لبنان والسيادة المفقودة: من ضهر البيدر إلى القرى الجنوبية المستباحة
مقالات
لبنان والسيادة المفقودة: من ضهر البيدر إلى القرى الجنوبية المستباحة
موسى عباس
20 تشرين الأول 2026 , 22:37 م

كتب: موسى عبّاس

لم يعد المشهد اللبناني بحاجة إلى مواربة. فمن يقرأ ما تسربه كبريات الصحف الأمريكية والأوروبية اليوم، من "نيويورك تايمز" و"وول ستريت جورنال" إلى منصة "أكسيوس"، يدرك حجم الضغط السياسي والأمني الذي تمارسه واشنطن على بيروت. لكن المشكلة ليست في الإملاءات الخارجية وحدها، بل في تراجع الطبقة السياسية الرسمية التي قبلت بدور المتلقي المنفذ. وهذه الطبقة تنسى حقيقة ثابتة: السيادة لا تستعاد بالرضوخ للشروط، بل بالتمسك بخيارات الردع التي تحمي الحقوق.

أولاً: الاتفاقيات المُذِلّة وانتهاكات القانون الدولي الإنساني

هنا يظهر العجز الرسمي بوضوح عند قراءة ما يسمى "اتفاق الإطار" والترتيبات الأمنية التي رعتها واشنطن وسَوّق لها الحكم اللبناني كإنجاز. صحيفة "نيويورك تايمز" (The New York Times) صدمت الرأي العام بتحقيق استقصائي مدعوم بصور الأقمار الصناعية والخرائط الجوية، يوثق محو 48 قرية وبلدة جنوبية. وجاء في التحقيق نصاً:

«إن عمليات الهدم والتجريف الممنهجة قد طالت معالم بلدات كاملة، وأسفرت عن تدمير وتسوية ما لا يقل عن 48 قرية وبلدة جنوبية بالأرض».

هذا التدمير الممنهج، وتجريف آلاف الهكتارات، واقتلاع أشجار الزيتون المعمرة، ونهب الممتلكات وسرقتها، هو انتهاك صريح للمادة 53 من اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 التي تحظر على قوة الاحتلال تدمير الممتلكات الخاصة والعامة، وهو جريمة حرب وفق المادة 8 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية. والأخطر أن هذا لم يحدث في ذروة القتال ، بل تحت مظلة "إتفاق الإطار" وبغطاء أمريكي. استغل الكيان الاتفاق ليفرض حزاماً عازلاً بسياسة الأرض المحروقة، بينما وقفت السلطة اللبنانية عاجزة حتى عن تفعيل الأدوات الحقوقية أو رفع شكوى لمجلس الأمن، فقد تعهدت ضمن الإتفاق بعدم تقديم أي شكاوى خشية توتر علاقتها بواشنطن وهذه سابقة لم تحدث بين الدول .

ثانياً: الابتزاز الاقتصادي ومخاطر الارتهان المالي

هذا الارتهان لم يبق سياسياً، بل طال الاقتصاد ومس بحقوق الناس الأساسية. الرهان الرسمي على وعود واشنطن بإنعاش الاقتصاد أو تسهيل القروض، كالحديث المضلل عن عودة الرحلات المباشرة إلى بيروت الذي اصطدم فوراً بعراقيل "التراخيص الفنية" حسب ادعاءاتهم، ليس إلا أداة ضغط لابتزاز الدولة وانتزاع تنازلات سيادية.

الخضوع للضغط المالي والخوف من العقوبات لم يحم شبراً من الأرض. ولم يمنع جرافات الاحتلال من تدمير البيئة الزراعية والاقتصادية للجنوب، وهي شريان الحياة لآلاف العائلات. التجربة أثبتت أن الامتثال للإملاءات لا يجلب استقراراً، بل يرسخ التبعية ويفقر المجتمع ويجرده من كرامته السيادية.

ثالثاً: حتمية المقاومة وعجز مؤسسات الدفاع الرسمية

من هذا القصور البنيوي ولدت المقاومة كخيار شعبي حتمي. فمنذ قيام الدولة اللبنانية في منتصف القرن الماضي، تعرض الجيش لسياسة حرمان ممنهجة من المحاور الدولية والقرارات الداخلية. حُرم الجيش تاريخياً من منظومات دفاع جوي متطورة ومن طائرات مقاتلة ومن أسلحة ثقيلة رادعة قادرة على حماية الأجواء والحدود، بذريعة مراعاة التوازنات الإقليمية وتحييد خيار المواجهة، وما هو إلّا انصياعاً لأوامر واشنطن وتل أبيب.

هذا التجريد المتعاقب جعل الدولة عاجزة بنيوياً عن ممارسة حقها في الدفاع الشرعي عن النفس المنصوص عليه في المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة. وأمام هذا الفراغ الممتد لعقود، كان طبيعياً أن يمارس الشعب حقه في المقاومة الوطنية لحماية أرضه. فالقانون الدولي يعطي الشعوب تحت الاحتلال حق استخدام كل الوسائل المشروعة لنيل استقلالها. المقاومة لم تكن ترفاً سياسياً، بل خيار وجودي فرضه غياب الغطاء الدفاعي للدولة. وهي التي تصدت لمحاولات التهويل السياسي، كما ظهر في ملف ضبط الشحنة على حاجز ضهر البيدر، حيث سارعت أطراف رسمية لتضخيم الحادثة استجابة لرسائل وضغوط وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، بينما تمسكت القوى الوطنية بثوابت الردع.

رابعاً: الدبلوماسية اللبنانية في القراءة التحريرية الغربية

ضعف الأداء الدبلوماسي لم يعد تقييماً داخلياً، بل أصبح مادة تحليل في الصحافة الغربية. فقد بات معتاداً أن يكتب محللون في منصات دولية بتهكم عن إدارة الحكم اللبناني للملفات. أشارت مجلة "الإيكونوميست" (The Economist) في إحدى تغطياتها إلى أن:

«الطبقة السياسية في بيروت تبدو مكبلة بالإملاءات الخارجية، منتظرة ما ستحمله الاتصالات الدبلوماسية الغربية لتحديد خطوتها التالية»

بينما وصفت صحيفة "لوموند" (Le Monde) الفرنسية سلوك الدبلوماسية اللبنانية بأنه:

«إدارة الأزمات عبر الاستجابة المباشرة لضغوط العواصم الفاعلة دون امتلاك هامش للمناورة أو المبادرة الذاتية».

هكذا أصبحت الدبلوماسية الرسمية في نظر الصحافة الغربية نموذجاً لضعف مؤسسات الدولة التي تبحث عن الرضا في عواصم القرار وتكتفي بالحلول المجتزأة، بينما تدمر بلداتها وتنهب ثرواتها علناً.

خامساً: التزام الاغتراب في أوروبا والمحافل الدولية

هنا يتضاعف دور الساحات الخارجية. على الجاليات اللبنانية والعربية والنخب الفكرية والحقوقية في العواصم الأوروبية واجب وطني وأخلاقي.

المطلوب اليوم هو تفعيل الخطاب الحقوقي والإعلامي الاغترابي، وتنظيم الندوات والمؤتمرات، وتوثيق الانتهاكات المتعلقة بتجريف الأراضي وسرقة الممتلكات والتراث الزراعي ونشرها باللغات الحية اعتماداً على المواثيق الدولية والتقارير الحقوقية. هذا النشاط هو أداة تكاملية لتجاوز التقصير الرسمي وفرض الحقائق الميدانية على مراكز القرار الأوروبية التي تحاول التغطية على ممارسات الاحتلال.

سادساً: دروس التاريخ ورهان التحولات

على واشنطن وقوى الاحتلال أن تتعلم من التاريخ قبل المراهنة على كسر إرادة الشعوب. الشواهد تؤكد أن الهيمنة العسكرية والضغط الدبلوماسي فشلا أمام الشعوب المتمسكة بأرضها، من فيتنام إلى أفغانستان والعراق. وتجربة لبنان منذ دحر الاحتلال عام 2000 وما تلاها من محطات الصمود لا تزال دليلاً على حدود القوة العسكرية وتراجع الرهانات الخارجية.

المراهنة على إنهاء المقاومة بالضغط الاقتصادي والدبلوماسي أو بتجريف الأراضي وهدم القرى هي مراهنة غير واقعية. الأرض التي ارتبط بها الفلاحون ودُفعت من أجلها التضحيات لن تكون موضوع مساومة في الصفقات السياسية، وستبقى خيارات الصمود الميداني والحقوقي هي الضمانة للحفاظ على الكرامة الوطنية واستعادة كامل الحقوق السيادية.