: كيف تستطيع بعض الحكومات حشد الإمكانات لمعارك إقليمية، بينما تبدو مواقفها أقل حزمًا حين يتعلق الأمر بوقف المأساة في غزة، وحماية المدنيين، والضغط الفعلي لإنهاء الانتهاكات الإسرائيلية؟ إن التفاوت بين حجم الإمكانات المتاحة وفاعلية المواقف المتخذة يثير أسئلة مشروعة عن ترتيب الأولويات، ومعنى التضامن العربي والإسلامي حين يصبح الاختبار إنسانيًا لا دعائيًا.

امتحان التاريخ ومسؤولية الموقف

وأمام هذا التصعيد الأمريكي والإسرائيلي ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، يفرض السؤال نفسه بلهجة لا تحتمل المواربة: كيف تبرّر بعض الحكومات العربية، بما تملكه من ثروات ونفوذ وإمكانات، صمتها إزاء التهديدات والاعتداءات التي تستهدف سيادة إيران المسلمة التي تقتدي بالقرآن الكريم وبهدي آل بيت النبوة؟ وأي معنى يبقى للتضامن العربي والإسلامي إذا غابت المواقف الحازمة حين تتعرض دول المنطقة للاستهداف، وتُركت واشنطن وتل أبيب تمضيان في سياسات الهيمنة والتصعيد؟ أليس الصمت أمام هذه السياسات تخلّيًا عن مسؤولية تاريخية وأخلاقية، وتفريطًا بأمن المنطقة وحق شعوبها في تقرير مصيرها بعيدًا عن الإملاءات الخارجية؟ وكيف يمكن تبرير مواقف تمنح المعتدي هامشًا أوسع للمضي في مخططاته، بينما تتحمل شعوب المنطقة وحدها كلفة الحروب ونتائجها؟

إنها أسئلة لا تُطرح للمجاملة، ولا تُغلق أبوابها ببيانات دبلوماسية باردة، بل تضع الجميع أمام امتحان التاريخ ومسؤولية الموقف. فسيادة الدول ليست ورقةً للمساومة، وكرامة الشعوب ليست ثمنًا يُدفع لإرضاء القوى المتغطرسة، وأمن المنطقة لا يُصان بالخضوع لمعادلات واشنطن وتل أبيب، بل بإرادة مستقلة ومواقف واضحة ترفض العدوان وتواجه الهيمنة وتنحاز إلى حق الشعوب في تقرير مصيرها.

فالتاريخ لا يخلّد من امتلك الثروة والنفوذ فحسب، بل يسجّل أيضًا من امتلك شجاعة الموقف حين تراجعت المواقف، ومن وقف دفاعًا عن السيادة حين آثر الآخرون الصمت.

كاتب حر خارج الوطن.