أظهر باحثون من جامعة بريستول البريطانية أن العضيات الدماغية البشرية ، وهي تجمعات صغيرة من الخلايا تنمو في المختبر وتحاكي بعض خصائص الدماغ، يمكنها استقبال إشارات كهربائية تمثل حروف لغة برايل ونقل استجابات عصبية يمكن تحليلها للتعرف على الحروف.
وتمكنت ثلاث عضيات دماغية تعمل معا من إنتاج إشارات تطابق الحرف الصحيح في 83% من الحالات. ونشرت الدراسة في مجلة Frontiers in Artificial Intelligence العلمية.
ويمثل هذا العمل خطوة أولية نحو تطوير حواسيب هجينة حيوية تعتمد على الخلايا الحية إلى جانب الأنظمة الإلكترونية، بهدف معالجة المعلومات بكفاءة أعلى في استهلاك الطاقة.
أدمغة مصغرة لمحاكاة قدرات الدماغ
يعد الدماغ البشري أحد أكثر أنظمة معالجة المعلومات كفاءة في استهلاك الطاقة. ولهذا السبب، يحاول العلماء الاستفادة من بعض خصائصه في تطوير تقنيات حوسبة جديدة تعتمد على الخلايا العصبية الحية.
وفي هذه الدراسة، استخدم الباحثون عضيات مشتقة من خلايا بشرية، ونمت في المختبر لمحاكاة بعض خصائص الدماغ الأمامي، وهو أكبر أجزاء الدماغ البشري وأكثرها تطورا.
ويؤدي الدماغ الأمامي دورا أساسيا في وظائف متعددة، تشمل التفكير والذاكرة والوعي والعواطف والإدراك الحسي والكلام والتحكم في الحركات الإرادية.
ولا تمثل هذه العضيات أدمغة بشرية كاملة، بل نماذج خلوية مبسطة تتيح للعلماء دراسة النشاط العصبي واختبار إمكان استخدامه في معالجة المعلومات.
وكان الهدف الأول للباحثين معرفة ما إذا كانت هذه العضيات قادرة على استقبال الإشارات بصورة موثوقة وإنتاج استجابات عصبية يمكن تحليلها.
وبلغ قطر العضيات المستخدمة في التجارب أقل من مليمتر واحد، وكانت تفتقر إلى عدد من البنى الموجودة في الدماغ الحقيقي، لكنها احتوت على نحو 10 آلاف خلية عصبية، إلى جانب خلايا مساندة.
ووضع الباحثون العضيات على مصفوفات من الأقطاب الكهربائية داخل نظام يحافظ على حياة الخلايا ويراقب استجابتها للإشارات.
كيف تعرفت العضيات على حروف برايل؟
بدأت التجربة باستخدام مستشعر لمسي قرأ البيانات المرتبطة بالحروف الـ26 في الأبجدية الإنجليزية بطريقة برايل، وهي نظام للقراءة والكتابة يعتمد على أنماط من النقاط البارزة التي يمكن تمييزها باللمس.
وبعد ذلك، حوّل الباحثون بيانات الحروف إلى أنماط من التحفيز الكهربائي، ثم أرسلوها إلى العضيات الدماغية.
وراقب الفريق النشاط العصبي الناتج، بهدف تحديد ما إذا كان من الممكن معرفة الإشارة التي تلقتها العضية اعتمادا على نمط استجابتها.
ولتحليل النتائج، استخدم الباحثون خوارزمية بسيطة من خوارزميات التعلم الآلي، تعرف باسم «آلة متجهات الدعم» (Support Vector Machine)، وهي طريقة حسابية تساعد على تصنيف البيانات إلى فئات محددة.
وفي هذه الحالة، استُخدمت الخوارزمية لتحليل أنماط النشاط العصبي وتحديد الحرف الذي تمثله الإشارة الكهربائية التي تلقتها العضيات.
ثلاث عضيات حققت نتيجة أفضل من واحدة
أظهرت التجارب أن استخدام ثلاث عضيات دماغية معا أدى إلى تحسن ملحوظ في دقة التعرف على الحروف مقارنة باستخدام عضية واحدة.
فقد تمكن النظام الذي يعتمد على عضية واحدة من تحديد الحرف الصحيح في نحو 61% من الحالات، بينما ارتفعت الدقة إلى 83% عند استخدام ثلاث عضيات معا.
ولا يزال السبب الدقيق وراء هذا التحسن غير واضح، لكن الباحثين يعتقدون أن الاختلافات الفردية بين العضيات قد تؤدي دورا مهما.
فقد تختلف العضيات قليلا في الروابط بين خلاياها العصبية وفي حالتها الوظيفية، ما يجعل الإشارة نفسها تنتج استجابات متشابهة ولكن غير متطابقة تماما.
وقد تكمل هذه الاستجابات بعضها بعضا عند تحليلها مجتمعة، ما يساعد على تحسين قدرة النظام على التمييز بين الحروف.
لكن هذه الاختلافات تمثل تحديا أيضا، إذ قد تجعل إنشاء نظام موحد يمكن التنبؤ باستجاباته وتكرارها أكثر صعوبة.
مقاومة التشويش في الإشارات
اختبر الباحثون أيضا قدرة النظام على التعامل مع الإشارات المشوشة، وذلك من خلال إضافة ضوضاء إلى البيانات المستخدمة في التجارب.
وأظهرت النتائج أن فك رموز الإشارات اعتمادا على استجابات العضيات كان أكثر قدرة على تحمل التشويش مقارنة بمحاولة التعرف مباشرة على الإشارات المشوشة نفسها.
وتشير هذه النتيجة إلى أن النشاط العصبي للعضيات قد يوفر خصائص مفيدة عند معالجة المعلومات في ظروف لا تكون فيها الإشارات واضحة تماما.
ومع ذلك، لا تعني هذه النتيجة أن العضيات تعلمت قراءة برايل أو اكتسبت فهما للغة. فقد اقتصر دورها في التجربة على استقبال أنماط التحفيز الكهربائي وإنتاج استجابات عصبية جرى تحليلها باستخدام خوارزمية حاسوبية.
هل تستطيع الأدمغة المصغرة التعلم؟
لم تثبت التجارب أن العضيات الدماغية اكتسبت القدرة على التعلم من خلال هذه العملية، بل أظهرت فقط إمكانية استقبال الإشارات والاستجابة لها بطريقة تسمح للنظام الحاسوبي بتصنيفها.
ويؤكد هذا التمييز أهمية عدم الخلط بين قدرة الخلايا العصبية على إنتاج أنماط نشاط يمكن تحليلها، وبين التعلم الفعلي أو فهم المعلومات.
وتتمثل الخطوة التالية التي يخطط الباحثون لاستكشافها في الانتقال من الأنماط البسيطة لحروف برايل إلى التعامل مع خصائص حسية أكثر تعقيدا، مثل الملمس والحواف، إضافة إلى اختبار دور التغذية الراجعة في تحسين أداء النظام.
وقد يساعد ذلك على فهم ما إذا كان من الممكن تطوير أنظمة حيوية قادرة على معالجة أنواع أوسع من المعلومات الحسية، بدلا من الاقتصار على الاستجابة لأنماط كهربائية محددة.
نحو حواسيب هجينة تعتمد على الخلايا الحية
تندرج هذه الدراسة ضمن مجال الحوسبة الحيوية، الذي يبحث في إمكانية استخدام الأنظمة البيولوجية، بما فيها الخلايا العصبية، لتنفيذ بعض مهام معالجة المعلومات.
ويستند هذا التوجه إلى الكفاءة العالية التي يتمتع بها الدماغ البشري في استهلاك الطاقة، مقارنة بالاحتياجات المتزايدة لبعض أنظمة الحوسبة التقليدية.
ويمكن أن تجمع الحواسيب الهجينة الحيوية مستقبلا بين الخلايا الحية والمكونات الإلكترونية، بحيث تتولى الخلايا معالجة أنواع معينة من الإشارات، بينما تنفذ الأنظمة الرقمية مهام التحليل والتحكم.
لكن تحويل هذه التجارب إلى أجهزة عملية لا يزال يتطلب حل تحديات كبيرة، منها ضمان استقرار الخلايا لفترات طويلة، والتحكم في اختلاف استجاباتها، وتوحيد أداء الأنظمة، وتطوير وسائل موثوقة للربط بين النشاط العصبي والمكونات الإلكترونية.
وتقدم نتائج الدراسة دليلا أوليا على إمكانية استخدام العضيات الدماغية في استقبال الإشارات وتصنيفها، لكنها لا تعني أن العلماء طوروا دماغا مصغرا قادرا على القراءة والفهم بصورة مستقلة.
ومع استمرار الأبحاث، قد تسهم هذه التقنية في تطوير أشكال جديدة من الحوسبة الحيوية، مع بقاء كفاءتها العملية وقدرتها على التوسع بحاجة إلى مزيد من الاختبارات.