ترامب في مواجهة مرآته… حين تصبح الهزيمة خطيئة الآخرين!
مقالات
ترامب في مواجهة مرآته… حين تصبح الهزيمة خطيئة الآخرين!
عباس المعلم
4 تشرين الثاني 2026 , 19:22 م

ليست أخطر أزمات الزعماء تلك التي تصنعها صناديق الاقتراع، بل تلك التي تنشأ حين يفقد السياسي القدرة على الفصل بين مكانته الشخصية ومصير الدولة والحزب والجمهور. وفي تعليق دونالد ترامب على خسارة الجمهوريين، حين اختزل أسباب الهزيمة بغياب اسمه عن أوراق التصويت، يبرز نمطٌ من التمركز النفسي حول الذات، والتبرير التعويضي، وتحصين الصورة الشخصية من النقد؛ وهي آليات يمكن قراءة الخطاب من خلالها دون اختزال شخصية صاحبه في تشخيصٍ نفسي. فبدل إخضاع التجربة السياسية للمراجعة، يجري استحضار الزعيم بوصفه الاحتمال الوحيد الذي كان قادرًا على تغيير النتائج. وهنا تبلغ المفارقة ذروتها: يصبح الغائب صاحب الفضل في انتصارٍ لم يقع، فيما يُترك الحاضرون وحدهم أمام مسؤولية الهزيمة. إنها بلاغة التبرئة الذاتية حين تستبدل الوقائع بالافتراضات، وتُقدّم الثقة المفرطة بالنفس بديلًا من الاعتراف بالأخطاء.

أما إيران، فقد شكّلت المواجهة معها اختبارًا بالغ الكلفة لحسابات الإدارة الأميركية، بعدما انتقلت تداعيات الحرب من ساحات الاشتباك إلى الاقتصاد والأسواق والنقاش الداخلي حول أولويات واشنطن. ومن هذا المنظور، يمكن قراءة الملف الإيراني بوصفه أحد العوامل التي ساهمت في تعقيد المشهد الانتخابي للجمهوريين، لا تفسيرًا وحيدًا لنتائجه. فالحروب التي تُخاض لإظهار القوة قد تتحوّل، حين تتراكم أكلافها، إلى امتحانٍ قاسٍ للشرعية السياسية في الداخل. وفي هذه اللحظة يتبدّى التناقض بين خطاب القيادة الذي يعد بالسيطرة على مسارات الأحداث، وواقعٍ لا يخضع لإرادة فردٍ مهما اتّسع نفوذه.

وللحرب كلفةٌ داخلية لا تُقاس بالإنفاق العسكري وحده، بل بما تفرضه من ضغوط على أسعار الطاقة والسلع، واضطراب الأسواق، واتساع القلق بشأن الإنفاق العام والقدرة الشرائية. فكل ارتفاعٍ في فاتورة الوقود، وكل عبءٍ إضافي على ميزانية الأسرة، يفتح بابًا للسؤال عن جدوى الخيارات الخارجية وأولويات السلطة. وتزداد حساسية هذه التداعيات حين يشعر المواطن بأن الموارد التي تُستنزف في المواجهات العسكرية كان يمكن توجيهها إلى الخدمات والبنية التحتية وتحسين ظروف المعيشة. وهنا تتحوّل كلفة الحرب من أرقامٍ في الموازنات العسكرية إلى قضية مساءلة سياسية، ويصبح الداخل الأميركي ساحةً أخرى لاختبار نتائج القرارات المتخذة في الخارج.

وحين تُختزل السياسة في شخص الزعيم، تصبح كل خسارة امتحانًا لصورته، وكل مساءلة تهديدًا لهيبته، وكل اعتراضٍ شعبي واقعةً تحتاج إلى تفسيرٍ يُبقيه خارج دائرة المسؤولية. فالسلطة التي لا تتعلّم من الهزائم لا تُلغيها؛ إنما تؤجّل الاعتراف بها حتى تصبح أكلافها أكبر من القدرة على تبريرها

عباس المعلم - كاتب سياسي 

المصدر: عباس المعلم