أولاً | تحرير العقل من أسر الخطر المتوقّع: يعيش أهالي جنوب لبنان حالة نفسية تتجاوز القلق الاعتيادي إلى ما يُعرف علمياً بـالقلق الاستباقي وفرط اليقظة التهديدية، حيث يستنزف الدماغ طاقته في الاستعداد لكارثة لم تقع بعد، ويتحوّل الجهاز العصبي إلى منظومة إنذار دائمة، فيختلط الخطر الفعلي باحتمالات وقوعه. تبدأ المعالجة الفردية من إعادة التقييم المعرفي، أي تدريب العقل على الفصل بين الوقائع والتوقعات الكارثية، وإدراك أن احتمال الحرب لا يعني حتميتها. ومن الضروري ضبط استهلاك الأخبار، وتحديد أوقات لمتابعتها من مصادر موثوقة، لأن الوعي بالمخاطر ضرورة، أما الاستغراق في ترقّبها فاستنزاف نفسي لا يوفر حماية إضافية.
ثانياً | استعادة السيادة النفسية على الجسد والمشاعر: يؤدي الترقّب الطويل إلى حالة من الاستثارة العصبية المزمنة، تتجلّى في اضطراب النوم، وتسارع النبض، وتشتّت التركيز، والمبالغة في الاستجابة للأصوات والأخبار المفاجئة. وهنا تبرز أهمية التنظيم الانفعالي والمرونة النفسية، عبر التنفّس البطيء، والمشي، وانتظام النوم، والتواصل الاجتماعي، وممارسة الأنشطة اليومية، وتمارين إعادة الانتباه إلى اللحظة الراهنة. فالهدف ليس إنكار الخوف أو قمعه، بل منع تحوّله إلى سلطة تتحكّم بالسلوك والتفكير. وليس المطلوب من الجنوبي أن يصبح منزوع الخوف، بل أن يستعيد قدرته على العيش رغم وجود أسباب واقعية للخوف، وألّا يسمح للتهديد الخارجي بأن يتحوّل إلى احتلال دائم لداخله النفسي.
ثالثاً | تحويل العجز النفسي إلى قدرة على التكيّف: من أخطر تداعيات انتظار الحرب نشوء ما يُعرف بـالعجز المتعلَّم، حين يترسّخ الشعور بأن المصير معلّق بأحداث لا قدرة للفرد على تغييرها، فتتراجع ثقته بنفسه وقدرته على المواجهة. ويبدأ تجاوز هذه الحالة باستعادة الكفاءة الذاتية المُدرَكة، عبر التركيز على ما يمكن التحكّم به: إعداد خطة سلامة عائلية، وتأمين الضروريات، وتنظيم الحياة اليومية، وتعزيز الروابط الإنسانية، وعدم تعليق تفاصيل الحياة كلها على احتمالات الحرب. أما القلق الذي يعطّل النوم والحياة اليومية بصورة مستمرة، فيستدعي دعماً نفسياً متخصصاً. فالغاية ليست صناعة طمأنينة وهمية وسط خطر حقيقي، بل بناء اتزان نفسي واعٍ يجمع بين الحذر والقدرة على الاستمرار؛ لأن أقسى ما يفعله انتظار الحرب أن يسلب الإنسان سلامه الداخلي قبل أن تسلبه الحرب سلامه الخارجي، فيعيش المأساة مرتين: مرةً في احتمالات عقله، وأخرى إن وقعت في الواقع.
عباس المعلم - كاتب سياسي