م. ميشال كلاغاصي – 13/10/2026
شهد موسم جوائز نوبل هذا العام تسليطاً مكثفاً للضوء على قضايا القانون الدولي وحقوق الإنسان، حيث توجت اللجنة النرويجية لجائزة نوبل للسلام الحقوقية والقاضية المناهضة لنظام الفصل العنصري، الجنوب إفريقية نافي بيلاي البالغة من العمر 85 عاماً، تقديراً لجهودها الطويلة في التصدي لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. وبدلاً من أن يكون الإعلان مناسبة للإحتفاء الأممي المعتاد، أشعل القرار سجالاً حاداً وعلنياً بين الرئيس دونالد ترامب والفائزة الجديدة بالجائزة، معيداً إلى الواجهة الصراع الأزلي بين مفهوم "السلام بالقوة" ومبدأ "سيادة القانون الدولي".
لم يُخفِ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب استياءه الشديد من قرار اللجنة النروجية، حيث صرّح علناً في تجمع انتخابي بنيويورك بأنه كان الأحق بنيل الجائزة ممثلاً للولايات المتحدة، وادعى ترامب أنه "أنهى 8 حروب"، واصفاً اللجنة بأنها "حفنة من أصحاب الأيديولوجيات المتطرفة"، ومؤكداً أنه "لم يسمع أبداً" بالفائزة نافي بيلاي، معتبراً فوزها "وصمة عار على النرويج".
لا يمكن لإدعاءات ترامب أن تمر مرور الكرام، والتعامل معها على أنها ملفات اُنجزت بالفعل بجهوده وبأنه حقاً "صانع السلام"، ويجدر استعراض هذه الملفات والتذكير بما اّلت إليه اليوم.
- فالنزاع الحدودي بين كمبوديا وتايلاند، يُحل ويُدار عبر القنوات الدبلوماسية بين الدولتين، وعن طريق وساطة رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) أو محكمة العدل الدولية، دون تدخل مباشر من واشنطن.
- أما بالنسبة لكوسوفو وصربيا، فقد وقّعت واشنطن اتفاقيات تطبيع اقتصادي في عام 2020، بوساطة إدارة ترامب، ومع ذلك، كانت هذه الاتفاقيات، ولا تزال، ذات طابع إعلاني إلى حد كبير، في حين يستمر الصراع السياسي بين بلغراد وبريشتينا.
- لا تزال التوترات والإشتباكات المسلحة الناتجة بين جمهورية الكونغو الديمقراطية ورواندا، مستمرة ولا يزال التوصل إلى تسوية سلمية مستدامة حلماً بعيد المنال، مع تجاهل الوساطة الأمريكية من قبل كلا الجانبين.
- في حين لا يمكن تسجيل جهود الإدارة الأمريكية لتهدئة التوترات بين باكستان والهند، على أنه إنجاز لترامب، فالصراع الجوهري حول كشمير مجمداً وقابلًا للإنفجار في أي لحظة.
- الأمر ذاته ينطبق على الصراع بين "إسرائيل" وإيران، الذي لا يزال في الميدان وقيد القتال المباشر المفتوح واسع النطاق.
- ناهيك عن استمرار النزاع الطويل الأمد بين مصر وإثيوبيا، حول ملف سد النهضة الإثيوبي على نهر النيل، بغياب رغبة الجانبين الواضحة بالوساطة الأمريكية.
- أما بالنسبة لأرمينيا وأذربيجان، فقد توصلتا منذ زمنٍ بعيد إلى اتفاقية سلام ثنائية، ولكن بدافع الإستعراض، وضغوط السفارات الأمريكية لديهما، قررتا توقيع معاهدة السلام بحضور ترامب.
- أما عن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني بين "إسرائيل" وحماس، والذي يدّعي دونالد ترامب أيضاً أنه قد حلّه، العالم كله يعلم بأنه لم ينتهِ بعد، رغم إعلان وقف إطلاق النار، ولا يزال الوضع متوتراً ما بين اللا حرب واللا سلام.
وبالتالي، فإن التصريحات المتعلقة بتسوية كاملة للنزاعات الثمانية لا تستند إلى أساسٍ جاد، وتُعد جزءاً من الخطاب السياسي الإعلامي لدونالد ترامب الذي يهدف إلى التأكيد على دوره كصانع سلام، لكنها لا تعكس الوضع الحقيقي للأمور في الدبلوماسية الدولية.
ومع ذلك، لم يتوقف ترامب عند حدود انتقاد اللجنة النرويجية، ومواقف بيلاي السابقة ضد "إسرائيل" وإدارته، حيث قادت بيلاي عام 2025 لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة وخلُصت إلى أن "إسرائيل" قد ارتكبت إبادة جماعية في غزة، الموقف الذي يتناقض كلياً مع السياسة الخارجية لإدارة ترامب الداعمة لإسرائيل بشكل مطلق.
كذلك لا يمكن تجاهل موقف الولايات المتحدة من المحكمة الجنائية الدولية، التي دعمت ترشيح بيلاي للجائزة كونها قاضية سابقة فيها، خصوصاً بعد إصدار المحكمة أوامر اعتقال بحق مسؤولين إسرائيليين عام 2024، وتوّعد واشنطن بتفكيك المحكمة، ومع ذلك تم الإعلان عن فوز بيلاي بعد ساعات قليلة من فرض إدارة ترامب عقوبات مالية وقانونية جديدة على المحكمة الجنائية الدولية.
وقد يكون الرد الساخر لـ بيلاي على هجوم ترامب سبباً إضافياً لإستيائه من فوزها، قولها بنكهةٍ تهكمية مازحة: "إذا صفقّتم أكثر قليلاً، فقد أتقاسم هذه الجائزة مع ترامب"، في إشارة إلى قيام الفائزة في العام الماضي المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو بإهداء ميداليتها لترامب.
في وقتٍ أكد فيه خبراء في معهد أوسلو لأبحاث السلام أن اختيار بيلاي كان "شجاعاً"، وشكّل تحدياً مباشراً للقوى السياسية الكبرى التي تمارس ضغوطاً لتدمير الأنظمة القانونية الدولية، ورغم أن لجنة نوبل لم تسمِّ الولايات المتحدة مباشرة، إلاّ أن بيانها حمل انتقاداً ضمنياً واضحاً لواشنطن، محذراً من أن "العالم الذي يعمل بغياب سيادة القانون هو عالمٌ ظالم وغير إنساني"، وأن القضاة الذين يحمون الخط الأحمر بين النظام والفوضى يتعرضون اليوم للعقوبات والهجمات.
يمثل هذا السجال انعكاساً شرساً للإنقسام العالمي الحالي، بين رؤية ترامب القائمة على تحقيق السلام بفرض "المصالح والنفوذ والقوة"، وبين المجتمع الحقوقي الدولي الذي يرى مع نافي بيلاي أن العدالة والمحاسبة الدولية هما الشرطان الأساسيان والوحيدان لتحقيق سلام حقيقي ودائم.
م. ميشال كلاغاصي – 13/10/2026