اكتشف علماء بقايا حرير على أقنعة برونزية وقطع من رقائق الذهب ومصنوعات من اليشم وشظايا من العاج، عُثر عليها في حفر مخصصة للقرابين داخل موقع سانشينغدوي الأثري في مقاطعة سيتشوان جنوب غربي الصين.
ونُشرت نتائج الدراسة في مجلة Antiquity العلمية، حيث فحص الباحثون بقايا حريرية مرتبطة بـ101 قطعة أثرية تعود إلى الفترة المتأخرة من عهد أسرة شانغ الصينية، التي امتدت تقريبا بين عامي 1300 و1046 قبل الميلاد.

ويرجح الباحثون أن الأقمشة أدت دورا في الطقوس الاحتفالية لدى حضارة شو القديمة أكبر مما توحي به القطع المعدنية التي نجت حتى اليوم.
كيف تأكد العلماء من وجود الحرير؟
استخدم الفريق البحثي المجهر الإلكتروني والتحليل الطيفي بالأشعة تحت الحمراء لفحص بقايا الأقمشة، والتأكد من أنها حرير وليست صوفا أو مادة أخرى.
وأظهرت النتائج وجود بقايا حريرية على 94 قطعة برونزية تنتمي إلى 28 فئة مختلفة من القطع الأثرية.
ومن بين أبرز العينات قناع برونزي كبير عُثر عليه في حفرة القرابين K3، إذ اكتشف الباحثون ثلاث مناطق من الحرير حول الحاجب الأيمن والعين اليمنى للقناع.
وكان لكل قطعة من هذه القطع الثلاث نمط مختلف من النسج؛ إذ تشبه إحداها نسيجا شبكيا خفيفا يشبه الشاش، بينما كانت القطعتان الأخريان أكثر كثافة.
ويرى الباحثون أن القناع ربما غُطي بالقماش أو زُين بعدة قطع حريرية، لكنهم لا يستطيعون إعادة بناء شكله الأصلي بثقة اعتمادا على البقايا المتاحة وحدها.
وإذا كان النسيج جزءا من تصميم الأقنعة بالفعل، فمن المحتمل أن مظهرها خلال الطقوس كان أكثر تعقيدا مما يبدو عليه اليوم بعد مرور آلاف السنين.
آثار الأصباغ تكشف ألوان الأقمشة القديمة
لم تقتصر الاكتشافات على بقايا الحرير، إذ احتفظت بعض الأقمشة بآثار من الأصباغ التي استخدمت لتلوينها.
وكشف التحليل المخبري عن وجود المغرة الحمراء، وهي صبغة معدنية غنية بالحديد التصقت بألياف النسيج. كما عثر الباحثون على الكالسيت، وهو معدن ربما كان جزءا من طبقة تغطية سطحية، لكن وظيفته الدقيقة لا تزال غير واضحة.
وفي عينة أخرى، اكتشف العلماء صبغة عضوية حمراء داكنة اخترقت ألياف الحرير نفسها. ولم يتمكنوا من تحديد النبات أو المادة التي استُخرجت منها هذه الصبغة.
وتشير هذه النتائج إلى أن بعض الأقمشة المستخدمة في الموقع كانت مصبوغة، وأن عمليات إعدادها ربما تضمنت تقنيات متعددة لمعالجة الألياف وتلوينها.
أنماط النسج تربط سانشينغدوي بمناطق صينية أخرى
صُنع معظم الحرير المكتشف باستخدام نسج سادة، وهو نمط بسيط تتداخل فيه خيوط السدى واللحمة بالتناوب، لكن الباحثين رصدوا أيضا أنماطا أكثر تعقيدا.
وأظهرت خصائص النسج أن بعض العينات تتشابه مع أقمشة عُثر عليها في مواقع أثرية أخرى تعود إلى الفترة الزمنية نفسها في السهل الأوسط للصين، وهي منطقة ارتبطت بمراكز مهمة للحضارة الصينية القديمة.
ومع ذلك، لا تسمح الأدلة المتاحة بتحديد المكان الذي صُنع فيه الحرير المكتشف داخل حفر القرابين في سانشينغدوي.
وقد يشير العثور على مغازل وأدوات أخرى مرتبطة بإنتاج المنسوجات في الموقع إلى احتمال وجود نشاط محلي لصناعة الأقمشة، لكن ذلك لا يثبت أن جميع القطع الحريرية المكتشفة صُنعت هناك.
كيف نجا الحرير من التحلل طوال آلاف السنين؟
يُعد الحرير من المواد العضوية القابلة للتحلل، ولذلك فإن العثور على بقاياه بعد مرور نحو ثلاثة آلاف عام يمثل دليلا أثريا مهما.
وتشير طريقة توزع الأقمشة داخل حفر القرابين إلى أن ظروف دفن القطع الأثرية ومواقع وجود النسيج بالنسبة إليها قد تكون ساهمت في بقاء بعض البقايا حتى اليوم.
وأظهرت الحفريات أن الحرير في الحفرة K3 كان موجودا أسفل القطع الأثرية، ولا سيما في الجزء الجنوبي الأوسط من قاع الحفرة.
أما في الحفرة K7، فقد عُثر على الحرير في معظم الحالات على الأسطح السفلية للقطع، وليس على أسطحها العلوية.
كما رصد الباحثون ما يصل إلى خمس طبقات من النسيج على إحدى الزخارف البرونزية، وهو ما يرجح أن القماش وُضع عمدا حول القطعة أو تحتها، بدلا من أن يكون قد وصل إليها بصورة عشوائية.
لكن الدراسة لا تقدم تفسيرا نهائيا للآلية التي حافظت على جميع بقايا الحرير، ولا تزال هناك حاجة إلى مزيد من الأدلة لفهم ظروف حفظ كل عينة على حدة.
ماذا كان دور الحرير في طقوس حضارة شو؟
اشتهر موقع سانشينغدوي بعد اكتشاف حفرتين كبيرتين للقرابين عام 1986، ثم أضافت أعمال التنقيب التي أُجريت بين عامي 2019 و2022 ست حفر أخرى إلى المكتشفات الأثرية في الموقع.
وتشير بقايا الحرير المكتشفة إلى أن الأقمشة ربما أدت وظائف متعددة في الطقوس التي مارستها حضارة شو القديمة.
ومن بين الاحتمالات التي طرحها الباحثون استخدام الحرير فرشا توضع تحت القطع الثمينة، أو أغلفة تلف بها الأشياء المقدسة، أو أغطية للعناصر المستخدمة في الطقوس. كما يحتمل أن يكون الحرير نفسه قد قُدم قربانا.
ولا يمكن تحديد الوظيفة الدقيقة للنسيج في كل حالة اعتمادا على الأدلة الحالية وحدها.
ومع ذلك، فإن العثور على الحرير في مواقع محددة حول القطع البرونزية، ووجود طبقات متعددة منه على بعض المصنوعات، يعززان احتمال أن استخدامه كان مقصودا وجزءا من طريقة إعداد القرابين وترتيبها.
وتوفر هذه النتائج معلومات جديدة عن الممارسات الاحتفالية لدى حضارة شو، كما توضح أن المنسوجات ربما كانت عنصرا مهما في الطقوس القديمة، رغم أن فرص بقائها في السجل الأثري أقل من فرص بقاء المعادن والحجر.
ونُشرت الدراسة في مجلة Antiquity العلمية المتخصصة في علم الآثار.