لولا دا سيلفا وعودة اليسار الاشتراكي: هل تستعيد العدالة الاجتماعية مكانها في عالم مضطرب؟
مقالات
لولا دا سيلفا وعودة اليسار الاشتراكي: هل تستعيد العدالة الاجتماعية مكانها في عالم مضطرب؟
البشير عبيد – تونس
4 تشرين الثاني 2026 , 19:10 م

البشير عبيد / تونس

لم تكن عودة لويس إيناسيو لولا دا سيلفا إلى رئاسة البرازيل مجرد حدث انتخابي في أكبر بلدان أمريكا اللاتينية، بل مثّلت مناسبة لإعادة طرح أسئلة جوهرية بشأن مستقبل اليسار، وقدرته على تجديد مشروعه الاجتماعي والسياسي، وحدود تأثيره في عالم تتعمق فيه التفاوتات الاقتصادية وتتغير فيه موازين القوى الدولية.

ففي 30 أكتوبر 2022، فاز لولا في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية بنسبة 50.90% من الأصوات الصحيحة، متقدماً على الرئيس المنتهية ولايته جايير بولسونارو، الذي حصل على 49.10%. ولم تكن هذه النتيجة تعبيراً عن إجماع وطني حول مشروع سياسي واحد، بقدر ما كشفت عن انقسام عميق في المجتمع البرازيلي، وعن قدرة الائتلاف الذي قاده لولا على جمع قوى متعددة حول خيار العودة إلى الحكم.

تستمد هذه العودة أهميتها من مسار سياسي بدأ في الحركة النقابية، وارتبط بالدفاع عن حقوق العمال والفئات محدودة الدخل، قبل أن يتحول إلى تجربة حكم امتدت ولايتها الأولى بين عامي 2003 و2010. وهي تجربة ارتبطت ببرامج اجتماعية واسعة، وبمحاولة التوفيق بين متطلبات الاقتصاد وانشغالات العدالة الاجتماعية، فضلاً عن توسيع حضور البرازيل في العلاقات الدولية.

غير أن قراءة هذه التجربة لا ينبغي أن تتحول إلى احتفاء بسيرة شخصية، ولا إلى إعلان مبكر عن انتصار اليسار على خصومه. فالسؤال الأهم يتعلق بمدى قدرة القوى اليسارية على تحويل مطالب التغيير إلى سياسات مستدامة، وعلى حماية الديمقراطية من الاستقطاب، وتقديم بدائل تستجيب للتحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تشهدها المجتمعات المعاصرة.

من الحركة العمالية إلى استعادة الثقة السياسية

تشكّلت التجربة السياسية للولا في بيئة اجتماعية عرف فيها الفقر والعمل الصناعي المبكر جزءاً من الحياة اليومية. وقد أسهم انخراطه في الحركة النقابية خلال سبعينيات القرن الماضي في انتقاله من الدفاع عن المصالح المهنية للعمال إلى المشاركة في معركة أوسع من أجل الحقوق السياسية والديمقراطية، في ظل الحكم العسكري الذي عرفته البرازيل منذ عام 1964.

ومع تصاعد الإضرابات العمالية في أواخر السبعينيات، برزت الحركة النقابية قوة اجتماعية مؤثرة في مسار التحول السياسي. ولم تعد مطالبها مقتصرة على الأجور وظروف العمل، بل اتصلت بحرية التنظيم، والتمثيل السياسي، وحق المواطنين في المشاركة في تحديد مستقبل البلاد.

في هذا المناخ، شارك لولا في تأسيس حزب العمال عام 1980، ليصبح الحزب إطاراً سياسياً جمع قطاعات من العمال والمثقفين والناشطين الاجتماعيين. وقد مثّل تأسيسه محاولة لتحويل المطالب الاجتماعية إلى برنامج سياسي قادر على خوض الانتخابات والمشاركة في إدارة الدولة، بدلاً من الاكتفاء بالضغط من خارج المؤسسات.

و تكشف هذه التجربة عن حقيقة تتجاوز الحالة البرازيلية: فالحركات الاجتماعية لا تتحول بالضرورة إلى قوى حاكمة بمجرد اتساع الاحتجاجات، بل تحتاج إلى تنظيم سياسي، وبرنامج واضح، وتحالفات قادرة على تجاوز الحدود الفئوية، فضلاً عن الاستعداد للتعامل مع تعقيدات الحكم وموازين القوى داخله.

لم يصل لولا إلى الرئاسة من المحاولة الأولى، بل خاض منافسات انتخابية متتالية قبل فوزه عام 2002. وكان ذلك مؤشراً على أن التحول من قيادة نقابية إلى قيادة وطنية يقتضي مراجعة الأدوات والخطاب، وتوسيع قاعدة التأييد، وبناء تفاهمات مع قطاعات لا تنتمي بالضرورة إلى اليسار التقليدي.

عندما تولى الرئاسة في يناير 2003، أصبح مطالباً بتحويل المطالب التي حملها في مسيرته السياسية إلى قرارات عامة، ضمن اقتصاد يرتبط بالأسواق الدولية، وتؤثر في مساره مصالح اقتصادية واجتماعية متباينة. وهنا انتقلت التجربة من اختبار القدرة على التعبئة إلى اختبار القدرة على الحكم.

إن أهمية هذا التحول لا تكمن في وصول شخصية ذات خلفية عمالية إلى الرئاسة فحسب، بل في السؤال المتعلق بقدرة المؤسسات الديمقراطية على توسيع المشاركة السياسية، وإتاحة الفرصة أمام الفئات التي تعاني التهميش الاجتماعي للتأثير في السياسات العامة.

لكن الوصول إلى الحكم لا يضمن تحقيق جميع الوعود، كما أن الخلفية الاجتماعية للقائد لا تكفي وحدها للحكم على نتائج سياساته. فالمعيار الأساسي يظل مرتبطاً بما يتحقق على أرض الواقع، وبمدى قدرة المؤسسات على الاستجابة لمطالب المواطنين، وتوفير فرص متكافئة، وتحويل الحقوق المعلنة إلى نتائج قابلة للقياس.

العدالة الاجتماعية واختبار الحكم

ارتبطت ولايتا لولا الأولى والثانية بتوسيع برامج مكافحة الفقر، وفي مقدمتها برنامج «بولسا فاميليا»، الذي أُطلق عام 2003، وأصبح إحدى أبرز أدوات التحويلات المالية الموجهة إلى الأسر محدودة الدخل. وقد ساعد البرنامج، إلى جانب سياسات أخرى والظروف الاقتصادية التي عرفتها البلاد، على تحسين قدرة أسر كثيرة على تلبية احتياجاتها الأساسية.

وتنبع الأهمية السياسية لهذه البرامج من أنها تنظر إلى الفقر باعتباره قضية تتصل بتوزيع الموارد والفرص، لا مجرد مشكلة فردية. فالحصول على الغذاء والتعليم والرعاية الصحية، وتحسين القدرة على مواجهة الأزمات، عناصر تؤثر في مشاركة المواطنين في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وفي قدرتهم على الإفلات من دوائر الحرمان المتوارثة.

لكن التجربة تطرح في الوقت نفسه سؤالاً جوهرياً عن حدود السياسات الاجتماعية داخل اقتصاد السوق. فالمساعدات والتحويلات المالية تستطيع تخفيف آثار الفقر، لكنها لا تعالج وحدها جميع أسبابه، ولا تلغي التفاوت في ملكية الثروة، ولا تضمن استقرار فرص العمل أو استمرار تحسن الدخل. ويتطلب تحقيق نتائج طويلة الأمد سياسات متكاملة تشمل الإنتاج والتشغيل والتعليم والصحة، إلى جانب إدارة مالية قادرة على توفير الموارد اللازمة.

كما أن تقييم النتائج يقتضي التمييز بين أثر القرارات الحكومية وأثر الظروف الخارجية. فقد استفادت البرازيل خلال جزء من المرحلة الأولى لحكم لولا من ظروف دولية مواتية لصادراتها، وهو ما أسهم في تشكيل البيئة الاقتصادية التي نُفذت فيها السياسات الاجتماعية. ولذلك، لا يصح إرجاع جميع التحسينات إلى قرار سياسي واحد، كما لا يصح تجاهل أثر السياسات العامة في توزيع بعض ثمار النمو.

ويكشف هذا التداخل عن أحد التحديات التي تواجه اليسار حين يصل إلى الحكم: كيف يمكن الجمع بين النمو الاقتصادي وتقليص التفاوتات، وبين تشجيع الإنتاج والاستثمار وتوسيع الحماية الاجتماعية؟ وكيف يمكن تجنب تحول البرامج الاجتماعية إلى تدابير مؤقتة تتأثر بتغير الحكومات والظروف المالية؟

إن الإجابة تقتضي بناء مؤسسات قادرة على ضمان استمرارية السياسات الناجحة، وتقييم نتائجها، ومراجعة جوانب القصور فيها. كما تتطلب الاعتراف بأن العدالة الاجتماعية ليست مجرد بند في برنامج انتخابي، بل مشروع طويل الأمد يرتبط بقدرة الدولة على التخطيط، وبطبيعة الاقتصاد، وبموازين المصالح داخل المجتمع.

وقد واجه حزب العمال خلال السنوات اللاحقة أزمات سياسية وقضائية حادة، وتعرّض لولا للسجن عام 2018 في سياق قضايا الفساد التي ارتبطت بعملية «لافا جاتو». وفي عام 2021، ألغت المحكمة الاتحادية العليا الأحكام المعنية، لأسباب قانونية شملت عدم اختصاص المحكمة التي أصدرتها، الأمر الذي أعاد إليه حقوقه السياسية ومهّد لعودته إلى المنافسة الانتخابية.

وتكشف هذه المرحلة عن عمق الاستقطاب الذي عرفته البرازيل، وعن هشاشة الثقة بالمؤسسات حين تتحول الخلافات السياسية إلى صراع واسع حول شرعية الخصوم وأدوار أجهزة الدولة. وهي تذكّر بأن الديمقراطية لا تُختبر في لحظة الانتخابات وحدها، بل أيضاً في استقلال القضاء، واحترام الإجراءات القانونية، وضمان حق المنافسين في العمل السياسي ضمن قواعد مشتركة.

و عندما عاد لولا إلى الرئاسة في يناير 2023، لم يكن أمامه مجرد استئناف لتجربة سابقة، بل مواجهة واقع سياسي أكثر انقساماً، وائتلاف حاكم متعدد الاتجاهات، وتوقعات اجتماعية مرتفعة. فالقدرة على الفوز انتخابياً لا تعني امتلاك أغلبية متجانسة تتيح تنفيذ البرنامج بلا تفاوض، بل تفرض البحث عن تسويات داخل المؤسسات الديمقراطية، مع الحفاظ على وضوح الأولويات الاجتماعية.

إنً الاختبار الحقيقي لعودة اليسار لا يكمن في استعادة رموزه التاريخية، وإنما في قدرته على تجديد أدواته، ومراجعة تجربته، وتحقيق نتائج ملموسة من دون إضعاف المؤسسات أو الاكتفاء بخطاب تعبوي يستعيد انقسامات الماضي.

البرازيل والتحولات الدولية: حدود الرهان على اليسار

لا تقتصر أهمية البرازيل على حجمها الاقتصادي والسكاني، بل تشمل موقعها في أمريكا اللاتينية، ودورها في التكتلات الدولية، وسعيها إلى توسيع هامش استقلال القرار الوطني. وقد عملت الدبلوماسية البرازيلية في عهد لولا على تعزيز العلاقات مع دول الجنوب العالمي، وتوسيع التعاون الاقتصادي والسياسي، والدعوة إلى إصلاح مؤسسات الحوكمة الدولية بما يتيح تمثيلاً أكبر للاقتصادات الناشئة.

وتوفر مجموعة «بريكس» إحدى المنصات التي تتحرك من خلالها البرازيل في هذا الاتجاه، إلى جانب علاقاتها مع الصين ودول أخرى. وتطرح هذه التحركات مسألة التعددية القطبية، أي اتساع دور أكثر من مركز للقوة في العلاقات الدولية، في مقابل نظام تتفاوت فيه قدرات الدول على التأثير في القرارات العالمية.

غير أن تعدد مراكز القوة لا يعني بالضرورة قيام نظام أكثر عدالة. فقد يمنح الدول النامية خيارات أوسع للتفاوض وبناء الشراكات، لكنه لا يلغي تضارب المصالح، ولا يضمن تجاوز التفاوت الاقتصادي أو إنهاء التنافس الاستراتيجي. كما أن توسيع العلاقات الدولية لا يعوض الحاجة إلى بناء اقتصاد وطني قوي، ومؤسسات مستقرة، وسياسات تقلل التبعية وتزيد قدرة المجتمع على التأثير في خيارات الدولة.

ومن المهم هنا عدم الخلط بين التوجهات الاجتماعية لسياسة داخلية وبين التحالفات الخارجية للدولة. فالحكومات ذات الخلفيات اليسارية لا تتبنى بالضرورة المواقف نفسها في جميع الملفات الدولية، كما أن علاقات البرازيل الاقتصادية والدبلوماسية تحكمها اعتبارات وطنية وتجارية واستراتيجية تتجاوز الانتماء الأيديولوجي للحكومة.

وتبرز أهمية التجربة البرازيلية بالنسبة إلى دول الجنوب، ومنها الدول العربية، في الأسئلة التي تثيرها بشأن العلاقة بين التنمية والعدالة الاجتماعية، وبين استقلال القرار الوطني والانخراط في الاقتصاد العالمي. فتنويع الشراكات قد يوسع هامش المناورة، لكنه لا يصنع وحده تنمية مستدامة، ما لم يقترن بتطوير الإنتاج، وتحسين التعليم، وتوفير فرص العمل، وتعزيز المؤسسات والمساءلة.

كذلك لا يمكن اعتبار التجربة البرازيلية نموذجاً جاهزاً للنقل إلى مجتمعات أخرى. فاختلاف البنى الاقتصادية والاجتماعية، وطبيعة المؤسسات، وشروط المشاركة السياسية، يفرض التعامل مع كل تجربة في سياقها التاريخي والوطني. لكن المقارنة تظل مفيدة حين تساعد على فهم الشروط التي تجعل السياسات الاجتماعية قابلة للاستمرار، والحدود التي تواجه الحكومات في تحويل برامجها إلى نتائج.

أما السؤال الأوسع فيتعلق بمستقبل اليسار نفسه. فعودته إلى الحكم في بعض البلدان لا تعني استعادة نموذج سياسي موحد، ولا تؤكد أن المجتمعات تتجه جميعها في مسار واحد. إنها تعكس، في حالات مختلفة، تفاعلاً بين الأوضاع الاقتصادية، والمطالب الاجتماعية، وطبيعة المنافسة السياسية، ومدى ثقة المواطنين بالبدائل المطروحة.

إن تجربة لولا تضع اليسار أمام ضرورة تجاوز الاكتفاء باستحضار ماضيه النقابي أو رموزه التاريخية، والتقدم نحو برامج تستجيب لتحديات الحاضر: التفاوت في الدخل والثروة، وتحولات سوق العمل، والضغوط البيئية، والتنافس الدولي، والحاجة إلى مؤسسات ديمقراطية قادرة على إدارة الخلاف من دون تحويله إلى أزمة دائمة.

وتظل القيمة السياسية لهذه التجربة مرتبطة بما تستطيع البرازيل تحقيقه فعلياً، لا بما تحمله سيرة رئيسها من رمزية. فالديمقراطية لا تكتمل بمجرد تنظيم الانتخابات، كما أن العدالة الاجتماعية لا تتحقق بمجرد إعلانها هدفاً حكومياً. إنهما مساران يتطلبان مؤسسات فاعلة، وسياسات قابلة للتقييم، ومشاركة اجتماعية واسعة، وقدرة على تصحيح الأخطاء ومحاسبة المسؤولين.

بهذا المعنى، لا تمثل عودة لولا حكماً نهائياً على مستقبل اليسار، لكنها تتيح قراءة تجربة تكشف إمكانات العمل السياسي وحدوده في آن واحد. وبين القدرة على توسيع الحقوق الاجتماعية، وصعوبة إدارة اقتصاد معقد ومجتمع منقسم، يتحدد التحدي الذي يواجه الحكومة البرازيلية، كما تواجهه قوى سياسية أخرى تسعى إلى الجمع بين الديمقراطية والتنمية والعدالة.

إن الرهان الحقيقي لا يتعلق بشخص الرئيس أو بهوية الحزب الحاكم وحدهما، بل بقدرة السياسة على تحسين حياة المواطنين، وتوسيع فرصهم، وحماية حقوقهم، وبناء مؤسسات تستمر فاعليتها بعد تغير القيادات والحكومات. ومن هذا المعيار يمكن قراءة تجربة لولا، وفهم موقعها في النقاش العالمي حول مستقبل اليسار، وحدود قدرته على تقديم بدائل اجتماعية وسياسية في عالم مضطرب.

- كاتب صحفي و باحث في قضايا التنمية و المواطنة و النزاعات الإقليمية و الدولية و آخر تطورات الصراع العربي - الصهبوني