عبد الحميد كناكري خوجة: بين الدموع والشموع... لا خنوعَ ولا خضوعَ ولا ركوع
مقالات
عبد الحميد كناكري خوجة: بين الدموع والشموع... لا خنوعَ ولا خضوعَ ولا ركوع
عبد الحميد كناكري خوجة|كاتب من سورية
4 تشرين الثاني 2026 , 19:26 م

«من مدرسة «شجرة طيبة» للبنات في ميناب الجمهورية الإسلامية الإيرانية، حيث أودت الضربة الأمريكية بأرواح طفلاتٍ ومعلمات. إلى شعبٍ لا يحوّل الفجيعة إلى انكسار، ولا الدموع إلى استسلام؛ شعبٌ يواجه العدوان بالثبات، ويتمسّك بالكرامة والسيادة، مهما اشتدّت المحن وتعاظمت التضحيات»

بين وجع الفجيعة وعنفوان الكرامة؛

ليست الدموع دائماً عنوان انكسار، ولا الشموع دائماً إيذاناً بانطفاء؛ فثمة دموعٌ تحكي حكاية المظلومين، وشموعٌ تشهد على براءة الراحلين، وقلوبٌ وإن أثقلتها الفواجع، لا تعرف إلى الخنوع سبيلاً، ولا إلى الاستسلام دليلاً. وحين تتحوّل مقاعد العلم إلى شواهد للفجيعة، وحقائب الطفلات إلى ذاكرة مثقلة بالدمع واللوعة، لا يعود الصمت كافياً أمام هول الجريمة، ولا يصبح الحزن ترفاً عاطفياً، بل يغدو موقفاً أخلاقياً وشهادةً للتاريخ.

في ميناب الإيرانية، لم تكن الحكاية مجرد صواريخ أصابت جدران مدرسة؛ بل مأساة إنسانية أصابت ضمير العالم في مقتل، حين طالت الضربة الأمريكية مدرسة «شجرة طيبة» للبنات، فغابت طفلاتٌ عن مقاعدهن، ومعلماتٌ عن رسالتهن، وبقيت الأمهات بين صورةٍ وذكرى، وبين دمعةٍ ودعاء. فأيُّ ذنبٍ اقترفته طفلةٌ لم تحمل سوى كتابها؟ وأيُّ خطرٍ مثّلته يدٌ صغيرة لم تعرف سوى القلم والدفتر؟

لكن للفواجع وجهاً آخر؛ فليس كل من بكى انكسر، وليس كل من فقد استسلم، وليس كل من ودّع شمعةً أطفأ في صدره نور الإرادة. فمن قلب المحنة تتجلّى حكاية شعبٍ عظيمة رضع البطولة مع حليب أمهاته. شعب يتمسّك بكرامته وسيادته، ويواجه العدوان بالتضامن والثبات، فيما تقف مؤسساته الدفاعية، من جيشٍ وحرسٍ ثوري، في مواجهة التهديدات التي تستهدف أمن بلاده ووجودها.

حين تنكشف الجريمة وتسقط أقنعة المعتدين؛

إنّ استهداف مدرسةٍ تؤوي الطفلات، وتجمعهنّ على مقاعد العلم، ليس رقماً عابراً في سجلّ المواجهات، ولا تفصيلاً يمكن دفنه تحت ركام التصريحات؛ إنّه اعتداءٌ على الطفولة قبل أن يكون اعتداءً على البناء، وجريمةٌ في حقّ الإنسان قبل أن تكون إصابةً في جغرافيا المكان. ففي الثامن والعشرين من فبراير 2026، تعرّضت مدرسة «شجرة طيبة» للبنات في مدينة ميناب الإيرانية لضربةٍ أمريكية أودت بحياة عددٍ معتبر من التلميذات والمعلمات، وفق ما أوردته تقارير وتحقيقات منشورة. هناك، لم تكن الحقائب المدرسية تحمل سلاحاً، ولم تكن الأقلام ترسم خرائط تهديد، ولم تكن أحلام الصغيرات مشروعاً للعدوان؛ كنّ يحملن كتبهنّ، فإذا بالمدرسة تتحوّل إلى مأساة، وبالمقاعد إلى شواهد، وبأحلام الصباح إلى ذاكرةٍ موجعة.

فأيُّ منطقٍ عسكريٍّ هذا الذي يجعل الطفولة موضعاً للنيران؟ وأيُّ ادّعاءٍ حضاريٍّ يصمد أمام مشهد البراءة وهي تُنتزع من الحياة؟ وأيُّ خطابٍ عن حقوق الإنسان يبقى له وزنٌ حين تُراق دماء الأطفال، ثم تُترك الحقيقة تتعثّر بين لجان التحقيق وممرّات السياسة؟ إنّ الكلمات لا تستطيع إحياء الراحلات، والبيانات لا تمسح دموع الأمهات، والاعتذارات ـ إن جاءت ـ لا تعيد إلى المقاعد تلميذاتها؛ لكنها جميعاً لا تعفي المسؤول من المحاسبة، ولا تمنح الجريمة حصانةً من حكم الضمير والتاريخ.

وليس من الشجاعة أن تُقصف مدرسة، ولا من القوة أن يُرعب طفل، ولا من النصر أن تُضاف أسماء الصغيرات إلى قوائم الضحايا. فالقوة التي لا تضبطها القيم تتحوّل إلى بطش، والتفوّق الذي لا تحكمه الأخلاق ينقلب إلى عار، والآلة التي تتباهى بدقّة إصابتها تفقد كلّ ادّعاءٍ للدقّة حين يكون بين ضحاياها أطفالٌ ومعلمات ومنشآت تحتية. إنّ دماء ميناب ليست مادةً للمزايدة، ولا مشهداً عابراً للاستهلاك الإعلامي؛ إنها أمانةٌ في أعناق الأحرار، وشهادةٌ تستوجب كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عنها.

ومع ذلك، فإنّ المأساة لم تكتب نهاية الحكاية الإيرانية؛ فالشعب الذي يشيّع أبناءه بالدموع لا يشيّع كرامته إلى مثواها الأخير، والذي يضيء شموع الوفاء لا يطفئ في قلبه جذوة الصمود. يبكي، لأنّ له قلباً؛ ويحزن، لأنّ له ضميراً؛ لكنه لا ينحني، لأنّ له كرامةً وسيادةً وإرادة. وهنا تتجلّى المسافة بين الحزن والهزيمة: فالحزن إحساسٌ إنسانيّ، أما الهزيمة فاستسلامٌ للإرادة؛ وما كلّ عينٍ دامعةٍ عينٌ منكسرة، ولا كلّ قلبٍ مفجوعٍ قلبٌ مستسلم.

وفي مواجهة التهديدات والاعتداءات، يقف الشعب الإيراني، بمؤسساته الوطنية، وجيشه، وحرسه الثوري، متمسكاً بحقّه في حماية أرضه وصون سيادته. فالأوطان لا تُصان بالخطابات وحدها، ولا تُحمى بالتمنيات، بل بوحدة الصفّ، ويقظة المؤسسات، وثبات الإرادة، والتفاف الشعب حول قيادته وجيشه ومؤسساته. وليس معنى الصمود إنكار الفقد، ولا معنى الثبات الاستهانة بالوجع؛ بل أن يتحوّل الوجع إلى وعي، والوعي إلى تماسك، والتماسك إلى موقفٍ لا تزعزعه العواصف.

أما الذين يراهنون على أن تُحوّل الفواجع الشعوب إلى ظلالٍ خائفة، وأن تجعل الدماء إرادة الأوطان واهنة، فقد أخطؤوا قراءة الشعوب؛ فثمّة أممٌ لا تزيدها المحن إلا تمسكاً بكرامتها، ولا تجعلها الخسارة تتنازل عن حقّها، ولا تدفعها الفاجعة إلى نسيان من اعتدى عليها. ومن يظنّ أنّ الصمت بعد الألم خضوع، وأنّ الدموع إعلان استسلام، لم يفهم لغة الشعوب حين تتكلم بالفعل والثبات.

دموعٌ لا تركع، وشموعٌ لا تنطفئ؛

وهكذا، بين فاجعة ميناب الأليمة، ووهج الصمود، تتجلّى حقيقةٌ لا تحجبها غيمة، ولا تطمسها دعاية: أن الشعوب قد تنزف، لكنها لا تُهزم بمجرد النزف؛ وقد تبكي، لكنها لا تُسلّم قرارها للباكين على أطلالها؛ وقد تودّع فلذات أكبادها بقلوبٍ يعتصرها الألم، لكنها لا تودّع كرامتها ولا تتنازل عن سيادتها. فدموع الأمهات ليست رايات استسلام، وشموع الوفاء ليست أنوار وداعٍ للإرادة، بل شهادةٌ على فداحة الجريمة، وعهدٌ بألا تُنسى البراءة التي غابت تحت الركام.

ستبقى طفلات ميناب حاضراتٍ في ضمير الإنسانية، وستظلّ دماؤهنّ سؤالاً مفتوحاً في وجه كلّ من يرفع شعار الحضارة ويغضّ الطرف عن الجريمة. أمّا الشعب الإيراني، فله أن يحزن كما يحزن الأحرار، وأن يكرّم شهداءه كما تكرّم الأمم أبناءها، وأن يصون أرضه وقراره كما تصون الشعوب حقّها في الحياة والسيادة.

فليعلم من يراهن على الانكسار: قد تنحني الرؤوس لحظة الدعاء، وقد تذرف العيون دموع الوفاء، لكنّ الجباه لا تنحني للمعتدين، والإرادات لا تُشترى بالتهديد، والأوطان لا تُقاس بما تفقده من أبنائها، بل بما تحفظه من كرامتها.

فبين الدموع والشموع، لا خنوعَ ولا خضوعَ ولا ركوع؛ فالعنفوان أرفع من أن يُقصف، والكرامة أعزّ من أن تُساوَم.

كاتب حر في الاغتراب.