عَبْدُ الْحَمِيدِ كَنَاكْرِي خُوجَة: قَذَائِفُ بَيَانِيَّةٌ، وَصَوَاعِقُ بُرْهَانِيَّةٌ، وَمُوَاجَهَةٌ فِكْرِيَّةٌ لِلتَّوَجُّهَاتِ الْمُتَطَرِّفَةِ التَّكْفِيرِيَّةِ.
مقالات
عَبْدُ الْحَمِيدِ كَنَاكْرِي خُوجَة: قَذَائِفُ بَيَانِيَّةٌ، وَصَوَاعِقُ بُرْهَانِيَّةٌ، وَمُوَاجَهَةٌ فِكْرِيَّةٌ لِلتَّوَجُّهَاتِ الْمُتَطَرِّفَةِ التَّكْفِيرِيَّةِ.

«مِنْ طَهْرَانَ تَتَعَالَى دَعَوَاتُ الْوَحْدَةِ، وَمِنْ رِحَابِ الْإِسْلَامِ الْأَصِيلِ تَنْطَلِقُ رِسَالَةُ التَّآخِي؛ قِرَاءَةٌ فِي مَوَاقِفِ الْجُمْهُورِيَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ الْإِيرَانِيَّةِ، وَرُؤْيَةِ الشَّهِيدِ السَّيِّدِ عَلِيٍّ خَامِنَئِيٍّ فِي مُوَاجَهَةِ التَّكْفِيرِ وَالْإِرْهَابِ، وَصِيَانَةِ كَرَامَةِ الْإِنْسَانِ، وَحِمَايَةِ الرِّسَالَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ مِنْ مُحَاوَلَاتِ التَّشْوِيهِ وَالتَّوْظِيفِ الْمَشْبُوهِ»

الْإِسْلَامُ رِسَالَةُ هِدَايَةٍ وَرَحْمَةٍ، لَا مِنَصَّةٌ لِلْكَرَاهِيَةِ:

الْإِسْلَامُ رِسَالَةٌ سَمَاوِيَّةٌ عَظِيمَةٌ، جَعَلَتِ الْهِدَايَةَ وَالرَّحْمَةَ وَصِيَانَةَ النَّفْسِ الْإِنْسَانِيَّةِ مِنْ مَقَاصِدِهَا السَّامِيَةِ، وَاسْتَمَدَّتْ نُورَهَا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ، وَهَدْيِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، وَتَعَالِيمِ أَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ، وَسِيرَةِ الصَّحَابَةِ الْأَخْيَارِ، وَرِسَالَاتِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: 107].

وَمِنْ هَذَا الْمُنْطَلَقِ، فَإِنَّ الدِّفَاعَ عَنِ الْإِسْلَامِ لَا يَتَحَقَّقُ بِالشِّعَارَاتِ وَحْدَهَا، بَلْ بِصِيَانَةِ جَوْهَرِهِ الْأَخْلَاقِيِّ، وَالتَّصَدِّي لِكُلِّ فِكْرٍ يَتَّخِذُ مِنَ الْمُقَدَّسَاتِ سِتَارًا لِلْكَرَاهِيَةِ، أَوْ يَجْعَلُ الِاخْتِلَافَ ذَرِيعَةً لِلتَّكْفِيرِ وَالِاقْتِتَالِ. فَالدِّينُ الَّذِي يَدْعُو إِلَى الْهِدَايَةِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ غِطَاءً لِاسْتِبَاحَةِ الدِّمَاءِ، وَالرِّسَالَةُ الَّتِي تَرْفَعُ شَأْنَ الْإِنْسَانِ لَا تَنْسَجِمُ مَعَ خِطَابٍ يُحَوِّلُ الْمُجْتَمَعَاتِ إِلَى سَاحَاتٍ لِلْعَدَاءِ.

إِنَّ مُوَاجَهَةَ التَّطَرُّفِ مَسْؤُولِيَّةٌ فِكْرِيَّةٌ وَأَخْلَاقِيَّةٌ وَحَضَارِيَّةٌ، تَبْدَأُ بِتَصْحِيحِ الْمَفَاهِيمِ، وَتَعْزِيزِ الْوَعْيِ، وَحِمَايَةِ الْأَجْيَالِ مِنْ خِطَابَاتِ الْغُلُوِّ، وَتَرْسِيخِ ثَقَافَةٍ تَرَى فِي وَحْدَةِ الْمُسْلِمِينَ قُوَّةً، وَفِي احْتِرَامِ الْإِنْسَانِ قِيمَةً، وَفِي الْحِوَارِ سَبِيلًا إِلَى إِطْفَاءِ نِيرَانِ الْفِتَنِ.

الْجُمْهُورِيَّةُ الْإِسْلَامِيَّةُ الْإِيرَانِيَّةُ وَالدِّفَاعُ عَنِ الْإِسْلَامِ الْأَصِيلِ:

أَوَّلًا: إِيرَانُ؛ الِاسْتِقْلَالُ وَالْهُوِيَّةُ الْإِسْلَامِيَّةُ وَنُصْرَةُ الْمُسْتَضْعَفِينَ:

مُنْذُ انْتِصَارِ الثَّوْرَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ الْإِيرَانِيَّةِ عَامَ 1979، جَعَلَتْ قِيَادَةُ الثَّوْرَةِ مِنَ الِاسْتِقْلَالِ السِّيَاسِيِّ، وَالتَّمَسُّكِ بِالْهُوِيَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَرَفْضِ الْهَيْمَنَةِ الْخَارِجِيَّةِ، وَنُصْرَةِ الْمُسْتَضْعَفِينَ، مُرْتَكَزَاتٍ بَارِزَةً فِي خِطَابِهَا وَمَوَاقِفِهَا الْمُعْلَنَةِ. وَقَدِ ارْتَبَطَتْ هَذِهِ الْمَبَادِئُ بِرُؤْيَةٍ تُؤَكِّدُ حُضُورَ الْإِسْلَامِ فِي الْحَيَاةِ الْعَامَّةِ، وَتَدْعُو إِلَى صَوْنِ كَرَامَةِ الشُّعُوبِ وَحَقِّهَا فِي تَقْرِيرِ مَصِيرِهَا.

وَتَسْتَحِقُّ التَّجْرِبَةُ الْإِيرَانِيَّةُ قِرَاءَةً جَادَّةً تَسْتَحْضِرُ تَارِيخَهَا الْفِكْرِيَّ وَالسِّيَاسِيَّ، وَمَا تَحْمِلُهُ مِنْ خُصُوصِيَّةٍ حَضَارِيَّةٍ، وَمَا عَبَّرَتْ عَنْهُ مِنْ مَوَاقِفَ فِي مُوَاجَهَةِ الْإِرْهَابِ وَالتَّطَرُّفِ، وَالدِّفَاعِ عَنِ الْمُقَدَّسَاتِ، وَتَعْزِيزِ وَحْدَةِ الْمُسْلِمِينَ. فَالْإِنْصَافُ فِي قِرَاءَةِ التَّجَارِبِ الْوَطَنِيَّةِ وَالْحَضَارِيَّةِ يَقْتَضِي مَعْرِفَةَ سِيَاقَاتِهَا، وَفَهْمَ مُنْطَلَقَاتِهَا، وَإِبْرَازَ مَوَاقِفِهَا الْمُعْلَنَةِ بَعِيدًا عَنِ الصُّوَرِ النَّمَطِيَّةِ وَالْأَحْكَامِ الْمُسْبَقَةِ.

كَمَا أَنَّ مَا وَاجَهَهُ الشَّعْبُ الْإِيرَانِيُّ مِنِ اعْتِدَاءَاتٍ إِرْهَابِيَّةٍ وَخَسَائِرَ بَشَرِيَّةٍ يُذَكِّرُ بِأَنَّ الْإِرْهَابَ خَطَرٌ عَابِرٌ لِلْحُدُودِ، لَا يَخْتَارُ ضَحَايَاهُ وَفْقَ انْتِمَاءَاتِهِمْ، وَلَا يَتَوَقَّفُ أَثَرُهُ عِنْدَ حُدُودِ بَلَدٍ بِعَيْنِهِ. وَقَدْ شَهِدَتْ إِيرَانُ هَجَمَاتٍ دَامِيَةً، مِنْ بَيْنِهَا هَجَمَاتُ طَهْرَانَ عَامَ 2017، وَالتَّفْجِيرَانِ اللَّذَانِ اسْتَهْدَفَا مَرَاسِمَ إِحْيَاءِ ذِكْرَى الشَّهِيدِ قَاسِمِ سُلَيْمَانِي فِي كَرْمَانَ عَامَ 2024، وَأَعْلَنَ تَنْظِيمُ دَاعِشَ الْإِرْهَابِيُّ مَسْؤُولِيَّتَهُ عَنْ هُجُومِ كَرْمَانَ.

وَتُؤَكِّدُ هَذِهِ الْوَقَائِعُ أَهَمِّيَّةَ التَّضَامُنِ الدَّوْلِيِّ فِي مُوَاجَهَةِ التَّطَرُّفِ، وَإِنْصَافِ ضَحَايَاهُ، وَتَكْثِيفِ الْجُهُودِ الْفِكْرِيَّةِ وَالْأَمْنِيَّةِ الَّتِي تَحْمِي الْمُجْتَمَعَاتِ مِنَ التَّنْظِيمَاتِ الَّتِي تَخْدِمُ أَجِنْدَاتِ الْمُسْتَعْمِرِينَ. كَمَا تُبْرِزُ مَا يَسْتَحِقُّهُ الشَّعْبُ الْإِيرَانِيُّ مِنْ تَقْدِيرٍ لِمَا يَمْلِكُهُ مِنْ إِرْثٍ حَضَارِيٍّ وَثَقَافِيٍّ عَرِيقٍ، وَمَا أَظْهَرَهُ مِنْ تَمَسُّكٍ بِهُوِيَّتِهِ الْوَطَنِيَّةِ فِي مُوَاجَهَةِ التَّحَدِّيَاتِ.

ثَانِيًا: الشَّهِيدُ الْقَائِدُ السَّيِّدُ عَلِيٌّ خَامِنَئِيٌّ وَالتَّحْذِيرُ مِنَ الْإِسْلَامِ التَّكْفِيرِيِّ:

يَحْتَلُّ خِطَابُ فَقِيدِ الْأُمَّةِ السَّيِّدِ عَلِيٍّ خَامِنَئِيٍّ بِشَأْنِ الْوَحْدَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَمَخَاطِرِ التَّكْفِيرِ وَاسْتِغْلَالِ الدِّينِ مَكَانَةً بَارِزَةً فِي الرُّؤْيَةِ الْفِكْرِيَّةِ الَّتِي تَتَبَنَّاهَا الْقِيَادَةُ الْإِيرَانِيَّةُ. فَقَدْ شَدَّدَ فِي مَوَاقِفَ وَخِطَابَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ عَلَى خُطُورَةِ الْجَمَاعَاتِ التَّكْفِيرِيَّةِ، وَعَلَى ضَرُورَةِ مُوَاجَهَةِ التَّيَّارَاتِ الَّتِي تَسْتَغِلُّ الْمُقَدَّسَاتِ لِإِشْعَالِ الصِّرَاعَاتِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ.

وَعِنْدَمَا نَسْتَخْدِمُ مُصْطَلَحَ «الْإِسْلَامِ الْأَمْرِيكِيِّ» فِي نَقْدِ نَمُوذَجٍ نَرَاهُ مُسَخَّرًا لِخِدْمَةِ الْهَيْمَنَةِ، وَمُبْتَعِدًا عَنْ جَوْهَرِ الْإِسْلَامِ فِي مُوَاجَهَةِ الظُّلْمِ وَصِيَانَةِ كَرَامَةِ الْإِنْسَانِ. وَيَعْكِسُ هَذَا الْمَفْهُومُ، فِي سِيَاقِ خِطَابِ سَمَاحَتِهِ، تَحْذِيرًا مِنْ تَوْظِيفِ الدِّينِ لِخِدْمَةِ مَشَارِيعَ سِيَاسِيَّةٍ تُفْرِغُ الرِّسَالَةَ الْإِسْلَامِيَّةَ مِنْ مَقَاصِدِهَا الْأَخْلَاقِيَّةِ، وَتُحَوِّلُهَا إِلَى أَدَاةٍ لِلصِّرَاعِ وَالتَّبَعِيَّةِ.

وَتَبْرُزُ أَهَمِّيَّةُ هَذِهِ الرُّؤْيَةِ فِي تَأْكِيدِهَا أَنَّ الْخَطَرَ لَا يَكْمُنُ فِي تَعَدُّدِ الِاجْتِهَادَاتِ أَوِ اخْتِلَافِ الْمَدَارِسِ الْإِسْلَامِيَّةِ، بَلْ فِي تَحْوِيلِ الِاخْتِلَافِ إِلَى عَدَاوَةٍ، وَالتَّأْوِيلِ إِلَى وَسِيلَةٍ لِلتَّكْفِيرِ، وَالِانْتِمَاءِ الدِّينِيِّ إِلَى ذَرِيعَةٍ لِاسْتِبَاحَةِ الدِّمَاءِ.

إِنَّ الدَّعْوَةَ إِلَى وَحْدَةِ الْمُسْلِمِينَ، كَمَا تَتَجَلَّى فِي الْخِطَابِ الْإِيرَانِيِّ، تَسْتَنِدُ إِلَى إِدْرَاكِ أَهَمِّيَّةِ التَّمَاسُكِ الْإِسْلَامِيِّ فِي مُوَاجَهَةِ الْفِتَنِ وَمُحَاوَلَاتِ بَثِّ الْفُرْقَةِ. فَالْأُمَّةُ الَّتِي تَتَّسِعُ مَدَارِسُهَا الْفِكْرِيَّةُ وَتَتَنَوَّعُ اجْتِهَادَاتُهَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَجْعَلَ هَذَا التَّنَوُّعَ مَصْدَرًا لِلثَّرَاءِ الْحَضَارِيِّ، مَتَى احْتَكَمَ أَبْنَاؤُهَا إِلَى الْحِوَارِ وَالِاحْتِرَامِ، وَرَفَضُوا تَحْوِيلَ الْخِلَافِ إِلَى صِرَاعٍ.

وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ اسْتِحْضَارَ مَوَاقِفِ الشَّهِيدِ الْقَائِدِ السَّيِّدِ عَلِيٍّ خَامِنَئِيٍّ فِي التَّحْذِيرِ مِنَ التَّكْفِيرِ يُسَلِّطُ الضَّوْءَ عَلَى قَضِيَّةٍ تَتَجَاوَزُ حُدُودَ الْجُغْرَافِيَا وَالسِّيَاسَةِ؛ إِنَّهَا قَضِيَّةُ صَوْنِ صُورَةِ الْإِسْلَامِ مِنْ مُمَارَسَاتِ جَمَاعَاتٍ تَتَّخِذُ اسْمَهُ، ثُمَّ تَرْتَكِبُ أَفْعَالًا تُنَاقِضُ مَقَاصِدَهُ، وَتُسِيءُ إِلَى الْمُسْلِمِينَ فِي أَعْيُنِ الْعَالَمِ.

ثَالِثًا: احْتِرَامُ الْأَدْيَانِ وَالرِّسَالَاتِ السَّمَاوِيَّةِ وَصِيَانَةُ كَرَامَةِ الْإِنْسَانِ:

مِنَ الْقِيَمِ الَّتِي يُبْرِزُهَا الْخِطَابُ الْإِسْلَامِيُّ الْأَصِيلُ احْتِرَامُ الرِّسَالَاتِ السَّمَاوِيَّةِ، وَصِيَانَةُ كَرَامَةِ الْإِنْسَانِ، وَرَفْضُ الِاعْتِدَاءِ عَلَى دُورِ الْعِبَادَةِ وَالْمُقَدَّسَاتِ. فَالْإِيمَانُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى الْإِسَاءَةِ إِلَى مُعْتَقَدَاتِ الْآخَرِينَ كَيْ يُعَبِّرَ عَنْ رُسُوخِهِ، كَمَا أَنَّ الِاعْتِزَازَ بِالْهُوِيَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ يَزْدَادُ قِيمَةً حِينَ يَقْتَرِنُ بِالْحِكْمَةِ وَالْإِنْصَافِ وَحُسْنِ التَّعَامُلِ.

وَفِي هَذَا السِّيَاقِ، تُؤَكِّدُ الْمَوَاقِفُ الْإِيرَانِيَّةُ الْمُعْلَنَةُ أَهَمِّيَّةَ الدِّفَاعِ عَنِ الْمُقَدَّسَاتِ الدِّينِيَّةِ وَرَفْضِ الْإِسَاءَةِ إِلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالرِّسَالَاتِ السَّمَاوِيَّةِ. وَيَظَلُّ الْحِوَارُ بَيْنَ أَتْبَاعِ الْأَدْيَانِ سَبِيلًا مُهِمًّا لِتَعْزِيزِ التَّفَاهُمِ، وَتَوْسِيعِ مَسَاحَاتِ التَّعَاوُنِ، وَمُوَاجَهَةِ الْخِطَابَاتِ الَّتِي تَسْتَثْمِرُ الِاخْتِلَافَ الْعَقَدِيَّ فِي إِثَارَةِ الْكَرَاهِيَةِ.

إِنَّ احْتِرَامَ أَتْبَاعِ الدِّيَانَاتِ الْأُخْرَى لَا يَعْنِي التَّخَلِّيَ عَنِ الثَّوَابِتِ أَوِ التَّنَازُلَ عَنِ الْهُوِيَّةِ، بَلْ يَعْكِسُ فَهْمًا وَاعِيًا لِمَسْؤُولِيَّةِ الْإِنْسَانِ فِي حِفْظِ السِّلْمِ الِاجْتِمَاعِيِّ وَصِيَانَةِ الْكَرَامَةِ. فَالتَّعَايُشُ لَا يُلْغِي الِاخْتِلَافَ، وَإِنَّمَا يَمْنَعُ تَحْوِيلَهُ إِلَى خُصُومَةٍ، وَالْحِوَارُ لَا يَفْرِضُ تَطَابُقَ الْمُعْتَقَدَاتِ، بَلْ يَفْتَحُ الْمَجَالَ أَمَامَ التَّفَاهُمِ الْمُتَبَادَلِ.

وَتَزْدَادُ أَهَمِّيَّةُ هَذِهِ الْقِيَمِ فِي عَالَمٍ تَتَسَارَعُ فِيهِ حَمَلَاتُ التَّضْلِيلِ وَالتَّحْرِيضِ، وَتَتَدَاخَلُ فِيهِ الِاعْتِبَارَاتُ الدِّينِيَّةُ وَالسِّيَاسِيَّةُ وَالْإِعْلَامِيَّةُ. وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ نَشْرَ ثَقَافَةِ الِاحْتِرَامِ الْمُتَبَادَلِ، وَتَعْزِيزَ الْوَعْيِ بِمَقَاصِدِ الرِّسَالَاتِ السَّمَاوِيَّةِ، يُشَكِّلَانِ رَكِيزَتَيْنِ أَسَاسِيَّتَيْنِ فِي مُوَاجَهَةِ التَّطَرُّفِ وَحِمَايَةِ الْمُجْتَمَعَاتِ مِنَ الِانْقِسَامِ.

رَابِعًا: الْمُتَأَسْلِمُونَ الدَّمَوِيُّونَ وَخَطَرُ اخْتِطَافِ الدِّينِ:

إِنَّ مِنْ أَخْطَرِ التَّحَدِّيَاتِ الَّتِي تُوَاجِهُ الْمُجْتَمَعَاتِ ظُهُورَ تَيَّارَاتٍ تَتَّخِذُ مِنَ التَّدَيُّنِ وَاجِهَةً، وَمِنَ التَّكْفِيرِ مَنْهَجًا، وَمِنَ الْعُنْفِ وَسِيلَةً لِفَرْضِ تَصَوُّرَاتِهَا عَلَى الْآخَرِينَ. فَهَذِهِ التَّيَّارَاتُ لَا تَكْتَفِي بِإِيذَاءِ ضَحَايَاهَا، بَلْ تُسِيءُ إِلَى صُورَةِ الْإِسْلَامِ، وَتَمْنَحُ دُعَاةَ الْكَرَاهِيَةِ مَادَّةً لِتَشْوِيهِ رِسَالَتِهِ، وَتَزْرَعُ الشُّكُوكَ فِي نُفُوسِ مَنْ لَا يَعْرِفُونَ الدِّينَ إِلَّا مِنْ خِلَالِ مَا يَرْتَكِبُهُ الْمُتَطَرِّفُونَ بِاسْمِهِ.

وَيَكْمُنُ الْخَطَرُ فِي أَنَّ بَعْضَ هَذِهِ الْجَمَاعَاتِ تَبْدَأُ بِإِقْصَاءِ الْمُخَالِفِ فِكْرِيًّا وَمَذْهَبِيًّا، ثُمَّ تَنْتَقِلُ إِلَى نَزْعِ صِفَتِهِ الْإِنْسَانِيَّةِ وَالْأَخْلَاقِيَّةِ، حَتَّى يُصْبِحَ الِاعْتِدَاءُ عَلَيْهِ فِي خِطَابِهَا أَمْرًا قَابِلًا لِلتَّبْرِيرِ. وَهَكَذَا تَتَحَوَّلُ الْأَحْكَامُ الْمُتَشَدِّدَةُ إِلَى أَدَوَاتٍ لِلتَّحْرِيضِ، وَتَغْدُو الْكَلِمَاتُ الْمَسْمُومَةُ مُقَدِّمَاتٍ لِأَفْعَالٍ مُدَمِّرَةٍ.

وَلَا يَقِفُ أَثَرُ هَذَا الْفِكْرِ عِنْدَ حُدُودِ الْعَمَلِيَّاتِ الْإِرْهَابِيَّةِ، بَلْ يَمْتَدُّ إِلَى تَجْنِيدِ الشَّبَابِ، وَتَفْكِيكِ الرَّوَابِطِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ، وَإِشْعَالِ النِّزَاعَاتِ الطَّائِفِيَّةِ، وَزَعْزَعَةِ الِاسْتِقْرَارِ، وَتَهْدِيدِ الْأَمْنِ الْإِقْلِيمِيِّ وَالدَّوْلِيِّ. كَمَا تَسْتَفِيدُ مِنْهُ شَبَكَاتُ التَّطَرُّفِ فِي اسْتِقْطَابِ الْأَفْرَادِ، وَتَغْذِيَةِ الشُّعُورِ بِالْعَدَاءِ، وَتَقْدِيمِ الْعُنْفِ عَلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ دِينِيٌّ، فِي حِينِ أَنَّهُ انْحِرَافٌ خَطِيرٌ عَنْ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ وَقِيَمِهَا الْإِنْسَانِيَّةِ.

وَمِنَ الضَّرُورِيِّ التَّمْيِيزُ بَيْنَ التَّدَيُّنِ الصَّادِقِ وَالْغُلُوِّ الْمُتَسَتِّرِ بِعَبَاءَتِهِ؛ فَلَيْسَ كُلُّ مُحَافِظٍ مُتَطَرِّفًا، وَلَا كُلُّ اخْتِلَافٍ فِي الِاجْتِهَادِ دَلِيلًا عَلَى الِانْحِرَافِ. إِنَّ مَوْضِعَ الْمُوَاجَهَةِ هُوَ الْخِطَابُ الَّذِي يُحَرِّضُ عَلَى الْقَتْلِ، وَيَسْتَبِيحُ كَرَامَةَ الْإِنْسَانِ، وَيُحَوِّلُ الْخِلَافَ إِلَى تَكْفِيرٍ، وَيَجْعَلُ مِنَ الْكَرَاهِيَةِ عَقِيدَةً وَمِنَ الْعُنْفِ لُغَةً.

إِنَّ التَّصَدِّيَ لِهَذِهِ الْجَمَاعَاتِ يَتَطَلَّبُ تَكَامُلًا بَيْنَ الْمُؤَسَّسَاتِ الدِّينِيَّةِ وَالثَّقَافِيَّةِ وَالْإِعْلَامِيَّةِ وَالتَّعْلِيمِيَّةِ، بِحَيْثُ تُوَاجَهُ الْأَفْكَارُ الْمُنْحَرِفَةُ بِالْعِلْمِ، وَتُفَكَّكُ الْمُغَالَطَاتُ بِالْحُجَّةِ، وَتُحْمَى الْأَجْيَالُ مِنَ الِاسْتِغْلَالِ الْعَاطِفِيِّ وَالتَّضْلِيلِ الْمَنْهَجِيِّ. فَالسِّلَاحُ قَدْ يُوقِفُ اعْتِدَاءً، لَكِنَّ بِنَاءَ الْوَعْيِ هُوَ مَا يَمْنَعُ تَجَدُّدَ التَّطَرُّفِ فِي الْعُقُولِ.

خَامِسًا: الْمُؤَلَّفَاتُ التَّحْرِيضِيَّةُ وَالْمَنَابِرُ الَّتِي تُغَذِّي الْفِتْنَةَ:

قَدْ يَبْدَأُ مَسَارُ التَّطَرُّفِ مِنْ خِطَابٍ مَكْتُوبٍ أَوْ دَرْسٍ مُسَجَّلٍ أَوْ مَنْشُورٍ إِلِكْتُرُونِيٍّ، يَتَسَلَّلُ إِلَى الْعُقُولِ عَبْرَ لُغَةٍ دِينِيَّةٍ ظَاهِرُهَا الْوَعْظُ وَبَاطِنُهَا الْإِقْصَاءُ. وَحِينَ تُقَدَّمُ الْأَفْكَارُ الْمُتَشَدِّدَةُ إِلَى الشَّبَابِ بِاعْتِبَارِهَا حَقَائِقَ مُغْلَقَةً لَا تَقْبَلُ النِّقَاشَ، يُصْبِحُ الْوَعْيُ عُرْضَةً لِلتَّوْجِيهِ، وَيَغْدُو الِاخْتِلَافُ فِي نَظَرِ الْمُتَلَقِّي تَهْدِيدًا يَسْتَدْعِي الْمُوَاجَهَةَ بَدَلَ الْحِوَارِ.

وَمِنْ هُنَا، تَبْرُزُ ضَرُورَةُ التَّصَدِّي لِلْمُؤَلَّفَاتِ وَالْمَنْشُورَاتِ الَّتِي تَتَضَمَّنُ تَحْرِيضًا صَرِيحًا عَلَى التَّكْفِيرِ أَوِ الْعُنْفِ، أَيًّا كَانَتِ الْجِهَةُ الَّتِي تُصْدِرُ عَنْهَا أَوِ الْمَرْجِعِيَّةُ الَّتِي تَسْتَنِدُ إِلَيْهَا. فَالْمِعْيَارُ هُوَ مَضْمُونُ الْخِطَابِ وَأَثَرُهُ، لَا اسْمُهُ أَوْ غِلَافُهُ أَوِ الْمَكَانَةُ الَّتِي يَمْنَحُهَا لَهُ مُرَوِّجُوهُ.

وَتَقْتَضِي الْمَسْؤُولِيَّةُ الْعِلْمِيَّةُ مُرَاجَعَةَ الْمُحْتَوَى التَّحْرِيضِيِّ بِالنَّقْدِ الرَّصِينِ، وَالتَّحَقُّقَ مِنْ مَصَادِرِهِ وَسِيَاقَاتِهِ، وَمُوَاجَهَتَهُ بِالْمَعْرِفَةِ الدِّينِيَّةِ الْمُتَعَمِّقَةِ، مَعَ تَطْبِيقِ الْقَوَانِينِ الْعَادِلَةِ عَلَى كُلِّ دَعْوَةٍ تُحَرِّضُ عَلَى الِاعْتِدَاءِ أَوْ تُهَدِّدُ سَلَامَةَ الْمُجْتَمَعِ. أَمَّا الِاجْتِهَادَاتُ الْمَذْهَبِيَّةُ وَالِاخْتِلَافَاتُ الْفِكْرِيَّةُ الَّتِي لَا تُحَرِّضُ عَلَى الْعُنْفِ، فَيَنْبَغِي تَنَاوُلُهَا بِالْحِوَارِ وَالْبَحْثِ وَاحْتِرَامِ حُرِّيَّةِ الِاعْتِقَادِ.

فَلَيْسَ كُلُّ كِتَابٍ يُتَدَاوَلُ عِلْمًا نَافِعًا، وَلَا كُلُّ عِبَارَةٍ تُرْفَعُ بِاسْمِ الدِّينِ هِدَايَةً، وَلَا كُلُّ مَنْ يَتَصَدَّرُ لِلْوَعْظِ مُؤَهَّلًا لِحَمْلِ أَمَانَةِ الْكَلِمَةِ. إِنَّ الْكِتَابَةَ الدِّينِيَّةَ مَسْؤُولِيَّةٌ، وَالْمِنْبَرَ أَمَانَةٌ، وَالتَّأْثِيرَ فِي عُقُولِ الشَّبَابِ يَفْرِضُ عَلَى أَصْحَابِهِ الِتِزَامًا أَخْلَاقِيًّا يَحْمِيهِمْ مِنَ التَّضْلِيلِ وَالتَّحْرِيضِ.

كَمَا أَنَّ مُوَاجَهَةَ التَّطَرُّفِ تَسْتَلْزِمُ الْحَذَرَ مِنْ تَوْظِيفِ النُّصُوصِ خَارِجَ سِيَاقَاتِهَا، أَوِ انْتِقَاءِ الْعِبَارَاتِ بِمَا يَخْدِمُ أَحْكَامًا مُسْبَقَةً، أَوْ تَقْدِيمِ اجْتِهَادَاتٍ بَشَرِيَّةٍ بِاعْتِبَارِهَا حَقَائِقَ لَا يَجُوزُ مُرَاجَعَتُهَا. فَالْعِلْمُ الرَّصِينُ يَفْتَحُ أَبْوَابَ الْفَهْمِ، أَمَّا التَّعَصُّبُ فَيُغْلِقُهَا، وَالْحُجَّةُ تَسْتَدْعِي الْعَقْلَ، بَيْنَمَا لَا يَجِدُ التَّحْرِيضُ مَا يَسْتَنِدُ إِلَيْهِ سِوَى إِثَارَةِ الْغَرَائِزِ وَالْمَخَاوِفِ.

سَادِسًا: الدِّينُ بَيْنَ أَصَالَةِ الْمَبْدَإِ وَحِسَابَاتِ الْهَيْمَنَةِ:

تَتَعَرَّضُ الرِّسَالَاتُ الدِّينِيَّةُ أَحْيَانًا لِمُحَاوَلَاتِ التَّوْظِيفِ السِّيَاسِيِّ، حِينَ تُسْتَخْدَمُ مُفْرَدَاتُهَا لِتَبْرِيرِ مَصَالِحِ الْقُوَى النَّافِذَةِ أَوْ تَسْوِيغِ سِيَاسَاتٍ تَتَعَارَضُ مَعَ الْمَبَادِئِ الْأَخْلَاقِيَّةِ الْمُعْلَنَةِ. وَهُنَا تَبْرُزُ أَهَمِّيَّةُ الْخِطَابِ الَّذِي يَضَعُ كَرَامَةَ الْإِنْسَانِ وَحُقُوقَ الشُّعُوبِ فِي مُقَدِّمَةِ اهْتِمَامَاتِهِ، وَيَرْفُضُ أَنْ تُصْبِحَ الْمُقَدَّسَاتُ أَدَوَاتٍ لِتَجْمِيلِ الظُّلْمِ أَوْ تَغْطِيَةِ الِاعْتِدَاءِ.

وَفِي هَذَا السِّيَاقِ، يَتَدَاوَلُ الْمُنْتَقِدُونَ تَعْبِيرَ «مَشَايِخِ النَّاتُو» لِوَصْفِ خِطَابَاتٍ دِينِيَّةٍ مِنَ الْوَاضِحِ أَنَّهَا تَتَمَاهَى مَعَ مَصَالِحِ الْقُوَى الْغَرْبِيَّةِ. وَمِنْ دُونِ التَّعْمِيمِ طَبْعًا.

إِنَّ الْمِعْيَارَ الْأَخْلَاقِيَّ الْحَقِيقِيَّ هُوَ اتِّسَاقُ الْقَوْلِ مَعَ الْفِعْلِ، وَثَبَاتُ الْمَبْدَإِ أَمَامَ تَغَيُّرِ الْمَصَالِحِ. فَلَا يَنْبَغِي أَنْ تَخْتَلِفَ قِيمَةُ الضَّحِيَّةِ بِاخْتِلَافِ جِنْسِيَّتِهَا، أَوْ أَنْ يَتَبَدَّلَ الْحُكْمُ عَلَى الِاعْتِدَاءِ وَفْقَ هُوِيَّةِ مُرْتَكِبِهِ أَوِ الْجِهَةِ الَّتِي يَنْتَمِي إِلَيْهَا.

وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ مُوَاجَهَةَ الْإِرْهَابِ وَالتَّطَرُّفِ تَسْتَلْزِمُ رَفْضَ ازْدِوَاجِيَّةِ الْمَعَايِيرِ، وَالتَّصَدِّيَ لِكُلِّ خِطَابٍ يُبَرِّرُ الْعُنْفَ أَوْ يَزْرَعُ الْكَرَاهِيَةَ أَوْ يُسَخِّرُ الدِّينَ لِخِدْمَةِ الْهَيْمَنَةِ. فَالْمَبَادِئُ لَا تَكْتَسِبُ قِيمَتَهَا مِنْ كَثْرَةِ تَرْدِيدِهَا، بَلْ مِنَ الِالْتِزَامِ بِهَا حِينَ تُصْبِحُ كُلْفَتُهَا مُرْتَفِعَةً، وَحِينَ تَتَعَارَضُ مَعَ الْحِسَابَاتِ السِّيَاسِيَّةِ الضَّيِّقَةِ.

وَحْدَةُ الْمُسْلِمِينَ وَصِيَانَةُ الرِّسَالَةِ وَمُوَاجَهَةُ التَّطَرُّفِ:

إِنَّ الدِّفَاعَ عَنِ الْإِسْلَامِ الْأَصِيلِ مَسْؤُولِيَّةٌ تَتَطَلَّبُ احْتِرَامَ كِتَابِ اللَّهِ، وَهَدْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ، وَمَكَانَةِ أَهْلِ بَيْتِهِ الطَّاهِرِينَ وَالصَّحَابَةِ الْأَخْيَارِ، وَصِيَانَةَ كَرَامَةِ الْإِنْسَانِ، وَالتَّمَسُّكَ بِقِيَمِ الرَّحْمَةِ وَالتَّسَامُحِ وَرَفْضِ التَّكْفِيرِ وَالْعُنْفِ.

وَمِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْإِنْصَافِ إِبْرَازُ مَوَاقِفِ الْجُمْهُورِيَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ الْإِيرَانِيَّةِ الْمُعْلَنَةِ فِي مُوَاجَهَةِ الْإِرْهَابِ وَالتَّكْفِيرِ، وَتَقْدِيرُ جُهُودِ شَعْبِهَا وَتَضْحِيَاتِهِ، وَالتَّعْرِيفُ بِرُؤْيَتِهَا الْفِكْرِيَّةِ فِي الدِّفَاعِ عَنِ الْهُوِيَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ وَتَعْزِيزِ وَحْدَةِ الْمُسْلِمِينَ. كَمَا أَنَّ اسْتِحْضَارَ خِطَابِ الشَّهِيدِ السَّيِّدِ عَلِيٍّ خَامِنَئِيٍّ فِي التَّحْذِيرِ مِنِ اسْتِغْلَالِ الدِّينِ وَإِشْعَالِ الْفِتَنِ يُسَلِّطُ الضَّوْءَ عَلَى أَهَمِّيَّةِ مُوَاجَهَةِ التَّيَّارَاتِ الَّتِي تُسِيءُ إِلَى الْإِسْلَامِ بِاسْمِ الْإِسْلَامِ.

إِنَّ مَعْرَكَةَ الْوَعْيِ لَا تَقِلُّ أَهَمِّيَّةً عَنْ مَعْرَكَةِ الْأَمْنِ؛ لِأَنَّ الْفِكْرَ الَّذِي يُبَرِّرُ الْكَرَاهِيَةَ قَدْ يُمَهِّدُ لِلْعُنْفِ، وَالْخِطَابَ الَّذِي يُشَرْعِنُ التَّكْفِيرَ قَدْ يَفْتَحُ أَبْوَابَ الْفِتْنَةِ عَلَى الْمُجْتَمَعَاتِ. وَلِذَلِكَ فَإِنَّ حِمَايَةَ الْأَجْيَالِ مِنَ التَّطَرُّفِ تَقْتَضِي نَشْرَ الْمَعْرِفَةِ الرَّصِينَةِ، وَتَعْزِيزَ الْحِوَارِ، وَمُوَاجَهَةَ التَّضْلِيلِ، وَصَوْنَ دَوْرِ الْمُؤَسَّسَاتِ الدِّينِيَّةِ وَالْعِلْمِيَّةِ فِي تَقْدِيمِ خِطَابٍ يَرْفَعُ قِيمَةَ الْإِنْسَانِ وَيُعَزِّزُ الِاسْتِقْرَارَ.

فَلْتَكُنِ الْكَلِمَةُ جِسْرًا لَا خِنْجَرًا، وَالْحُجَّةُ نُورًا لَا نَارًا، وَالِاخْتِلَافُ بَابًا لِلْمَعْرِفَةِ لَا نَافِذَةً لِلْعَدَاءِ. وَلْيَبْقَ احْتِرَامُ الْأَدْيَانِ، وَحُرْمَةُ الدَّمِ، وَكَرَامَةُ الْإِنْسَانِ، وَوَحْدَةُ الْمُسْلِمِينَ، مَبَادِئَ رَاسِخَةً لَا تَعْبَثُ بِهَا دَعَايَاتُ الْكَرَاهِيَةِ وَلَا تُوَظِّفُهَا الْحِسَابَاتُ الضَّيِّقَةُ.

فَالْإِسْلَامُ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يَخْتَطِفَهُ التَّكْفِيرُ، وَأَسْمَى مِنْ أَنْ تُشَوِّهَ رِسَالَتَهُ جَمَاعَاتُ الْعُنْفِ، وَأَبْقَى مِنْ أَنْ تُحَاصِرَهُ دَعَايَاتُ التَّضْلِيلِ. وَحِينَ تَنْتَصِرُ الرَّحْمَةُ عَلَى الْإِقْصَاءِ، وَالْبَصِيرَةُ عَلَى التَّعَصُّبِ، وَالْبُرْهَانُ عَلَى التَّحْرِيضِ، تَتَجَلَّى عَظَمَةُ الرِّسَالَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ فِي أَنْقَى مَعَانِيهَا، وَيُصْبِحُ الْوَعْيُ حِصْنًا لِلْأُمَّةِ، وَالتَّعَايُشُ قُوَّةً لِلْمُجْتَمَعَاتِ، وَصِيَانَةُ الْإِنْسَانِ عُنْوَانًا لِلْإِيمَانِ الصَّادِقِ.

عَبْدُ الْحَمِيدِ كَنَاكْرِي خُوجَة.