كشف باحثون من جامعة ميشيغان الأمريكية عن الآليات الخلوية التي تفسر سبب تفاقم مرض الذئبة الحمامية الجهازية عند التعرض لأشعة الشمس. وأظهرت الدراسة أن الأشعة فوق البنفسجية قد تتسبب في اضطراب وظائف خلايا البشرة، وتنشيط خلايا مناعية مرتبطة بالالتهاب، ما قد يؤدي إلى ظهور نوبات جلدية وتفاقم المرض على مستوى الجسم.
وتقدم النتائج، المنشورة في مجلة Science Translational Medicine، أول خريطة خلوية لاستجابة جلد المصابين بالذئبة الحمامية الجهازية للأشعة فوق البنفسجية، وتحدد مسارات بيولوجية قد تمثل أهدافا لعلاجات مستقبلية.

حساسية الشمس تصيب معظم مرضى الذئبة الحمراء
تعد الحساسية للضوء، المعروفة باسم التحسس الضوئي، من الأعراض الشائعة لدى المصابين بالذئبة الحمامية الجهازية، إذ قد تصيب ما يصل إلى 93% منهم.
ويمكن أن يؤدي التعرض للأشعة فوق البنفسجية إلى ظهور طفح جلدي، كما قد يحفز نوبات تؤثر في أعضاء وأجهزة أخرى من الجسم.
ورغم معرفة الأطباء منذ سنوات بأن أشعة الشمس قد تؤدي إلى تفاقم المرض، فإن الآليات التي تحدث داخل خلايا الجلد بعد التعرض للأشعة فوق البنفسجية لم تكن مفهومة بصورة كاملة.
ولهذا، تركزت الإجراءات الوقائية المتاحة أساسا على تجنب التعرض للشمس واستخدام مستحضرات الوقاية من أشعتها.
كيف درس العلماء استجابة الجلد للأشعة فوق البنفسجية؟
أجرى الباحثون تجربة شملت متطوعين أصحاء ومرضى مصابين بالذئبة الحمامية الجهازية، وعرضوا مناطق من جلد المشاركين للأشعة فوق البنفسجية من النوع «ب» (UVB).
وبعد مرور 24 ساعة على التعرض للأشعة، فحص الباحثون التغيرات التي طرأت على خلايا الجلد باستخدام تقنية تسلسل الحمض النووي الريبي (RNA) على مستوى الخلية الواحدة.
وتتيح هذه التقنية دراسة نشاط الجينات داخل الخلايا الفردية، والكشف عن الاختلافات في استجابتها للمؤثرات الخارجية، بما يساعد على تحديد الخلايا والمسارات المرتبطة بالالتهاب.
ومن خلال هذه التحليلات، تمكن الفريق من إعداد خريطة خلوية توضح كيفية استجابة جلد المصابين بالذئبة والأشخاص الأصحاء للأشعة فوق البنفسجية.
اضطراب في خلايا البشرة قد يطلق الالتهاب
أظهرت النتائج أن التعرض للأشعة فوق البنفسجية أدى لدى المصابين بالذئبة إلى تضرر الخلايا الكيراتينية، وهي الخلايا الرئيسية التي تشكل الطبقة الخارجية من الجلد، المعروفة باسم البشرة.
لكن الاستجابة لدى المصابين بالذئبة اختلفت عن تلك التي لوحظت لدى الأشخاص الأصحاء.
فبحسب الباحثين، حدث اضطراب في عملية التخلص من الخلايا المتضررة أو الميتة لدى المصابين بالمرض، ما أدى إلى عدم إزالتها بصورة طبيعية.
ويرى العلماء أن تراكم هذه الخلايا قد يسهم في إطلاق سلسلة من التفاعلات الالتهابية في الجلد.
وتساعد هذه النتيجة على تفسير كيفية تحول التعرض للأشعة فوق البنفسجية من مجرد عامل يسبب ضررا للخلايا إلى محفز لاستجابة مناعية قد تؤدي إلى تفاقم الأعراض لدى مرضى الذئبة.
خلايا مناعية قد تؤدي دورا محوريا في تفاقم المرض
رصد الباحثون أيضا تنشيط نوع من الخلايا المناعية يُعرف باسم الخلايا المتغصنة المشتقة من الوحيدات، ويرمز إليها اختصارا بـ moDCs، لدى كل من الأشخاص الأصحاء والمصابين بالذئبة بعد التعرض للأشعة فوق البنفسجية.
وتؤدي الخلايا المتغصنة دورا مهما في الجهاز المناعي، إذ تساعد على التعرف على المستضدات وتقديمها إلى خلايا مناعية أخرى، بما يساهم في تنظيم الاستجابة المناعية.
ورغم وجود هذه الخلايا بنسب متقاربة في عينات الجلد لدى المصابين بالذئبة والأشخاص الأصحاء الذين تعرضوا للأشعة، تشير النتائج إلى أنها قد تنشأ من مجموعات مختلفة من الوحيدات الدائرة في الدم.
وكانت الخلايا المرتبطة بالذئبة، بعد تعرض الجلد للأشعة فوق البنفسجية، تتميز بنشاط التهابي وبزيادة عمليات عرض المستضدات، وهي عملية تساعد الجهاز المناعي على التعرف على المواد التي قد تستدعي استجابة مناعية.
ويفترض الباحثون أن هذه الخلايا قد تكون خلايا سلفية لخلايا متغصنة تحمل العلامة المناعية CD16+، والتي عثر عليها في المناطق الجلدية المصابة بالذئبة.
وتشير هذه النتائج إلى أن اختلاف نوع الخلايا المناعية التي تنشط، وليس مجرد وجودها بأعداد أكبر، قد يكون جزءا مهما من تفسير الاستجابة الالتهابية غير الطبيعية لدى المصابين بالمرض.
هل يفتح الاكتشاف الباب أمام علاجات جديدة؟
لا تقتصر أهمية الدراسة على تفسير سبب حساسية مرضى الذئبة لأشعة الشمس، بل قد تساعد أيضا على تحديد أهداف جديدة لتطوير العلاجات.
ويرى الباحثون أن التدخل في المسارات البيولوجية المسؤولة عن استقدام الخلايا المتغصنة المشتقة من الوحيدات وتنشيطها قد يساعد مستقبلا على الحد من الالتهاب الناتج عن التعرض للأشعة فوق البنفسجية.
ويفترض الفريق أن استهداف هذه المسارات قد يسهم في الوقاية من النوبات الجلدية، وربما تقليل خطر النوبات التي تؤثر في أجهزة أخرى من الجسم.
لكن هذه النتائج لا تعني أن علاجا جديدا أصبح متاحا بالفعل، إذ لا تزال الحاجة قائمة إلى إجراء دراسات إضافية للتحقق من دور هذه الخلايا والمسارات في تطور المرض، وتقييم مدى أمان وفعالية استهدافها علاجيا.
ماذا تعني النتائج للمصابين بالذئبة الحمراء؟
تعزز الدراسة الفهم العلمي للعلاقة بين الأشعة فوق البنفسجية والالتهاب لدى مرضى الذئبة الحمامية الجهازية، لكنها لا تلغي أهمية الإجراءات الوقائية المعروفة.
ويظل تجنب التعرض المفرط لأشعة الشمس، واستخدام مستحضرات الوقاية المناسبة، واتباع تعليمات الطبيب من التدابير المهمة للمصابين بحساسية الضوء المرتبطة بالذئبة.
كما ينبغي عدم تفسير نتائج الدراسة على أنها دليل على أن جميع المرضى سيصابون بالاستجابة نفسها، إذ قد تختلف الأعراض وشدة الحساسية من شخص إلى آخر.
وتوفر الخريطة الخلوية الجديدة أساسا لدراسات مستقبلية قد تساعد على تطوير علاجات تستهدف الآليات المناعية المسؤولة عن تفاقم المرض، بدلا من الاكتفاء بالتعامل مع أعراضه بعد ظهورها.