لم تعد الحسابات الأمريكية والإيرانية والإسرائيلية محصورة في نتائج الحرب الأخيرة، بل باتت تتعلق بمن سيمتلك حق رسم مستقبل المنطقة وتحديد قواعد النفوذ فيها. فخلف التصريحات المتبادلة والتهديدات العسكرية، تتشكل تفاهمات إقليمية جديدة، وتتقاطع مصالح دول تخشى أن تتحول المواجهة مع إيران إلى مقدمة لإعادة ترتيب الشرق الأوسط وفق موازين لا تراعي مصالحها.
واشنطن تتحدث عن تدمير القدرات النووية والعسكرية الإيرانية، بينما تشير تقديرات وول ستريت جورنال إلى أن تكلفة الحرب بلغت 47.1 مليار دولار حتى 16 أكتوبر، إضافة إلى أضرار تقدر بنحو خمسة مليارات دولار في القواعد الأمريكية. وفي المقابل، تؤكد طهران أنها أعادت بناء قدراتها، وأنها لم تعد تتبنى سياسة الصبر الاستراتيجي السابقة، بل تستعد لرد واسع إذا تجددت الحرب، مع تحديث بنك الأهداف وتوسيع نطاق المواجهة جغرافياً. وبالنسبة إلى القيادة الإيرانية، تبدو أي مواجهة مقبلة مرتبطة بمصير الدولة وموقعها الإقليمي، لا بمجرد جولة عسكرية عابرة.
في هذا السياق، تكتسب توجيهات المرشد مجتبى خامنئي للقوات المسلحة أهمية خاصة، خصوصاً دعوته إلى مواجهة التهديدات برد فوري ومن دون قيود جغرافية. أما الملف النووي، فيبقى العقدة الأكثر حساسية؛ فواشنطن تصر على منع إيران من امتلاك السلاح النووي، لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: ماذا لو دفعت الحرب طهران إلى اعتبار امتلاك القنبلة ضمانة وجودية لردع خصومها؟ عندها ستكون التداعيات أكبر بكثير من حدود المواجهة الحالية.
إقليمياً، يبرز الاجتماع الرباعي الذي استضافته طهران وضم إيران والسعودية وتركيا وباكستان باعتباره تطوراً مهماً في إدراك هذه الدول أن أمن المنطقة لا يمكن أن يبقى رهينة المواجهات المفتوحة. فهناك مصالح مشتركة وتحديات تتطلب ترتيبات جديدة، من احتواء التصعيد إلى معالجة الملفات الإقليمية، وفي مقدمتها فلسطين ولبنان، وصولاً إلى الملف اليمني، حيث تبرز إمكانية فتح مسار تفاهم سعودي يمني ينهي سنوات الاستنزاف. وتدرك هذه العواصم أن ما يجري مع إيران قد لا يتوقف عندها، وأن تفكك المنطقة أو إعادة تشكيلها بالقوة سيطال الجميع.
وفي لبنان، تسعى إسرائيل إلى استثمار المواجهة لعزل الجبهة اللبنانية والاستفراد بها، وصولاً إلى تدمير قدرات حزب الله بصورة شاملة. وهذا أحد الملفات التي تعمل طهران على منع حسمها وفق الشروط الإسرائيلية، إدراكاً منها أن خسارة لبنان ستنعكس على موقعها الإقليمي.
أما إسرائيل، فتدخل مرحلة سياسية حساسة بعد الانتخابات التي لم تمنح أي معسكر أغلبية برلمانية. وتبقى طموحات نتنياهو في توسيع المكاسب الإسرائيلية وفرض وقائع جديدة، وسط مخاوف من أن يتحول استمرار الصراعات إلى وسيلة لتكريس واقع إقليمي مجزأ ومضطرب.
وبينما تراقب الصين وروسيا انشغال واشنطن، تكشف بكين عن تطورات متقدمة في قدراتها الصاروخية، لتبدو تداعيات المواجهة أبعد من حدود الشرق الأوسط، في ظل تنافس دولي يتجاوز ساحات الصراع الإقليمية إلى إعادة تشكيل موازين القوة العالمية.
السؤال اليوم ليس متى تبدأ الحرب مجدداً، بل هل تستطيع دول المنطقة بناء معادلة أمنية مشتركة تمنع تفككها، أم أن صراع النفوذ سيجعل الجميع أمام مواجهة تتجاوز قدرة أي طرف على التحكم بنتائجها؟