التسونامي الأزرق ومأزق البقاء: كيف تكبّل صناديق الاقتراع ترامب ونتنياهو؟
مقالات
التسونامي الأزرق ومأزق البقاء: كيف تكبّل صناديق الاقتراع ترامب ونتنياهو؟
موسى عباس
6 تشرين الثاني 2026 , 08:53 ص

كتب: موسى عبّاس

تضافرت نتائج الاستحقاقات الانتخابية في أواخر عام 2026 لترسم ملامح مرحلة جديدة من الإرباك الاستراتيجي في كل من واشنطن وتل أبيب. فبينما أسفرت انتخابات التجديد النصفي الأمريكية عن "تسونامي أزرق" أعاد للحزب الديمقراطي السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ، أفرزت انتخابات الكنيست الـ26 مأزقاً سياسياً أضعف كتلة بنيامين نتنياهو وأتاح الفرصة لخصومه لتشكيل ائتلاف بديل.

إن تقاطع هذه النتائج يتجاوز حدود التبدل الروتيني في المواقع السياسية؛ فنحن لسنا أمام انتخابين منفصلين، بل أمام أزمتي شرعية متداخلتين يختبر فيهما قادة حكّام خيارات البقاء عبر استدعاء الأزمات والحروب، في مواجهة كوابح تشريعية وأمنية تحاول فرض قواعد الانتقال السياسي. وهنا تكمن الفكرة المركزية لهذا المقال: نحن أمام منعطف تاريخي يحدد فيه تفاعل هذين المأزقين مصير الشرق الأوسط في السنتين المقبلتين.

1. "التسونامي الأزرق" في واشنطن: حدود صلاحيات ترامب وقيود الكونغرس الجديد

عكست خسارة الحزب الجمهوري لأغلبيته في الكونغرس استياءً شعبياً جراء ارتفاع تكاليف المعيشة والتضخم والانخراط في حروب خارجية مكلفة، وقد برزت الاختراقات الديمقراطية، بحسب ما نقلته صحيفتا "نيويورك تايمز" و"وول ستريت جورنال"، في ولايات ذات توجه جمهوري تقليدي، من بينها تكساس وكارولاينا الجنوبية وكانساس.

ورغم أن هذا التحول السياسي لا يسلب الرئيس دونالد ترامب صلاحياته التنفيذية كقائد أعلى للقوات المسلحة، إلا أنه ينهي مرحلة التمرير السلس لسياساته.

إن سيطرة الديمقراطيين، بقيادة حكيم جيفريز، تُعيد تفعيل سلطة الرقابة والمالية للكونغرس، حيث بات بإمكان الأغلبية الجديدة:

• فتح تحقيقات موسعة: واستدعاء كبار المسؤولين في الإدارة، بما في ذلك مسؤولي وزارة الحرب والخارجية، للمساءلة حول كلفة الحرب مع إيران وجدواها.

• عرقلة التعيينات الرئاسية: التي تتطلب موافقة مجلس الشيوخ، مما يمنح الديمقراطيين ورقة ضغط قوية على تركيبة الإدارة في سنتين حاسمتين قبل انتخابات 2028.

• الرقابة المالية والتمويل: فرض قيود صارمة على ميزانيات الدفاع، وقوانين العقوبات، والتمويل العسكري الخارجي، واشتراط الشفافية في أي عملية عسكرية موسعة، فضلاً عن كبح التحركات في ملفات أخرى كأوكرانيا وكوبا.

وبذلك، لم يعد ترامب رئيساً عاجزاً، لكنه لم يعد رئيساً مطلق اليد. كل قرار كبير سيصبح موضوع مساومة ومواجهة. وهذا هو جوهر التحول: من حكم منفرد إلى حكم تحت المساءلة.

2. تصدع التحالف الاستراتيجي: قرار إنهاء المساعدات وفجوة التمويل

على عكس السائد تاريخياً حول الدعم المطلق للكيان الصهيوني، كشفت نتائج الانتخابات الأمريكية عن تراجع غير مسبوق لمكانة الكيان داخل أروقة الكونغرس. واعتبرت "نيويورك تايمز" أن الأداء القوي للديمقراطيين، الذين يوجه بعضهم انتقادات حادة للحرب في قطاع غزة، أدى إلى تقلص عدد أصدقاء الكيان في الكونغرس، وعمّق شعوره المتنامي بالعزلة الدولية.

ويتزامن هذا التراجع مع قرار مفاجئ اتخذه ترامب بإعلان إنهاء المساعدات العسكرية السنوية للكيان الصهيوني البالغة 4 مليارات دولار بحلول نهاية 2026، بحجة أن الكيان دولة مزدهرة لم تعد بحاجة لدعم يثقل كاهل الميزانية الأمريكية، متجاوزاً بذلك مذكرة التفاهم الموقعة عام 2016 والتي كان من المفترض أن تنتهي عام 2028.

هذا القرار يضع حكومة الاحتلال أمام أزمة خطيرة، خصوصاً مع تسريبات وزارة الخارجية الأمريكية التي تؤكد وجود فجوة تمويلية تزيد عن 10 مليارات دولار لتغطية صفقات أسلحة طلبتها تل أبيب بالفعل. ومع هيمنة الجناح التقدمي والديمقراطيين على اللجان المختصة في الكونغرس، أصبح الكيان مهدداً بفرض اشتراطات صارمة على شحنات الأسلحة ومراجعة شفافة لآليات استخدام الدعم.

إن ما جرى يعني أن زمن "الشيك المفتوح" قد انتهى؛ فالصوت الدعم بات مشروطاً ومراقباً ومحل مساومة داخلية أمريكية. وقد استُغل هذا التحول مباشرة كأداة هجومية ضد نتنياهو في الداخل الصهيوني، حيث صرح خصمه غادي أيزنكوت علناً بأن معرفة الصهاينة بهذا التحول الاستراتيجي عبر وسائل الإعلام تثبت أن سياسات نتنياهو باتت تشكل خطراً حقيقياً على التحالف الوجودي مع الولايات المتحدة.

3. مأزق نتنياهو الداخلي: ثلاثية المناورة للبقاء

في المقابل، يواجه بنيامين نتنياهو رفضاً عارماً لاستمرار حكومته التي تُحمَّل مسؤولية الفشل الأمني في أحداث 7 تشرين الأول / أكتوبر 2023. وفي محاولة لمنع تشكيل حكومة بديلة برئاسة رئيس الأركان السابق غادي أيزنكوت، ينتهج نتنياهو استراتيجية قائمة على ثلاثة مسارات متداخلة:

• 1. نزع الشرعية عن الصوت العربي: شن حملات إعلامية وتجييش عنصري يهدف لتقليل قيمة الصوت العربي، رغم حصول الأحزاب على 19 مقعداً في الكنيست، لحرمان معسكر التغيير من دعمها، وهو ما حذر منه رونين برغمان في "يديعوت أحرونوت".

• 2. توظيف المؤسسة الأمنية: الاستعانة بديوان رئاسة الوزراء لتوجيه الشرطة وجهاز "الشاباك" في ملفات التدخل والتزوير، وهو ما حذر منه عاموس هرئيل في "هآرتس" باعتباره اعتداءً على استقلالية الأجهزة وإقحاماً لها في الصراع الحزبي.

• 3. التصعيد الميداني في الضفة الغربية: استغلال هجمات المستوطنين والتصعيد الميداني كأداة لتثبيت الوقائع على الأرض وإرضاء اليمين المتطرف، واعتبار الضفة جبهة إضافية في معركة البقاء.

ورغم اتجاه خصوم نتنياهو للتكتل، إلا أن التناقضات الداخلية المعقدة، وعلى رأسها الرفض القاطع من أفيغدور ليبرمان للتعاون أو الاستناد إلى الكتل العربية وشروط أيزنكوت، تُبقي مسألة حسم الأغلبية معقدة ومفتوحة على كافة السيناريوهات.

4. تصاعد الانقسام داخل الإدارة الأمريكية ومناورة الحرب مع إيران

تتقاطع أزمة نتنياهو مع حسابات واشنطن في الملف الإيراني؛ حيث يسعى رئيس حكومة الاحتلال لدفع الإدارة الأمريكية لاستئناف الضربات العسكرية ضد طهران، باعتبار التصعيد الشامل الوسيلة الوحيدة لتأجيل الاستحقاقات السياسية الداخلية وإعادة توحيد الشارع الصهيوني خلف قيادته.

لكن هذا المسعى يصطدم بانقسام واشتعال خلافات حادة داخل البيت الأبيض نفسه:

• تيار التهدئة ("أمريكا أولاً"): يقوده نائب الرئيس جي دي فانس، الذي اتهم نتنياهو في أحاديث خاصة بأنه "مخطئ في كل شيء فيما يتعلق بإيران"، معتبراً أن التورط في هذه الحرب هو السبب المباشر لخسارة الجمهوريين للانتخابات النصفية.

• تيار التصعيد: يمثله وزير الحرب بيت هيغسيث، الذي تعرض لمراجعات مستمرة حول مبالغته في تقدير قدرة واشنطن على حسم المواجهة مع إيران بسرعة وسط تمسك ترامب به.

عرض الحجة المضادة بإنصاف: يرى مؤيدو التصعيد في واشنطن وتل أبيب أن المواجهة مع إيران ليست مناورة انتخابية، بل ضرورة أمنية استراتيجية لووقف البرنامج النووي ومنع طهران من استعادة قدراتها الصاروخية، وأن أي تراجع سيُفسر كضعف يشجعها على التصعيد. ورغم جدية هذه الحجة، يظل السؤال المركزي قائماً: هل يُتخذ قرار الحرب وفق حسابات استراتيجية خالصة، أم تحت ضغط حسابات البقاء السياسي؟

5. أدوات الرد الإيراني وكلفة الانزلاق الإقليمي

إن المراهنة على ضربة سريعة أو حاسمة ضد إيران تفتقر إلى الواقعية الاستراتيجية؛ فطهران ترى في نتائج الانتخابات الأمريكية دليلاً على ضعف ترامب وتراجع غطائه السياسي، وتملك أدوات رد فعل مجربة:

• الرد المباشر: عبر الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة واستهداف القواعد والمنشآت الحيوية الأمريكية في المنطقة.

• جبهات المحور المتزامنة: تحريك شبكة الحلفاء من لبنان إلى اليمن والعراق لفتح جبهات استنزاف متزامنة.

• ورقة الطاقة والممرات: استهداف الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب، وهو ما يرفع أسعار النفط فوراً ويؤلم الناخب الأمريكي مباشرة في محطة الوقود.

إن تجدد الحرب الإقليمية لن يتوقف عند حدود ضربات متبادلة، بل سيضع القوات والمصالح الأمريكية تحت تهديد مستمر. وفي ظل كونغرس يرفض التمويل المفتوح وشارع أمريكي يعاقب المسؤولين عن ارتفاع تكاليف المعيشة، فإن أي تصعيد واسع قد يتحول إلى النقطة التي تُنهي شكل الوجود العسكري والاستراتيجي الأمريكي القائم في المنطقة.

الخلاصة: معضلة الديمقراطية في زمن الحروب

تضع هذه المعطيات كلاً من الولايات المتحدة والكيان الصهيوني أمام اختبار جوهري لفكرة الديمقراطية؛ فهل تملك المؤسسات والقيود التشريعية القدرة على صون نتائج الاقتراع وتأمين الانتقال السياسي؟ أم أن اعتبارات البقاء في السلطة لدى نتنياهو وترامب ستظل قادرة على استدعاء الأزمات الأمنية والحروب الإقليمية لتعطيل إرادة الناخبين؟

إذا نجح الكونغرس في فرض رقابته ونجحت المعارضة الصهيونية في تشكيل حكومة تحترم نتائج الانتخابات، فقد تكون هذه بداية تصحيح تاريخي: أمريكا تعود إلى الداخل، والكيان يعود إلى حدود السياسة. أما إذا نجح نتنياهو في جر المنطقة إلى حرب مفتوحة، فإننا لن نكون أمام حرب أخرى فحسب، بل أمام لحظة انكسار تشمل التحالف القديم، الوجود العسكري الإقليمي، وفكرة أن الحرب وسيلة مجانية للبقاء في السلطة.

المصادر المعتمدة في التحليل:

أكسيوس، وول ستريت جورنال، نيويورك تايمز، سي إن إن، فوكس نيوز، هآرتس، يديعوت أحرونوت، بالإضافة إلى تقارير وزارة الخارجية الأمريكية.