عبد الحميد كناكري خوجة: بين صحافة الفصاحة والحصافة... وصحافة السخافة
مقالات
عبد الحميد كناكري خوجة: بين صحافة الفصاحة والحصافة... وصحافة السخافة

عبد الحميد كناكري خوجة: بين صحافة الفصاحة والحصافة... وصحافة السخافة

«من سلطةٍ رابعةٍ تحرس الحقيقة إلى سلطةٍ راكعةٍ تحرس مصالح المموّلين؛ وبين صحافة النزاهة وصحافة النزاقة، معركةُ الوعي في زمن الهيمنة وصراع الروايات.»

حين تصبح الكلمة ساحةً للصراع:

ليست الصحافة مجرّد حبرٍ على الورق، ولا صوتٍ يعبر الأثير، ولا صورةٍ تتنقّل بين الشاشات؛ إنها قوةٌ تسهم في تشكيل الوعي، وتؤثر في الرأي العام، وتشارك في رسم خرائط الإدراك السياسي للأمم. وفي عالمٍ تتشابك فيه المصالح وتتزاحم فيه الروايات، لم تعد المعركة حول امتلاك الخبر وحده، بل حول تفسيره، وإضاءة سياقه، وكشف ما يحيط به من حسابات. وهنا تتمايز الأقلام بين صحافةٍ تجعل المعرفة سبيلًا إلى الفهم، وصحافةٍ توظّف الخبر لخدمة المصالح وتوجيه العقول.

الفصاحة والحصافة: حين تخدم البلاغة الحقيقة:

الفصاحة قدرةٌ على إيصال المعنى بوضوحٍ وقوة، والحصافة بصيرةٌ تمكّن صاحبها من قراءة الأحداث وتمييز جوهر الوقائع من ضجيجها. وحين تجتمعان في الصحافة، تصبح الكلمة أداةً للفهم، ويغدو التحليل نافذةً على التوازنات السياسية والحسابات الاستراتيجية.

فالصحافة الرصينة لا تكتفي بنقل الأحداث، بل تسعى إلى تفسير أسبابها، واستجلاء مصالح الأطراف المعنية بها، وقراءة نتائجها المحتملة. ولا تُقاس قوة الخطاب بارتفاع نبرته، بل بمتانة حجته، ووضوح رؤيته، وقدرته على مخاطبة عقل المتلقي. ومن هنا تتجلى قيمة الصحافة التي تعلن موقفها بجرأة، وتعرض رؤيتها بصراحة، وتدافع عن القضايا التي تتبناها، مع احترام الوقائع وصيانة حق الجمهور في المعرفة.

النزاهة والنزاقة: حين ترتهن الكلمة للمصالح:

تبدأ أزمة الصحافة حين تتراجع وظيفتها الرقابية أمام ضغوط المصالح، فتتحول من منبرٍ يكشف النفوذ إلى واجهةٍ تبرّره، ومن عينٍ تراقب مراكز القوة إلى مرآةٍ تعكس الصورة التي يُراد للجمهور أن يراها. فالنزاهة تقتضي احترام الوقائع والتمييز بين الخبر والرأي، أما الارتهان فيظهر حين تُنتقى الأحداث وتُصاغ الروايات وفق حسابات المنفعة بدل مقتضيات المسؤولية المهنية. وهذا ما بدأت صورته تتبلور أكثر فأكثر أمام مرأى ومسمع عشرات الملايين من المتابعين حول العالم، من خلال كثير من المنابر والمنصات والمحطات الصحفية والإخبارية التي رهنت نفسها للمصالح الاستعمارية وللقطب الأحادي المهيمن، بتمويلٍ من خزائن بعض القوى الرجعية.

وقد لا تتخذ التبعية الإعلامية صورةَ أمرٍ مباشر أو رقابةٍ معلنة؛ فقد تختبئ وراء شعارات المهنية والموضوعية، بينما تكشف انتقائية التغطية وحدود الأسئلة المطروحة عن تأثير المصالح في الخطاب. وهنا يبرز الفارق بين منبرٍ يراقب أصحاب النفوذ، وآخرَ يضيّق مساحة النقد كلما اقترب السؤال من مصالحهم.

وتبدو هذه المفارقة أكثر وضوحًا في البيئات التي تتقاطع فيها الثروة والسلطة والتحالفات الدولية؛ إذ قد ترتفع شعارات السيادة فيما تتراجع مساحة مساءلة مراكز القوة، وقد تُرفع راية الحرية بينما ترسم المصالح حدود ما يُقال وما يُحجب. وليس المقصود اتهام مؤسسةٍ أو مجتمعٍ بأكمله، بل مساءلة كل ممارسةٍ إعلامية سبق الإشارة إليها تجعل استقلال الكلمة تابعًا لحسابات التمويل والنفوذ.

فليست العبرة بفخامة الاستوديوهات، ولا باتساع الانتشار، ولا ببريق الشعارات؛ إنما بقدرة السلطة الرابعة على الاحتفاظ باستقلالها المهني، وتقديم الوقائع في سياقها، ومنح الجمهور فرصةً لفهم الأحداث.

الصحافة الإيرانية ومعركة الروايات:

في هذا المشهد، تحضر الصحافة الإيرانية، بمختلف منصاتها، بوصفها طرفًا فاعلًا في التنافس الإعلامي الإقليمي والدولي، وصوتًا يعبّر عن رؤية الجمهورية الإسلامية الإيرانية تجاه قضايا السيادة والاستقلال ومقاومة الهيمنة والمشروعات الصهيوإمبريالية.

وتبرز أهمية هذا الحضور في إتاحة الرواية الإيرانية، وعرض مواقف الجمهورية الإسلامية وحججها إزاء قضايا المنطقة والعالم. فمن حق الجمهور أن يطّلع على الرؤى المختلفة، وأن يفهم منطلقاتها السياسية والاستراتيجية، بعيدًا عن الأحكام المسبقة والصور النمطية ومحاولات الإقصاء والاختزال.

إن وضوح الموقف، والجرأة في التعبير، والدفاع عن قضايا السيادة والاستقلال، عناصر تمنح الخطاب الإعلامي حضورًا في معركة تشكيل الوعي. ومن هذا المنطلق، فإن تقدير الصحافة الإيرانية ينطلق من الاعتراف بحقها في عرض رؤيتها والدفاع عن القضايا التي تتبناها، والمشاركة في مشهدٍ إعلامي متعدد الروايات، لا تحتكر فيه جهةٌ واحدة تفسير الأحداث أو تحديد ما يستحق أن يُسمع.

كما أن فهم التجربة الإعلامية الإيرانية يقتضي قراءتها في سياقها السياسي والاستراتيجي، والإنصات إلى مواقفها المعلنة، والتعامل معها بإنصافٍ يرفض التشويه المسبق كما يرفض الإقصاء.

الكلمة بين الكرامة والتبعية:

تستعيد الفصاحة معناها الأسمى حين تصبح بيانًا يضيء العقول، وتستعيد الحصافة جوهرها حين تزن الأحداث بميزان العقل. وتبقى النزاهة أساس الثقة بالكلمة، فيما يفقد الخطاب قيمته، أو يصبح المنبر أداةً لتوجيه الوعي بدل تنويره.

وبين صحافةٍ تجعل الحقيقة غايتها، وصحافةٍ ترتهن لمراكز نفوذ الهيمنة الدولية، تتحدد معالم معركة الوعي في زمن التضليل وصراع الروايات. وتظل الصحافة الإيرانية، بما تعرضه من رؤية الجمهورية الإسلامية ومواقفها، جزءًا من هذا المشهد الذي يستحق أن يُقرأ بإنصاف، وأن يُناقش على أساس المعرفة والحجج والوقائع.

وهكذا، تلتزم صحافة بلاد فارس، بجرأة خطابها وصراحة موقفها، صوتًا حاضرًا في التعبير عن رؤية وطنٍ يعتز بكرامته، ويستمد من تلاحم شعبه ومؤسساته الوطنية عناصر قوته وصموده؛ فتغدو الكلمة جسرًا بين الوعي والانتماء، وتبقى شجاعة الموقف وصدق التعبير والسعي إلى الحقيقة عناوين لرسالةٍ إعلامية تستمد قيمتها من قضايا شعبها، وتزداد رسوخًا بقدر ما تسهم في إضاءة الوعي وصون الكرامة.

كاتب سوري حر في الغربة. 

«من سلطةٍ رابعةٍ تحرس الحقيقة إلى سلطةٍ راكعةٍ تحرس مصالح المموّلين؛ وبين صحافة النزاهة وصحافة النزاقة، معركةُ الوعي في زمن الهيمنة وصراع الروايات.»

حين تصبح الكلمة ساحةً للصراع:

ليست الصحافة مجرّد حبرٍ على الورق، ولا صوتٍ يعبر الأثير، ولا صورةٍ تتنقّل بين الشاشات؛ إنها قوةٌ تسهم في تشكيل الوعي، وتؤثر في الرأي العام، وتشارك في رسم خرائط الإدراك السياسي للأمم. وفي عالمٍ تتشابك فيه المصالح وتتزاحم فيه الروايات، لم تعد المعركة حول امتلاك الخبر وحده، بل حول تفسيره، وإضاءة سياقه، وكشف ما يحيط به من حسابات. وهنا تتمايز الأقلام بين صحافةٍ تجعل المعرفة سبيلًا إلى الفهم، وصحافةٍ توظّف الخبر لخدمة المصالح وتوجيه العقول.

الفصاحة والحصافة: حين تخدم البلاغة الحقيقة:

الفصاحة قدرةٌ على إيصال المعنى بوضوحٍ وقوة، والحصافة بصيرةٌ تمكّن صاحبها من قراءة الأحداث وتمييز جوهر الوقائع من ضجيجها. وحين تجتمعان في الصحافة، تصبح الكلمة أداةً للفهم، ويغدو التحليل نافذةً على التوازنات السياسية والحسابات الاستراتيجية.

فالصحافة الرصينة لا تكتفي بنقل الأحداث، بل تسعى إلى تفسير أسبابها، واستجلاء مصالح الأطراف المعنية بها، وقراءة نتائجها المحتملة. ولا تُقاس قوة الخطاب بارتفاع نبرته، بل بمتانة حجته، ووضوح رؤيته، وقدرته على مخاطبة عقل المتلقي. ومن هنا تتجلى قيمة الصحافة التي تعلن موقفها بجرأة، وتعرض رؤيتها بصراحة، وتدافع عن القضايا التي تتبناها، مع احترام الوقائع وصيانة حق الجمهور في المعرفة.

النزاهة والنزاقة: حين ترتهن الكلمة للمصالح:

تبدأ أزمة الصحافة حين تتراجع وظيفتها الرقابية أمام ضغوط المصالح، فتتحول من منبرٍ يكشف النفوذ إلى واجهةٍ تبرّره، ومن عينٍ تراقب مراكز القوة إلى مرآةٍ تعكس الصورة التي يُراد للجمهور أن يراها. فالنزاهة تقتضي احترام الوقائع والتمييز بين الخبر والرأي، أما الارتهان فيظهر حين تُنتقى الأحداث وتُصاغ الروايات وفق حسابات المنفعة بدل مقتضيات المسؤولية المهنية. وهذا ما بدأت صورته تتبلور أكثر فأكثر أمام مرأى ومسمع عشرات الملايين من المتابعين حول العالم، من خلال كثير من المنابر والمنصات والمحطات الصحفية والإخبارية التي رهنت نفسها للمصالح الاستعمارية وللقطب الأحادي المهيمن، بتمويلٍ من خزائن بعض القوى الرجعية.

وقد لا تتخذ التبعية الإعلامية صورةَ أمرٍ مباشر أو رقابةٍ معلنة؛ فقد تختبئ وراء شعارات المهنية والموضوعية، بينما تكشف انتقائية التغطية وحدود الأسئلة المطروحة عن تأثير المصالح في الخطاب. وهنا يبرز الفارق بين منبرٍ يراقب أصحاب النفوذ، وآخرَ يضيّق مساحة النقد كلما اقترب السؤال من مصالحهم.

وتبدو هذه المفارقة أكثر وضوحًا في البيئات التي تتقاطع فيها الثروة والسلطة والتحالفات الدولية؛ إذ قد ترتفع شعارات السيادة فيما تتراجع مساحة مساءلة مراكز القوة، وقد تُرفع راية الحرية بينما ترسم المصالح حدود ما يُقال وما يُحجب. وليس المقصود اتهام مؤسسةٍ أو مجتمعٍ بأكمله، بل مساءلة كل ممارسةٍ إعلامية سبق الإشارة إليها تجعل استقلال الكلمة تابعًا لحسابات التمويل والنفوذ.

فليست العبرة بفخامة الاستوديوهات، ولا باتساع الانتشار، ولا ببريق الشعارات؛ إنما بقدرة السلطة الرابعة على الاحتفاظ باستقلالها المهني، وتقديم الوقائع في سياقها، ومنح الجمهور فرصةً لفهم الأحداث.

الصحافة الإيرانية ومعركة الروايات:

في هذا المشهد، تحضر الصحافة الإيرانية، بمختلف منصاتها، بوصفها طرفًا فاعلًا في التنافس الإعلامي الإقليمي والدولي، وصوتًا يعبّر عن رؤية الجمهورية الإسلامية الإيرانية تجاه قضايا السيادة والاستقلال ومقاومة الهيمنة والمشروعات الصهيوإمبريالية.

وتبرز أهمية هذا الحضور في إتاحة الرواية الإيرانية، وعرض مواقف الجمهورية الإسلامية وحججها إزاء قضايا المنطقة والعالم. فمن حق الجمهور أن يطّلع على الرؤى المختلفة، وأن يفهم منطلقاتها السياسية والاستراتيجية، بعيدًا عن الأحكام المسبقة والصور النمطية ومحاولات الإقصاء والاختزال.

إن وضوح الموقف، والجرأة في التعبير، والدفاع عن قضايا السيادة والاستقلال، عناصر تمنح الخطاب الإعلامي حضورًا في معركة تشكيل الوعي. ومن هذا المنطلق، فإن تقدير الصحافة الإيرانية ينطلق من الاعتراف بحقها في عرض رؤيتها والدفاع عن القضايا التي تتبناها، والمشاركة في مشهدٍ إعلامي متعدد الروايات، لا تحتكر فيه جهةٌ واحدة تفسير الأحداث أو تحديد ما يستحق أن يُسمع.

كما أن فهم التجربة الإعلامية الإيرانية يقتضي قراءتها في سياقها السياسي والاستراتيجي، والإنصات إلى مواقفها المعلنة، والتعامل معها بإنصافٍ يرفض التشويه المسبق كما يرفض الإقصاء.

الكلمة بين الكرامة والتبعية:

تستعيد الفصاحة معناها الأسمى حين تصبح بيانًا يضيء العقول، وتستعيد الحصافة جوهرها حين تزن الأحداث بميزان العقل. وتبقى النزاهة أساس الثقة بالكلمة، فيما يفقد الخطاب قيمته، أو يصبح المنبر أداةً لتوجيه الوعي بدل تنويره.

وبين صحافةٍ تجعل الحقيقة غايتها، وصحافةٍ ترتهن لمراكز نفوذ الهيمنة الدولية، تتحدد معالم معركة الوعي في زمن التضليل وصراع الروايات. وتظل الصحافة الإيرانية، بما تعرضه من رؤية الجمهورية الإسلامية ومواقفها، جزءًا من هذا المشهد الذي يستحق أن يُقرأ بإنصاف، وأن يُناقش على أساس المعرفة والحجج والوقائع.

وهكذا، تلتزم صحافة بلاد فارس، بجرأة خطابها وصراحة موقفها، صوتًا حاضرًا في التعبير عن رؤية وطنٍ يعتز بكرامته، ويستمد من تلاحم شعبه ومؤسساته الوطنية عناصر قوته وصموده؛ فتغدو الكلمة جسرًا بين الوعي والانتماء، وتبقى شجاعة الموقف وصدق التعبير والسعي إلى الحقيقة عناوين لرسالةٍ إعلامية تستمد قيمتها من قضايا شعبها، وتزداد رسوخًا بقدر ما تسهم في إضاءة الوعي وصون الكرامة.

كاتب سوري حر في الغربة.