تشريح هزيمة الجمهوريين الصاخبة: عندما يسقط الوهم السياسي في صناديق الاقتراع لن تجدي شيطنة فوكس نيوز !
مقالات
تشريح هزيمة الجمهوريين الصاخبة: عندما يسقط الوهم السياسي في صناديق الاقتراع لن تجدي شيطنة فوكس نيوز !
مهدي مبارك عبد الله
6 تشرين الثاني 2026 , 17:08 م

د . مهدي مبارك عبد الله

تصريحات دونالد ترامب الأخيرة عبر منصة تروث سوشيال تكشف عن عمق الأزمة النفسية والسياسية التي يعيشها التيار اليميني الشعبي بعد صدمة انتخابات التجديد النصفي وإن محاولة توجيه غضب الخسارة نحو قناة فوكس نيوز واتهامها بالخيانة لمجرد استضافتها لشخصيات ديمقراطية مثل رئيس بلدية نيويورك الأسبق بيل دي بلاسيو لا تعكس سوى حالة من الإنكار السياسي الرافض للاعتراف بالحقيقة الساطعة التي اظهرتها هذه الهزيمة المدوية التي تلقاها الحزب الجمهوري في معركة الكونغرس وحكام الولايات حيث لم تكن وليدة مؤامرة إعلامية بل كانت نتيجة طبيعية لخيارات استراتيجية واقتصادية وتصعيدية أرهقت الكاهل الأمريكي وهددت الاستقرار العالمي.

لقد رفض ترامب وعبر أدبياته الهجومية المعتادة قبول حقيقة أن الناخب الأمريكي قد سئم من لغة الوعيد وبث الخوف التي طبعت المشهد السياسي طوال المرحلة الماضية حيث تحولت صناديق الاقتراع إلى محاكمة شعبية علنية للسياسات التي وضعت المواطن في مواجهة مباشرة مع الأزمات المعيشية الطاحنة وبدلاً من قراءة تفاصيل الأرقام والنتائج التي أفقدت الجمهوريين سيطرتهم المريحة في مجلسي الشيوخ والنواب جاء هروب ترامب إلى الأمام عبر شيطنة الوسائل الإعلامية التي كانت يوماً حليفاً استراتيجياً له مما يوضح عجزاً كاملاً عن تقديم نقد ذاتي حقيقي للمسار الحزبي والسياسي.

اللافت إن اصرار ترامب على استخدام مصطلحات تقليل الشأن للحزب الديمقراطي مثل دوموكرات بدلاً من ديموكرات يوضح أن العقلية السياسية المحركة لهذا التيار ما زالت حبيسة الاستقطاب الحاد والشتائم اللفظية القذرة في وقت كان المواطن ينتظر فيه حلولاً ملموسة لمشكلاته حيث أثبتت هذه الانتخابات أن لغة التقليل والتحقير من الخصوم لم تعد كافية لجذب كتلة الناخبين المستقلين أو الحفاظ على القواعد المتذبذبة لان الجمهور الأمريكي الذي توجه إلى الصناديق لانتخاب جميع أعضاء مجلس النواب وثلث أعضاء مجلس الشيوخ كان يبحث عن استقرار تشريعي واقتصادي وليس عن جولات صراع شخصية مستمرة لا تسمن ولا تغني من جوع.

الارتفاع الجنوني في أسعار الطاقة والوقود مثل القشة التي قصمت ظهر البعير في هذه المعركة الانتخابية حيث تحولت فواتير النفط والغاز إلى أزمة وطنية داخل كل بيت أمريكي حيث وجد المواطن نفسه ضحية لسياسات حافة الهاوية والتهديدات النفطية الدولية التي انعكست مباشرة على محطات الوقود وفواتير التدفئة المنزلية المتصاعدة وهذا الإرهاق اليومي المستمر في حياة العائلات شكل دافعاً رئيسياً لمعاقبة النهج اليميني المتهور الذي يفضل المعارك الجيوسياسية الكبرى وتصفية الحسابات الشخصية على حساب تأمين لقمة العيش وضمان أمن الطاقة الداخلي بأسعار معقولة تناسب الطبقة الوسطى.

الحقيقة الواضحة ان ازمة الطاقة تلاقت مع موجة تضخمية عاتية طحنت القوة الشرائية للأسر الأمريكية وجعلت من تأمين الاحتياجات الأساسية عبئاً لا يطاق وإن تجاهل الخطاب الجمهوري لمعاناة المواطن مع ارتفاع أسعار السلع والخدمات وتدني قيمة الأجور مقابل التركيز على قضايا أيديولوجية وصراعات نفوذ خلق فجوة هائلة بين قيادة الحزب والشارع خاصة وان الناخب في المحصلة لا تهمه النزاعات الحزبية بقدر ما يهمه الحفاظ على استقراره المالي، وهو ما جعله يوجه صفعة انتخابية مدوية للتيار الذي اعتقد أن الشعارات الرنانة يمكن أن تغطي على جيوب المواطنين الخاوية.

عمليا لم تقتصر أسباب السقوط المدوي على الجانب المعيشي الداخلي فقط بل امتدت لتشمل حالة القلق العارم من السياسة الخارجية القائمة على نشر الخوف والتلويح الدائم بالحروب والنزاعات المسلحة وادارة الملفات الدولية عبر منطق القوة الغاشمة وتهديد العالم بأم القنابل والترسانات النووية والتي خلقت انطباعاً داخلياً ودولياً بأن القيادة الجمهورية تقود البلاد نحو مغامرات غير محسوبة العواقب وهذا النهج المرعب دفع الكتلة التصويتية الصامتة إلى تفضيل خيار التوازن والتعقل لفرملة اندفاع ترامب نحو سيناريوهات كارثية قد لا تجد أمريكا مخرجاً منها.

لعل الخطيئة الكبرى في هذا المسار تتجلى بنجاح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في التغرير بالقرار السياسي الأمريكي ودفع ترامب نحو مواجهة عسكرية ومباشرة ومفتوحة مع إيران تشمل قصف منشآتها الحيويّة حيث تحولت واشنطن بفعل هذا التوجيه الإسرائيلي الممنهج إلى أداة لتنفيذ طموحات إقليمية لا تخدم المصالح القومية الأمريكية العليا والامر استمرار هذا الانسياق الأعمى خلف أجندة اليمين الإسرائيلي المتطرف أظهر القيادة الأمريكية في مظهر التابع المستعد لتفجير الشرق الأوسط وإشعال حرب استنزاف إقليمية طويلة ومكلفة دون وجود أي ضرورة استراتيجية تبرر هذا التورط .

إن خوض حروب استنزاف طويلة ومعقدة في مناطق متعددة من العالم استهلك موارد الدولة الأمريكية وأرهق ميزانيتها دون تحقيق أي عوائد استراتيجية ملموسة للمواطن العادي وبدلاً من توجيه أموال دافعي الضرائب نحو تحسين البنية التحتية المتآكلة وتطوير قطاعي التعليم والرعاية الصحية تبددت المليارات في صراعات مسلحة لا نهاية لها وهذا النزيف المالي والعسكري المستمر ولد قناعة راسخة لدى الناخب بأن الأجندة الحزبية الحالية تفضل تمويل الآلة العسكرية وحماية المصالح الخارجية على حساب الاستثمار في الإنسان الأمريكي وأمنه الداخلي .

محاولة ترامب تحميل قناة فوكس نيوز مسؤولية الهزيمة جاءت لتكشف عن رغبة دفينة في تحويل الإعلام إلى بوق دعائي مطلق لا يرى ولا يسمع إلا ما يرضي طموحات الزعيم لإن مجرد استضافة القناة للمعارضة الديمقراطية يعبر عن التزام بحد أدنى من التوازن الإعلامي المفروض في المشهد الأمريكي لكن العقلية الإقصائية ترى في هذا التوازن خيانة موصوفة وهذا الهجوم غير المبرر على منصة إعلامية صنعت جزءاً كبيراً من هالة ترامب السياسية يعكس تفكك الجبهة اليمينية وبداية مرحلة تآكل التحالفات التقليدية نتيجة الفشل في إدارة الأزمات.

على الجانب الاخر ان نتائج انتخابات الحكام في ست وثلاثين ولاية والمناصب المحلية الأخرى أوضحت أن الوعي السياسي للناخب الأمريكي يتجاوز بكثير السجالات السطحية التي تدور على وسائل التواصل الاجتماعي حيث لم تعد الشعارات الرنانة قادرة على حجب حقيقة الأرقام والتضخم وان السياسية الغفرانية قد انتهت صلاحيتها وأن البقاء في السلطة يتطلب بناء برامج حقيقية قادرة على مواجهة التحديات المعقدة وليس مجرد الصراخ والشكوى المستمرة من الخصوم السياسيين والإعلاميين.

بالنظر إلى التركيبة التشريعية قبل هذه الانتخابات كان الجمهوريون يمتلكون أغلبيات ضئيلة وهشة في مجلسي الشيوخ (53 مقعداً) والنواب (218 مقعداً) وإن أي خسارة في هذه المعركة النصفيّة تعني شللاً كاملاً للقدرة على المناورة السياسية وان الهزيمة الحالية لم تكن مجرد خسارة مقاعد بل كانت تبديداً لرأس مال سياسي تم بناؤه بصعوبة لان هذا التراجع الحاد يعكس رفضاً شعبياً شاملاً للسياسات التشريعية التي حاول الحزب فرضها والتي ركزت على الصراعات الحزبية الضيقة وتجاهلت التشريعات التي تهم الحياة اليومية للمواطنين .

توالي مجريات الأحداث اثبت أن التهديد المستمر للعالم بالسلاح النووي والسياسات الهجومية المتهورة لم يعودا صالحين كأدوات للضغط السياسي أو لجمع الأصوات حيث أدرك المجتمع الأمريكي أن هذه العنتريات السياسية تزيد من عزلة الولايات المتحدة الدولية وتدفع حلفاءها التقليديين للبحث عن بدائل وأسواق أكثر استقراراً وأماناً وان هذا الانعزال الدولي والتهديد الدائم باستقرار الكوكب خلقا حالة من النفور لدى النخب الاقتصادية والاجتماعية الأمريكية التي رأت في هذا النهج خطراً وجودياً على مصالح أمريكا الاستراتيجية ومكانتها العالمية.

الواقع الجديد المؤلم يوجب على ترامب أن يتعلم أدب الحديث عن الهزيمة والاعتراف بالفشل بدلاً من التباكي على شاشات التلفزة ومنصات التواصل الاجتماعي لإن احترام الإرادة الشعبية وقبول نتائج الصندوق هما جوهر العملية الديمقراطية التي سمحت له يوماً بالوصول إلى سدة الحكم في ذات الوقت إن استمرار نبرة التعالي والإنكار يضر بصورة الحزب الجمهوري بأكمله ويظهره ككيان سياسي عاجز عن استيعاب الدروس والعبر ومع كل ذلك لن يستقيم المسار السياسي لليمن الأمريكي ما لم يتخلص من عقدة المظلومية ويواجه الحقائق الميدانية بشجاعة ومسؤولية.

ختاما : ان معطيات هذه المعركة الانتخابية تظل شاهداً على أن الغطرسة السياسية والهروب من المسؤولية لا يصنعان نصراً وإن السقوط المدوّي في انتخابات التجديد النصفي هو النتيجة الحتمية لإهمال قضايا المواطن الأساسية والانسياق خلف الإملاءات الخارجية وإشعال الحروب العبثية وتحويل العمل السياسي إلى حلبة صراع شخصي وما لم تتغير هذه العقلية وتدرك أسباب الفشل الحقيقية الكامنة في جوهر سياساتها، فإن المسار القادم لن يحمل سوى مزيد من الانكسارات السياسية التي لن تفلح في حجبها كل بيانات التشويه الموجهة ضد الإعلام أو الخصوم الديمقراطيين .

كاتب وباحث متخصص في الشؤون السياسية

[email protected]