لم يعد الهدر في الدولة اللبنانية مجرّد نتيجة لفساد إداري أو عجز مؤسساتي، بل بات، في كثير من مفاصله، أشبه بمنظومة قائمة بذاتها، تتغذّى من المال العام وتتمدد تحت أعين الجهات المكلّفة بحمايته. وما كشفه ديوان المحاسبة في تقريره الرقم 5/2026 بشأن الإنترنت غير الشرعي ليس تفصيلاً مالياً عابراً، بل فضيحة مؤسساتية مكتملة العناصر، تضع وزارة الاتصالات وهيئة أوجيرو والهيئة الناظمة للاتصالات أمام مسؤوليات جسيمة. أكثر من مليون و73 ألف مشترك خارج الشبكة الشرعية، مقابل نحو 120 ألفاً فقط مصرّح عنهم، أي إن قرابة 90% من المشتركين المقدّرين يعملون خارج المنظومة الرسمية، فيما تُحرم الخزينة من نحو 128.8 مليون دولار سنوياً. والمفارقة الأكثر استفزازاً أن هذه الأموال لا تحتاج إلى تشريعات استثنائية لاستعادتها، بل إلى تطبيق قوانين موجودة أصلاً، ما يطرح سؤالاً بالغ الخطورة: هل نحن أمام دولة عاجزة عن حماية إيراداتها، أم أمام عجز تحوّل، بفعل الإهمال والتراخي، إلى مظلّة يستفيد منها المخالفون؟
الأشد فداحة أن التقرير لا يكتفي بتشريح الخسارة المالية، بل يكشف ما يشبه الشلل التنفيذي المتعمّد في نتائجه، وإن لم يثبت تعمّد المسؤولين عنه. خمسون أمر عمل صدرت لربط الشبكات المخالفة بالشبكة الرسمية، بقي منها 48 بلا تنفيذ، فيما نُفّذ الأمران الآخران بصورة جزئية ومنقوصة. وأكثر من 140 طلباً من أصل 286 ظلّت معلّقة، بينما اقتصرت أولى إجراءات الهيئة الناظمة الفعلية على إنذار يطال 3.3% فقط من المشتركين غير الشرعيين المقدّرين. أما وزارة الاتصالات، التي يفترض أن تكون رأس الحربة في حماية القطاع، فقد غرقت، وفق توصيف الديوان، في دوّامة التعاميم والإحالات والإجراءات التي لم تنتج معالجة فعلية، فيما تحوّلت الحلول المؤقتة، ولا سيما الخطوط التأجيرية، إلى منافذ تتيح استمرار الشبكات المخالفة وتوسّعها. هنا تتجاوز المسألة حدود التقصير الإداري إلى شبهة تعطيل مؤسساتي يستوجب المساءلة، حيث تتوزّع الصلاحيات وتتبادل الجهات المسؤولية، بينما تبقى الأرباح خارج الخزينة والخسائر في عهدة اللبنانيين.
ولا تقف الفضيحة عند الشبكات غير المرخّصة، بل تمتد إلى قلب منظومة الفوترة والتحصيل والرقابة المالية. فمن أصل 97 شركة شملها التدقيق، ظهرت 60 شركة تحت تصنيف «NO INVOICES»، أي من دون فواتير موثّقة في البيانات المقدّمة، بينها شركات متصلة أصلاً بالشبكة الرسمية. وتبرز حالة شركة SODETEL مع أكثر من 14 ألف مشترك مسجّل من دون فاتورة محدّدة مقابلة، إلى جانب تفاوتات مالية تستدعي التحقيق، بينها فاتورة لشركة IDM بنحو 26.5 مليون دولار، وتساؤلات حول فواتير MASCO GROUP وغياب بيانات فوترة بعض شركات نقل المعلومات. وهذه الوقائع، وإن كانت لا تشكّل بذاتها إثباتاً للاختلاس أو التهرّب، فإنها تكشف مستوى مقلقاً من الاختلال الرقابي، وتستدعي تدقيقاً مالياً وقضائياً مستقلاً. فكيف لدولة تتشدّق بالإصلاح والحوكمة والشفافية أن تعجز عن امتلاك منظومة فوترة موحّدة وموثوقة لقطاع يدرّ ملايين الدولارات؟ وكيف يُطلب من المواطن الالتزام بأعباء الدولة، بينما تعجز مؤسساتها عن تحصيل حقوقها من شبكات وشركات تعمل تحت رقابتها؟
إن أخطر ما في هذه القضية ليس حجم الأموال المهدورة فحسب، بل ما تكشفه عن فلسفة إدارة الدولة اللبنانية، حيث تتحوّل المخالفة الممتدة سنوات إلى واقع مفروض، ويصبح تطبيق القانون استثناءً يحتاج إلى قرار سياسي، فيما تتراجع المحاسبة أمام تشابك المصالح وتنازع الصلاحيات. وإذا كانت الخزينة تخسر نحو 129 مليون دولار سنوياً، فإن السؤال لا ينحصر بما يُهدر اليوم، بل يمتد إلى مئات ملايين الدولارات التي يُحتمل أنها ضاعت خلال السنوات الماضية، وإلى المسؤولية عن عدم استردادها. من هنا، لم تعد المعالجة تحتمل المزيد من اللجان والتعاميم والوعود، بل تستوجب تحقيقاً قضائياً ومالياً شاملاً، وتحديد المسؤوليات الإدارية والتنفيذية، واسترداد الرسوم المستحقة قانوناً، وضبط الشبكات المخالفة. فالدولة التي تطارد المواطن في فاتورة صغيرة، ثم تقف عاجزة أمام نزيف مالي بهذا الحجم، لا تعاني أزمة موارد بقدر ما تعاني أزمة سلطة ورقابة ومحاسبة. والأخطر من سرقة المال العام أن يصبح ضياعه أمراً مألوفاً، وأن تتحوّل المؤسسات المكلّفة بحمايته إلى شهود دائمين على تبخّره.
عباس المعلم