الفتح الإسرائيلي والعهد جديد.
مقالات
الفتح الإسرائيلي والعهد جديد.
علي وطفي
12 تشرين الأول 2026 , 07:38 ص

مع عودة دونالد ترامب (الشقيق الأكبر) للكيان الاسرائيلي إلى البيت الأبيض يتسع الحلف الإبراهيمي في بلاد العرب و كل مرشح لأعلى منصب (الرئاسة) في نصف الكرة الغربي ومنها أمريكا اللاتينية من واجبه الصلاة عند حائط المبكى ودعم السياسة الإسرائيلية ، كان واضحا في حملاتهم الانتخابية تأكيد الولاء للكيان اما الذين فازوا أو على وشك الفوز في دول أمريكا اللاتينية خلال فترة ولاية دونالد ترامب الثانية وكأنهم متفقين بشكل مسبق، أن يتصلون أو يسافرون إلى تل أبيب للظهور في الساحة السياسية الإسرائيلية.

اما السبب…؟

“ : صحيفة تايمز أوف إسرائيل سألت وأجابت هي نتيجة مباشرة للانتصارات السياسية لليمين، الذي أزاح الحكومات اليسارية وهناك قوة تعمل منذ فترة طويلة في أمريكا اللاتينية في حين كانت الحكومات اليسارية تنتقد إسرائيل، بينما خصومها اليمينيون في موقع مناقض لها وبحسب الصحيفة، فإن أحد الأسباب الرئيسية التي تدفع هذه الحكومات إلى إعلان نيتها صراحة استئناف العلاقات مع إسرائيل هو رغبتها في تحسين العلاقات مع جارتها الشمالية الكبيرة والمؤثرة ( إدارة ترامب) وآخرهم المرشح “ فلافيو بولسونارو” ضد لولادا سيلفيا اليساري ، فلافيو ارتفعت شعبيته فجأة خلال الحملة الانتخابية البرازيلية بعد أن زار مؤخرا تل أبيب وسبح في نهر الأردن مع مجموعة من الإنجيليين وبعد أن ضمن دعم نتنياهو، اقترح نقل السفارة البرازيلية إلى القدس في حال فوزه بالانتخابات وانعكس ذلك في نتائج الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية وفاز فلافيو "بشكل غير متوقع" على الرئيس الحالي لولا دا سيلفا في المرحلة الاولى ، فالدعم الصهيوني بالغ الأهمية لليمين المتطرف في القارة والذي غالبا ما يتبنى توجهات فاشية إذ تتمتع الولايات الشمالية في البرازيل بعلاقات وثيقة مع مجموعات مالية واقتصادية كبرى تسيطر على الاقتصاد البرازيلي والعالمي ، الذين يقدمون دعما تقنيا كبيرا إذ يمتلكون موارد متطورة للتأثير على السكان وممارسة جميع أشكال التجسس - وكانت الحكومة الإسرائيلية أعلنت ان الرئيس “لولا” شخصاً غير مرغوب منذ 2024 بسبب استدعائه سفيره من تل أبيب - إضافة لتأثيرالكنائس البروتستانتية التي يمول العديد منها من قِبل الصهاينة وبالتالي فهي خاضعة للتأثير المباشر لتل أبيب وهذا ما يؤثر على ملايين الناخبين البرازيليين، كما يوضح الخبير السياسي الدولي ماركو كنسولو: " لم يعد الوجود الإسرائيلي يعتمد على مبيعات الأسلحة منذ فترة بل توسع ليشمل استخدام البيانات الضخمة للتلاعب بالانتخابات أو الانقلاب و تطوير و تسويق برامج التجسس وأنظمة وعمليات الاستخبارات وأدوات المراقبة الرقمية الجماعية ومنصات التحليل الخوارزمي التي تستخدمها الحكومات والجهات الفاعلة الخاصة على حد سواء ، كما إسرائيل لا يعنيها بشيء كون الجماعات السياسية اليمنية التي تدعم فلافيو بولسونارو هي ذات نهج فاشي، وأن المتشددين اليمينيين والعسكريين ينكرون جرائم القتل والاختفاء القسري والتعذيب التي ارتكبتها الأنظمة الديكتاتورية في البرازيل منذ ستينيات القرن الماضي ، في ولايته الثانية نجح دونالد ترامب في إعادة عقارب الساعة إلى الوراء في النظام السياسي لأمريكا اللاتينية وتحويل كاراكاس ومعظم عواصم أمريكا اللاتينية إلى دمى في يد واشنطن بحكم الأمر الواقع.

اولى الأمثلة كان الرئيس الكولومبي المنتخب مؤخرا " أبيلاردو دي لا أسبريلا" المدافع عن تجار المخدرات، كشف عن خطط تقوية العلاقات مع إسرائيل وافتتاح سفارة في القدس والاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان المحتلة وهي أرض سورية بموجب القانون الدولي التي لم تعترف بها حتى الآن إلا الولايات المتحدة جزء من اسرائيل اليهودية.

والآن يعد المرشح الرئاسي البرازيلي “ فلافيو بولسونارو” بفعل الشيء نفسه التقط بالفعل صورة مع الرئيس الأرجنتيني ميلي ، الذي أعلن نفسه "الرئيس الصهيوني الأقل استخداما للتعليقات في العالم" ، وفي مطلع هذا العام، أصبحت الأرجنتين والسلفادور الحليفتين الرئيسيتين لنتنياهو في أمريكا اللاتينية ، أما الرئيس التشيلي خوسيه أنطونيو كاست الفاشي بالفطرة عين عند وصوله إلى السلطة ملحق عسكري في إسرائيل كان سلفه غابرييل بوريتش قد عزله ولأول مرة منذ أربعة عقود، استقبل الإكوادوري دانيال نوبوا وزير خارجية إسرائيل و الرئيس الجديد لهندوراس، نصري عصفور، المولود في فلسطين ( هدية) نتنياهو الكبرى وبعد أدائه اليمين الدستورية تحت ضغط من ترامب، كانت أولى مهامه زيارة إسرائيل والاجتماع مع نتنياهو في تسجيلات صوتية مسربة عرفت باسم "هندوراس غيت"، أُطلق سراح الرئيس السابق " خوان أورلاندو هيرنانديز” (الذي حكم عليه بالسجن على عكس الرئيس البنمي نورييغا، الذي قضى كامل مدة عقوبته في سجن أمريكي بتهمة تهريب المخدرات نفسها وهو الآن مسجون لنفس التهمة وربما وضع في الزنزانة نفسها مع نورييغا وعاد برفقة نصري وميلي، وتقام خططا لاستخدام هندوراس كنقطة انطلاق لإسقاط الحكومات اليسارية في جميع أنحاء القارة ومن الجدير بالذكر أن هندوراس كانت ملاذا آمنا لجماعة الكونترا النيكاراغوية في ثمانينيات القرن الماضي ،لاشك ان التقارب الإسرائيلي مع أمريكا اللاتينية ذات أهمية قصوى لكيان بنيامين نتنياهو ، الذي بات غير مرغوب فيها من قِبل غالبية الدول بسبب جرائمه الدموية في غزة ولبنان وهو ما ثبت خلال كلمة نتنياهو في الجمعية العامة للأمم المتحدة مؤخرا، الذي دفع غالبية الدول إلى مغادرة القاعة خشية رؤية أو سماع المجرم المتعطش للدماء.

إنها "الحقبة الجديدة" الضرورية لحكومات اليمين في نصف الكرة الجنوبي، التي قررت حماية نفسها من القوى اليسارية بـدرع أمريكي والأسلحة الإسرائيلية ، علاوة على ذلك في أمريكا اللاتينية أدت هذه "الرياح الجديدة" بالفعل إلى انقسام وتُظهر استطلاعات الرأي المتكررة أن سكان القارة على عكس حكامهم معادين لإسرائيل بشكل قاطع كما هي حالة شعوب العرب ومع ذلك ، فإن موجة الحكومات اليمينية الجديدة التي تم تنصيبها بدعم من واشنطن في السلفادور، الأرجنتين ، تشيلي ، الإكوادور، بيرو، بوليفيا ، هندوراس ، كوستاريكا، وكولومبيا، وربما يكون مصير البرازيل ، إنه تحول نحو تعميق علاقات المنطقة مع إسرائيل في مجالات كل المجالات .

تعود العلاقات مع أمريكا اللاتينية إلى تأسيس دولة إسرائيل الى سنة 1948 ولم تكتفِ دول أمريكا اللاتينية بدعمها، بل ساعدت أيضا في فم عزلتها الدولية في الهيئات متعددة الأطراف، ولا سيما الأمم المتحدة واستمر هذا حتى أوائل سبعينيات القرن الماضي الى حين صعود القوى اليسارية المناهضة للإمبريالية وتزايد التدخلات المسلحة وجرائم الحرب الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية ومناطق أخرى من الشرق الأوسط، أدى إلى ظهور موقف حاد بين سكان أمريكا اللاتينية و تفاقم هذا الوضع في العقود الأولى من القرن الحادي والعشرين ، عندما أعلنت حكومة تشافيز في فنزويلا وحلفائها الإقليميين (كوبا بقيادة فيدل كاسترو ونيكاراغوا بقيادة دانيال أورتيغا وبوليفيا بقيادة إيفو موراليس والإكوادور بقيادة رافائيل كوريا والأرجنتين بقيادة كيرشنر) معارضتهم الواضحة للسياسات الصهيونية الإسرائيلية وفي عام 2010 اعترف لولا دا سيلفا رئيس البرازيل بدولة فلسطين وفي 2012 صوتت معظم دول أمريكا اللاتينية، باستثناء بنما وكولومبيا وغواتيمالا وهايتي وباراغواي في الأمم المتحدة لصالح الاعتراف بفلسطين كدولة عضو مراقب.

واليوم لا توجد دولة واحدة في القارة لا تربطها علاقات تجارية وعسكرية وأمنية مع الكيان الاسرائيلي اليوم بفضل ضغوط الولايات المتحدة لتقوية علاقات إسرائيل مع دول أمريكا اللاتينية ، فالجيش الإسرائيلي كما في السابق يدرب قوات قمعية ويبيع الأسلحة و برامج التجسس وسنوات الديكتاتوريات اليمينية الدموية في أمريكا اللاتينية، كانت إسرائيل المحرِض الرئيسي والداعم الأساسي لها، متسترة وراء "مبدأ مونرو" و كانت الآلية بسيطة : عندما تقوم واشنطن بخفض أو توقف الإمدادات العسكرية وتدريب القوات القمعية للديكتاتوريات، تبرز إسرائيل كبديل لها واليوم يعد "مبدأ مونرو" غطاء لإسرائيل للسيطرة الدولية وإعادة تعريف الجغرافيا السياسية التي تنفذها الولايات المتحدة وإسرائيل في العديد من دول أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي ، إنها استراتيجية سياسية اقتصادية وعسكرية ممنهجة تتطور وتتزايد في المنطقة ويعتقد “ دانيال واينر”، أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة العبرية في القدس، “ أن اليمين في أمريكا اللاتينية أصبحت "حضنا لاسرائيل ".بعد ان نبذته غالبية أنظمة العالم

إذا اسرائيل حاضرة بقوة في البنية الجيوسياسية اةاةالجديدة الناشئة في القارة بعد أن أصبح مفهوم "الأمن" مفهوما استراتيجيا للولايات المتحدة وإسرائيل وتحت هذا الإطار يتم وضع سياسة شاملة تهدف إلى ضمان السيطرة على الموارد الرئيسية من الطاقة والتنوع البيولوجي والمياه والمعادن الأساسية وممرات الخدمات اللوجستية وسلاسل التوريد التي تدعم الاقتصاد العالمي ولا يقتصر الهجوم الإسرائيلي الأمريكي لإعادة رسم مستقبل أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي على الجوانب السياسية والاقتصادية فحسب ، بل يعتمد أيضا على مجال واسع من الخبرات العسكرية والتكنولوجية ، استراتيجية تجمع بين وجود عسكري ضخم وقواعد عملياتية و شبه عسكرية ومنشآت أمنية، وبنية تحتية غير معلنة ومبيعات أسلحة ونشر مستشارين ومدربين وتفعيل حرب الجيل الخامس والصراع الهجين وغير المتكافئ القائم على التضليل الإعلامي والمراقبة الجماعية والتلاعب المعرفي والنفسي وتغيير التصورات عن الواقع و الحرب السيبرانية.

اما الارجنتين فقد أصبحت تحت الوصاية اليهودية المباشرة و ربما تصبح الملاذ الآمن يوما لمجرمي الحرب الاسرائيليين على غرار مجرمين الحرب النازيين و هذه الحادثة عمق ومتانة العلاقات بينهما والمستمرة منذ عقود .« قبل ساعات قليلة من المباراة النهائية بين الأرجنتين وإسبانيا على نهائي المونديال حين استقبل نتنياهو السفير الأرجنتيني (الحاخام شيمون أكسل وانيش) لتقديم الدعم والتشجيع للمنتخب الأرجنتيني نيابة عنه وعن الحكومة وأكد نتنياهو في اتصال لميلي قائلا : "خافيير، أنت صديق حقيقي و أنت صديق رائع، ندعمك و ندعم الأرجنتين بكل الطرق و بالتوفيق!" وأجابه ميلي : "أنت صديقي، دائما ما تدعمني و سررت بمعرفة أنك بفضلي تشجع الأرجنتين."

المفاجأة كانت ضربة قاسية لداعمي الأرجنتين عندما فازت إسبانيا على الأرجنتين في المباراة النهائية و اكتسبت على الفور دلالات سياسية تجاوزت حدود كرة القدم على مواقع التواصل الاجتماعي، و أطلق الكثيرون على الأرجنتين لقب "فريق إسرائيل" وعلى إسبانيا لقب "فريق فلسطين".»

في الخلاصة ننتظر استكمال تغول الإسرائيليون في القارة ونحن في انتظار المشهد ، أم تنجو من براثن القراصنة فالخطوة البرازيلية الاخيرة من الالف ميل السياسي الانتخابي ليكتمل إلقاء القبض على القارة وختامها كوبا ، وتصبح إسرائيل إمبراطورية الجيل الخامس الغير مرئية في أمريكا اللاتينية برعاية شقيقتها الكبرى في الشمال .