د . مهدي مبارك عبدالله
لم تعد قضية الاختراق الأمني في إيران مجرد ملف استخباري يمكن وضعه على طاولة التحقيق ثم إغلاقه ببيان رسمي عاجل لأن ما جرى خلال المواجهات السابقة كشف عن خلل أصاب واحدة من أخطر حلقات الأمن القومي الإيراني حول مدى قدرة الدولة على حماية رأس قيادتها وقياداتها العسكرية والأمنية والسياسية في زمن الحرب وهو خلل اصبح أكثر خطورة الآن مع عودة الحديث عن احتمال تجدد المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع طهران والمترافقة بتهديدات ترامب بالعودة الى المعارك من جديد .
الاعتراف الإيراني الأهم في هذا الشأن جاء من وزير الخارجية عباس عراقجي الذي تحدث بوضوح عن وجود ثغرة أمنية قال إنها لم تعالج بصورة كاملة وإنها لم تكن مجرد وسيلة للحصول على معلومات عن أماكن المسؤولين بل امتدت إلى التأثير في اتجاهات صناعة القرار داخل الدولة وهذه النقطة تحديداً هي الأخطر لأنها تعني أن المسألة لا تتعلق بجاسوس أو جهاز تنصت أو اختراق إلكتروني منفرد وإنما باحتمال وجود منظومة اختراق قادرة على جمع المعلومات وربطها وتحليلها واستثمارها في اللحظة التي تصبح فيها المعلومة جزءاً من قرار الحرب والسلم .
لعل أكثر ما يكشف حجم الكارثة أن الضربة التي بدأت في الثامن والعشرين من شباط فبراير 2026 جاءت في توقيت اجتماع كان يضم المرشد علي خامنئي وعدداً من كبار مساعديه وقادة المنظومة الأمنية والعسكرية وفق تقارير نقلت عن مصادر أميركية وإيرانية وهذا يعني أن المشكلة لم تكن في معرفة مكان مسؤول واحد وإنما في تحديد مكان اجتماع يضم في لحظة واحدة مجموعة من أهم مفاصل الدولة الإيرانية .
النتيجة كما شاهدها العالم كانت زلزالاً سياسياً وأمنياً بشكل غير مسبوق حيث قتل المرشد علي خامنئي إلى جانب علي شمخاني ومحمد باكبور وعبد الرحيم موسوي ووزير الدفاع عزيز نصير زاده وعدد من كبار القادة والمسؤولين ثم امتدت الضربات إلى شخصيات أخرى بينها أمين المجلس الأعلى للأمن القومي علي لاريجاني ووزير الاستخبارات إسماعيل خطيب وهو ما جعل الخسائر تتجاوز فكرة اغتيال شخصيات بارزة إلى استنزاف متعمد لعقول الدولة المتقدمة ومراكز اتخاذ القرار فيها .
هنا تحديداً اليوم ينبغي على طهران أن تتوقف أمام السؤال الأصعب وليس أمام الأسهل لان السؤال الأسهل هو من سرب المعلومات أما السؤال الأصعب فهو كيف استطاعت منظومة استخبارية معادية أن تجمع المعلومات البشرية والتقنية والاتصالاتية وتحديد المواقع والأنماط الشخصية والزمانية بحيث تتحول إلى قدرة على ضرب القيادة في اللحظة الأكثر حساسية .
التجارب السابقة تقول إن الوصول إلى الهدف لا يحتاج بالضرورة إلى جاسوس يجلس داخل غرفة القيادة فقد تكون المعلومة موزعة بين مصادر بشرية واعتراضات للاتصالات واختراقات إلكترونية ومراقبة للحركة وتحليل للأمن الشخصي بموازاة تحليل صور فضائية ورصد معلومات عن الاجتماعات والمواكب والأماكن التي يكرر المسؤولون استخدامها ولذلك فإن إغلاق هذه الثغرات الحقيقية لا يكون باعتقال عدد من المشتبه بهم فقط وإنما بإعادة بناء فلسفة حماية القيادة كلها على أساس أن كل معلومة صغيرة يمكن أن تتحول إلى جزء من صورة استخبارية قاتلة.
الامر الأخطر أن استمرار الثغرات بعد الحرب سيكون أخطر من اكتشافها أثناء الحرب لأن الخصم الذي عرف كيف يصل مرة يستطيع أن يحاول الوصول بالطريقة نفسها مرة ثانية مع تطوير أدواته وقد يكون الهدف في الحرب المقبلة ليس قتل القيادة وحدها وإنما إرباك سلسلة القيادة وشل الاتصالات وإرباك القرار السياسي والعسكري وإقناع الداخل الإيراني بأن الدولة عاجزة عن حماية نفسها وهذا هو المعنى الأوسع لحرب استنزاف العقول ومراكز القرار وثقة الشعب .
عمليا إيران تحتاج قبل أي مواجهة جديدة إلى مراجعة أمنية شاملة لا تقتصر على الأجهزة الأمنية التقليدية بل تشمل توزيع الصلاحيات وآليات الاتصال وسرية الاجتماعات ومراكز القيادة البديلة واستمرارية مؤسسات الدولة في حال فقدان عدد من كبار المسؤولين دفعة واحدة كما تحتاج ايضا إلى منع تركيز عدد كبير من الشخصيات الحساسة في نقطة واحدة وإعادة بناء منظومة خلافة واضحة تضمن استمرار القرار حتى في أسوأ السيناريوهات .
هناك جانب آخر لا يقل خطورة وهو ضرورة الفصل بين مكافحة التجسس وبين تحويل المجتمع كله إلى ساحة اشتباه لأن الإفراط في الاعتقالات والأحكام القاسية من دون نتائج تحقيقات واضحة قد ينتج ضجيجاً أمنياً كبيراً من دون أن يصل إلى مركز الاختراق الحقيقي وقد يتحول الأمن بذلك من وسيلة لحماية الدولة إلى عبء يستهلك مؤسساتها ويعمق الشك داخلها بينما تبقى الشبكة التي تبحث عنها الأجهزة بعيدة عن الأنظار وفي امان .
اللافت ان تزايد وتكرار التناقض في الروايات الإيرانية نفسها بشأن وجود شبكات مدربة داخل البلاد بعد ظهور تصريحات تتحدث عن وجود مجموعات تلقت تدريبات في الخارج ثم نفي مصادر أمنية أخرى بصورة قاطعة وجود أي عناصر مسلحة ومدربة دخلت البلاد هذا التناقض يستحق التحقيق لأنه يكشف قبل كل شيء أن تقدير حجم الاختراق نفسه لم يكن موحداً داخل مؤسسات الدولة الامنية والعسكرية .
استراتيجيا إيران تحتاج إلى التفكير في الردع وليس في الدفاع وحده وإذا كانت واشنطن وتل أبيب تعتقدان أن ضرب القيادة الإيرانية يمكن أن يتم من دون دفع ثمن كبير فإن ذلك قد يشجع على تكرار السيناريو السابق ولذلك فإن الرد الإيراني في حال وقوع هجوم جديد يجب أن يكون واضحاً ومدروساً وقادراً على رفع كلفة الحرب على الطرف المهاجم لا من خلال عمليات عشوائية ضد المدنيين أو أهداف غير مرتبطة بالصراع وإنما عبر رد عسكري وسياسي محسوب يستهدف القدرات والمصالح العسكرية التي تشارك مباشرة في العدوان ضمن قواعد القانون الدولي وبما يمنع تحويل إيران إلى الطرف الذي يخسر الشرعية الدولية وهي تدافع عن نفسها .
مفهوم الردع الحقيقي لا يقوم على التهديد فقط بل على قدرة الخصم على الاقتناع بأن الحرب لن تبقى داخل الأراضي الإيرانية وأن أي ضربة واسعة ستفتح سلسلة من التداعيات الإقليمية والدولية والاقتصادية والعسكرية التي لا يستطيع التحكم بمسارها وهذه المعادلة هي التي يمكن أن تجعل قرار الحرب أكثر كلفة من الاستمرار في مسار التفاوض .
السؤال الذي ينبغي أن يفرض نفسه على طهران ليس هل ستتجدد الحرب وإنما هل تستطيع أن تدخل الحرب المقبلة بالمنظومة الأمنية نفسها التي سمحت للخصم بمعرفة أين يجتمع قادتها ومتى يجتمعون وكيف يصل إليهم وإذا كانت الإجابة نعم فإن الخطر لا يكمن في احتمال سقوط قائد جديد فقط بل في امكانية تكرار عملية قطع متدرج لرأس المنظومة السياسية والعسكرية والأمنية وهو السيناريو الذي لا تستطيع أي دولة عاقلة أن تنتظر وقوعه ثم تبدأ التحقيق فيه بعد فوات الاوان .
أما إذا كانت الإجابة لا فإن على إيران أن تثبت ذلك قبل الحرب المقبلة لا خلالها وأن تحول اعتراف عراقجي بوجود الثغرة الأمنية من حديث سياسي مؤلم إلى نقطة بداية لإعادة بناء جهاز أمني قادر على حماية الدولة وقيادتها ومؤسساتها لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لطهران ليس أن تخسر معركة عسكرية وإنما أن تدخل الحرب وهي لا تعرف من أين يأتي الخطر ولا إلى أي مدى يصل داخل جدرانها .
الحقيقة الراسخة انه لا ينبغي لطهران أن تفترض أن امتلاك الصواريخ والطائرات المسيرة يكفي لمواجهة حرب حديثة فقد أثبتت التجربة أن الدولة يمكن أن تمتلك ترسانة ضخمة ثم تتعرض لضربة قاسية إذا كانت منظومة المعلومات والحماية والإنذار المبكر واتخاذ القرار مخترقة أو غير قادرة على العمل تحت الضغط خاصة وان طبيعة الحروب قد تغيرت ولذلك فإن حماية الدولة الإيرانية في الجولة المقبلة ان حدثت تبدأ قبل إطلاق الصاروخ الأول لان المعركة الحقيقية قد تكون بدأت بالفعل داخل منظومات المعلومات والاتصالات ومراكز صنع القرار وفي قدرة كل طرف على معرفة ما يفعله خصمه قبل أن يقوم به .
ختاما : أن مجموعة الثغرات الأمنية التي هددت قادة إيران في زلزال الثامن والعشرين من شباط الماضي لابد ان تبقى جرس إنذار خطير يدعو لمواجهة هذا الجنون الاستخباراتي بسياسات سيادية حاسمة ترفض التهاون التكنولوجي والبشري لان الأمن القومي للأمم لا يمكن أن يترك للمصادفة وأن من يترك أجوائه وقبابه مخترقة برمجياً ومحاطة بشبكات العمالة سيبقى مكشوفا وعارياً لذلك لابد من اعادة بناء جدران الردع السيبراني والبشري بقوة اكبر قبل أن تطال نيران الغدر الصهيو -امريكية المستعرة الكثير من القيادات الهامة والمواقع الحيوية والحساسة .
كاتب وباحث متخصص في الشؤون السياسية