تفتح خسارة الجمهوريين الانتخابات النصفية الأميركية مرحلة سياسية شديدة الحساسية، بعدما تمكن الديمقراطيون من انتزاع الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ، في تحول يضع الرئيس دونالد ترامب أمام واقع مختلف خلال ما تبقى من ولايته. ولم تعد المسألة مجرد خسارة انتخابية، بل أزمة سياسية تتداخل فيها الحرب مع إيران، وارتفاع تكاليف المعيشة، ومستقبل العلاقة مع إسرائيل، وتراجع قدرة الإدارة على تمرير أجندتها بسهولة .
وتطرح نتائج الإنتخابات تساؤلات تتجاوز حدود الولايات المتحدة إلى مستقبل التوازنات الدولية، خصوصاً في الشرق الأوسط الذي يقف أصلاً على حافة مواجهة مفتوحة.
واللافت أن نائب الرئيس جي دي فانس ربط الهزيمة مباشرة بالحرب مشيراً إلى أن الناخبين أبدوا استياءهم من استمرار المواجهة مع إيران، والغلاء، والعلاقة مع إسرائيل. كما دعا زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر إلى إنهاء الحرب، فيما برز فوز عبدول السيد في ميشيغن بخطاب ينتقد تمويل الحروب والمساعدات العسكرية لإسرائيل. وهذا يكشف اتساع النقاش الأميركي حول كلفة الانخراط الخارجي وحدود الدعم غير المشروط لتل أبيب.
لكن خسارة ترامب قد لا تعني بالضرورة اتجاهه نحو التهدئة. فالرئيس الذي يواجه تراجعاً في نفوذه داخل الكونغرس قد يبحث عن استعادة المبادرة عبر قرارات خارجية غير متوقعة، سواء بتوسيع المواجهة مع إيران وهو أمر متوقع جدا ً أو فتح جبهة سياسية وعسكرية مع كوبا، في محاولة لإظهار القوة وتحويل الاهتمام بعيداً عن أزمته الداخلية. كما قد يحمّل الحلفاء الأوروبيين مسؤولية الإخفاقات، ويصعّد الضغط عليهم في ملفات أوكرانيا والدفاع والتجارة.
وفي المقابل، قد تدفعه حسابات العلاقة مع إسرائيل إلى تسريع دعم توجهات بنيامين نتنياهو الإقليمية، رغم تصاعد الانتقادات الشعبية الأميركية لسياسات تل أبيب. وهنا تظهر مفارقة أن الاستياء من إسرائيل قد يتحول إلى عامل ضغط على ترامب، لكنه قد يدفعه أيضاً إلى مزيد من الالتصاق بحكومة نتنياهو.
ولا يمكن تجاهل تجربة السادس من يناير 2021، عندما اقتحم أنصار ترامب مبنى الكابيتول، مقر الكونغرس، بعد خسارته الانتخابات الرئاسية، في حادثة كشفت خطورة انتقال الصراع السياسي إلى الشارع. ولا يعني ذلك أن تكرارها حتمي، لكنه يذكّر بأن تداعيات المواجهة الداخلية قد تتجاوز المؤسسات.
أما إيران، فتتمسك بورقة مضيق هرمز، وتؤكد أن أي اعتداء جديد سيقابل برد أوسع، فيما تراقب روسيا والصين وأوروبا ارتدادات الانقسام الأميركي. وفي هذا المناخ، تبرز مخاطر توظيف الحرب في خطاب عنصري وديني يخلط بين إيران والعالم الإسلامي، بما قد يفاقم الاستقطاب والتمييز.
العالم أمام مرحلة لا يمكن التنبؤ بمساراتها بسهولة. فترامب لم يفقد صلاحياته الرئاسية، لكنه خسر جزءاً مهماً من غطائه السياسي. وبين احتمالات التسوية والتصعيد والقرارات المفاجئة، تبدو المنطقة والعالم أمام اختبار جديد، عنوانه صراع النفوذ في ظل أزمة أميركية داخلية مفتوحة.