عبد الحميد كناكري خوجة: أبو الصواريخ يترقّب أمّ القنابل... وما وراء التهديد أعظم من التهديد.
مقالات
عبد الحميد كناكري خوجة: أبو الصواريخ يترقّب أمّ القنابل... وما وراء التهديد أعظم من التهديد.
عبد الحميد كناكري خوجة|كاتب من سورية
5 تشرين الثاني 2026 , 09:08 ص

«الجمهورية الإسلامية الإيرانية... سيادةٌ لا تُرهبها الوعود النارية، وعقيدةُ ردعٍ لا تقف عند حدود الإنذار؛ فبين غطرسة التهديد وحكمة الردع، تتأهب معادلات القوة لاختبارٍ قد تُبدّل موازين الميدان، وتتجاوز تداعياته حسابات المتغطرسين»

المقدمة:

ليست كلُّ القنابل نهايةَ الحروب، وليست كلُّ الصواريخ مجرّدَ أدواتٍ لإشعالها؛ فبين مَن يلوّح بزناد التفوّق، ومَن يستند إلى عقيدة الردع، مسافةٌ شاسعةٌ تصنعها الحسابات، وتكشفها المآلات. وحين تتعالى نبرة التهديد من واشنطن، وتلوح في الأفق احتمالاتُ تصعيدٍ تُغذّيها حسابات تل أبيب وطموحاتها، تصبح الجمهورية الإسلامية الإيرانية أمام اختبارٍ يتجاوز حدود المناورة السياسية إلى صميم السيادة الوطنية وكرامة القرار المستقل.

إن التلويح باستخدام ما اصطلح على تسميته «أمّ القنابل» ليس تفصيلاً عابراً في قاموس الاستعراض العسكري؛ بل رسالة تصعيدٍ تستوجب قراءةً استراتيجيةً متأنية. غير أن الرسائل، في ميزان الحروب، لا تُقرأ من طرفٍ واحد؛ فكما تُعِدّ واشنطن خياراتها، تملك طهران حساباتها وأدواتها، وقد أعلن مسؤولون إيرانيون في تصريحاتٍ متعاقبة، أن أي اعتداءٍ جديد لن يمرّ بالمعادلات ذاتها التي عرفتها المواجهات السابقة.

وتلك هي النقطة التي ينبغي أن يتوقف عندها أصحاب القرار قبل أن يختبروا حدود الصبر الإيراني: فليس من الحكمة أن يُخلط بين ضبط النفس والعجز، ولا بين تجنّب الحرب والقبول بالإملاء. وإذا فُرضت المواجهة على الأراضي الإيرانية، فإن من حق الدولة أن تدافع عن سيادتها، وأن تختار من وسائل الرد ما تراه كفيلاً بفرض كلفةٍ استراتيجيةٍ باهظة على المعتدي، ضمن حسابات الميدان والقانون الدولي، لا وفق إيقاع التهديدات الإعلامية.

وفي هذا السياق، لا تنفصل رسائل المؤسستين الجبارتين العسكرية والحرس الثوري عن موقف القيادة، ولا عن إرادة شعبٍ يرى في صون وطنه وسيادته شأناً يتجاوز اختلاف الآراء وتباين الاجتهادات. فالدول لا تُقاس بترساناتها وحدها، بل بقدرتها على حماية قرارها، وبمدى تماسك جبهتها الداخلية حين تشتد العواصف.

إنها ليست دعوةً إلى حرب، ولا احتفاءً بنارٍ إذا اشتعلت فلن تستأذن أحداً في اتساعها؛ إنها قراءةٌ في معادلةٍ ينبغي أن يفهمها صانع القرار قبل فوات الأوان: مَن يختار ساعةَ العدوان لا يملك بالضرورة ساعةَ نهايته، ومَن يفتح أبواب المواجهة لا يضمن أن تكون مفاتيح إغلاقها في يده.

العرض:

إن جوهر المعضلة في الحسابات الأمريكية لا يكمن في ضخامة القنابل وحدها، بل في الاعتقاد بأن التفوق التسليحي يمنح صاحبه حق فرض الإرادة على الدول. فالقوة، مهما تعاظمت، لا تتحول تلقائياً إلى سيادة، والتكنولوجيا، مهما بلغت دقتها، لا تمنح صاحبها صكّاً مفتوحاً للبغي والعدوان. ومن هنا تبدو خطورة التلويح باستهداف المنشآت الإيرانية؛ إذ إن الاعتداء على البنية التحتية والمنشآت الحيوية لا يُقرأ باعتباره استعراضاً عسكرياً عابراً، بل تصعيداً يحمل تبعات إنسانية واقتصادية واستراتيجية تتجاوز حدود المكان المستهدف.

وفي المقابل، لم تترك طهران رسائلها العسكرية في دائرة الغموض. فقد أعلن العميد حسين محبي، المتحدث باسم الحرس الثوري، في السادس والعشرين من سبتمبر 2026، أن بلاده ماضية في تكريس الردع الاستراتيجي، مؤكداً أن قدراتها الصاروخية جزء من معادلة مواجهة منظومات الدفاع المتعددة الطبقات. ثم جاءت تصريحاته في الحادي والعشرين من أكتوبر لتشير إلى تحول في العقيدة المعلنة، من الاكتفاء بالرد على الاعتداء إلى امتلاك خيارات مضادة أوسع. وهي تصريحات ينبغي قراءتها بوصفها رسائل سياسية وعسكرية ذات دلالة، لا نتائج ميدانية محسومة سلفاً.

وهنا تتجلى المفارقة التي قد تغيب عن أصحاب النزعات التصعيدية: فـ«أمّ القنابل» ليست مفتاحاً سحرياً لكل الأبواب، وضخامة الانفجار لا تعني بالضرورة تحقيق الغاية الاستراتيجية. وقد أشار تقرير لشبكة CNN في الخامس عشر من أكتوبر إلى شكوك خبراء ومصادر عسكرية بشأن قدرة هذه القنبلة على اختراق المنشآت الإيرانية الأشد تحصيناً وعمقاً. وبذلك يصبح السؤال أبعد من حجم الحمولة التفجيرية: ماذا بعد الضربة؟ وما كلفة اتساع المواجهة؟ ومن يضمن أن تبقى الحرب ضمن الحدود التي رسمها بادئها؟

أما الشعب الإيراني، فلا يصح اختزاله في حسابات الصواريخ والمنشآت؛ فهو المكوّن الإنساني والوطني في معادلة السيادة، وتماسك الجبهة الداخلية عامل مؤثر في قدرة أي دولة على مواجهة الضغوط. وقد تكون وحدة الصف، حين تتعرض الأوطان للخطر، أبلغ من ألف خطاب، وأرسخ من ألف استعراض.

إن طهران لا تحتاج إلى المبالغة كي تُسمع رسالتها، وواشنطن لا ينبغي أن تخلط بين القدرة على إطلاق الضربة والقدرة على التحكم في عواقبها؛ فالأولى قرار عسكري، أما الثانية فامتحان استراتيجي عسير.

الخاتمة:

وهكذا، فإن مَن يظنّ أن الطريق إلى إخضاع إيران مرصوفٌ بالقنابل، قد يكتشف أن بين حسابات الغرف المغلقة وحقائق الميدان مسافةً لا تقطعها الطائرات، ولا تختصرها أطنان المتفجرات. فليس كلُّ تهديدٍ مقدمةَ نصر، ولا كلُّ ضربةٍ إعلانَ حسم؛ وربما تحوّل ما أُريد له أن يكون مشهداً للقوة إلى بداية مأزقٍ تتعاظم كلفته، وتتسع دوائره، وتتعثر عنده حسابات مَن أشعل فتيلَه.

وفي الأفق، يظلّ «أبو الصواريخ» اسماً يستوقف المتغطرسين قبل أن يستوقف الرادارات؛ مهيباً في رمزيته، رهيباً في دلالته، ومصيباً في الرسالة التي يحملها: أن للسيادة حراساً، وللردع رجالاً، وأن الصبر حين تفرض عليه المواجهة لا يفقد ذاكرته ولا ينسى طريق الرد. وليس في ذلك تمجيدٌ للحرب، بل تذكيرٌ بأن مَن يعتدي لا يملك أن يختار وحده شكل العواقب ولا مداها.

فلتتأمل واشنطن، ولتراجع تل أبيب حساباتها؛ إذ قد لا تكون «أمّ القنابل» خاتمة الحكاية كما يتوهّم أصحابها، وقد يكون وراء صمت المترقّب ما لا تستوعبه ضوضاء المهدّد. ففي ميزان السيادة، ليست العبرة بمن يملك القنبلة الأضخم، بل بمن يستطيع أن يمنعها من كتابة خاتمةٍ لم يخترها؛ ومن يفتح باب العدوان، قد يجد أن أبواب الخروج أضيق بكثير.

كاتب دمشقي حر في الاغتراب.