كتب الأستاذ حليم خاتون: حكومة ميقاتي، تخدير حتى متى؟
دراسات و أبحاث
كتب الأستاذ حليم خاتون: حكومة ميقاتي، تخدير حتى متى؟
حليم خاتون 26 أيلول 2021 , 07:00 ص
كتب الأستاذ حليم خاتون:  تنفس اللبنانيون الصعداء... خارج كل التوقعات تألفت حكومة أخذت الثقة بسرعة قياسية، ثم طار رئيسها إلى فرنسا حاملا معه شنطا وأكياسا فارغة لعل ماكرون يملؤها له، أو على الأقل، ي

كتب الأستاذ حليم خاتون: 

تنفس اللبنانيون الصعداء...
خارج كل التوقعات تألفت حكومة أخذت الثقة بسرعة قياسية، ثم طار رئيسها إلى فرنسا حاملا معه شنطا وأكياسا فارغة لعل ماكرون يملؤها له، أو على الأقل، يدعوا الى مؤتمر دولي للإستعطاء من أجل تعبئتها... 

أمس على المنار، كان الشيخ نعيم قاسم مرتاحاً أكثر من أية مقابلة سابقة...

بدا وكأن تأليف الحكومة أزال عبئا كبيرا عن كاهل حزب الله...

مقابلة الشيخ مع الإعلامي عماد مرمل على المنار جاءت وكأن الأمور "خلص"؛ كل شيء سوف يكون على ما يرام...!!

حزب الله يعلم أن الأمور أكثر تعقيدا بكثير مما يحاول الإيحاء به... لكنه يبدو مطمئناََ... 
في النهاية هو يعرف أنه يستطيع دوما تصويب الأمور...

ألم يخرج للتو من عملية كسر حصار على ثلاث دول، ثم "مرمغة" أنف أميركا بالتراب بتحطيم قانون قيصر، ليصل إلى (بلً) قبري سايكس وبيكو بعد تمزيق الحدود الوهمية التي اخترعها الانتداب الفرنسي البريطاني لبلاد الشام...

السؤال البديهي هو:
على ماذا يستند الشيخ قاسم في هذه الراحة؟
هل عقدة الحكومة كانت داخلية فعلا، كما قال؟

كأن الشيخ لا يريد صدم الشركاء في الوطن أكثر، بما فعلته باخرة المازوت... 

على كلُِِ، هذه من عادات حزب الله... 
عدم إظهار فائض القوة الذي نشكر الله عليه صبحا ومساءََ، حرصاََ على بعض هؤلاء الشركاء من أن "يقعوا فيها"...
حرص، نحن ملزمون على شكر الله عليه رغم التمني بأن "يقعوا فيها" فعلا...

المهم، أن التطورات الأخيرة أدت إلى أن يريد الكل أن تتألف هذه الحكومة، وبأسرع ما يمكن...
كل واحد له أسبابه...

لكن الداخل كما الخارج، الكل أراد هذه الحكومة، فخرجت إلى النور دون أن يكون في الأفق حتى كهرباء...

حتى الذين لم يعطوا هذه الحكومة الثقة، كانت الخشية قد بدأت تدخل قلوبهم مما يخبئه لهم حزب الله من مفاجآت... كذلك كان أمر مراجعهم الإقليمية والدولية...

الداخل في لبنان هو في الحقيقة ثلاثة تيارات غير واضحة المعالم، تتداخل أحياناً... لكن خيطا رفيعا يفرق بعضها عن البعض الآخر...

١- الفريق الأول، هو الفريق الأقل تأثيرا في واقع الامر، ويحوي مخلوطة من التيارات تبدأ مع القوات والكتائب ولا تنتهي مع عشرات جمعيات المجتمع المدني  التي بأصل، والتي بلا أصل...

كان هذا القسم يتمنى، وكان يعمل  على "فركشة" كل ما يمكن "فركشته"، أملا أن يدفع اليأس الناس إلى الإنتفاض على المقاومة خدمة للسعوديين والأميركيين...

كان يعوًل كثيرا على أن صراخه وصراخ البطرك قد أصاب حزب الله بعقدة الفائض (عكس عقدة النقص)

هم يسرحون ويمرحون طالما الحزب منكفئ ولا يريد إظهار عضلاته... (إذا غاب القط، يسرح الفأر)...

هؤلاء فوجئوا بأن حزب الله تحرك بعد صبرِِ كاد يعتب عليه الصبر...
 أصابتهم صدمة زاد من تأثيرها ما رأوه من عجز الإقليم وأميركا عن الرد، بل وحتى القبول بالسير بالحكومة "كيف ما كان"...

٢- القسم الثاني، يضم كل أهل السلطة خارج حزب الله...من المستقبل وأمل والاشتراكي... مرورا بعون وفرنجية... ووصولا إلى القومي السوري وبقايا بقايا ما بقي من حركة وطنية ليس لها تأثير هذه الأيام كما لم يكن لها تأثير أيام عزها، حيث لم تستطع حتى فرض برنامج إصلاحي مرحلي تجاوز قليلا فقط إصلاحات الرئيس فؤاد شهاب...

هؤلاء أرادوا ويريدون حكومات على هذه الشاكلة، لأن هذا ملعبهم منذ أن جعل اتفاق الطائف لبنان، شركة مساهمة غير محدودة إسميا، لكنها تقع تحت سيطرة اركان هذا القسم فعلياََ...

كل ما يهم هؤلاء هو ورود مزيد من الأموال بغض النظر عن طبيعتها...

هم يتحدثون عن هبات وقروض.
أما الهبات، فهذا من سابع المستحيلات...
حتى لو فرضنا جدلا أن أحدا ما قرر التبرع لهذا البلد بمليار، أو إثنين، أو حتى خمسة...
ماذا سوف تفعل هذه المليارات لإطفاء خسائر تزيد على مئة مليار دولار...

هم يعولون أيضاً على قروض بمليارات الدولارات في حين أن  كل مصائبنا ناشئة عن قروض اخذتها نفس هذه الاطراف، وأدارت قسما صغيرا منها بشكل رديء ونهبت الباقي...

لكن حتى لو جاءت هذه  التبرعات والقروض... كيف سوف يتم التعامل معها...

إنها نفس الطبقة الحاكمة، ونفس الاحزاب التي أطاحت خلال ثلاثة عقود ب ٢٥٠ مليار دولار، لنخرج بعدها دون ماء ولا كهرباء ولا سكك حديد، ولا مواصلات عامة مشتركة، مع أملاك بحرية ونهرية مصادرة من قبل الأزلام، وذهب لا نعرف عنه شيئا، ومؤسسات قطاع عام مهترئة، وخسائر مصرفية زادت على ١٤٠ مليار، واحتياط إلزامي مجهول المحل والإقامة...

ما هي خطة هؤلاء؟
وحده الله يعلم... لكن المثل يقول إن المؤمن لا يُلدَغ من جحر مرتين...
فإما أننا لسنا من المؤمنين، وإما أن العقارب والثعابين باتت لا تلدغ...

ما هي خطة هؤلاء...؟؟!!
المكتوب يُقرأ من العنوان...
سنتان من مراسيم رياض سلامة الهمايونية تكفي للتدلال على ما سوف يحصل...

مسكين الدكتور شربل نحاس...
لا يزال ينتظر أعجوبة القيام بتوزيع عادل للخسائر.

هؤلاء بدأوا ومنذ زمن طويل بتوزيع عاطل لهذه الخسائر.

منذ ١٧ تشرين ومسرحيات إقفال المصارف بسبب وبغير سبب، وفرض هيركات(Hair cut)، غير معلن تراوح بين ٢٥  و٨٥٪، ومنع فرض الكابيتال كونترول رسميا بحجج واهية، وفرضه فعليا على من ليس من بطانة هؤلاء...
كل هذا، سمح للمصارف بمحو حوالي عشرة مليارات دولار سنويا من الخسائر...

في نفس الوقت، جرى طبع الليرة بكميات أقل ما يقال فيها انها هدفت إلى ضرب سعر العملة الوطنية... 
المسؤول عن المحافظة على قيمة النقد، قام بضرب هذا النقد وسط قبول هذه الطبقة الحاكمة... لأن هذه الطباعة سمحت للمصرف المركزي الإدعاء بضآلة خسائره من جهة، وسمحت له بسحب الدولار الفريش من السوق عبر المبادلة مع أوراق إجرائية صحيحة لكن لا قيمة فعلية لها...

بمعنى آخر، قام رياض سلامة عبر المصارف والصرافين بتقليص الخسائر بمعدل حوالي ٦ إلى ٧ مليار دولار سنويا عبر هذه الطريقة...

اليوم وبعد سنتين من انفجار الأزمة، يقول الاقتصاديون أن الخسائر عادت إلى ما بين ١٠٠ و١١٠ مليارات دولار...

ما سوف تفعله هذه الطبقة وهذه الأحزاب هو تخدير الناس ما بين ٥ إلى ١٠ سنوات عبر هذه القروض... يكونوا في آخرها قد استطاعوا محو معظم ديون المصارف عبر تحميل الخسائر حصرا :

١- للمودعين عبر الهيركات المذكور أعلاه والذي لم ولن يتوقف...

٢- لعامة الناس عبر طبع ليرات لامتصاص كل الفريش دولار الذي سوف يدخل إلى لبنان، فيتحمل هؤلاء الخسارة عبر رواتب وأجور فقدت أكثر من ٨٠-٩٠٪ من قيمتها...

بما أن صندوق النقد لا يثق بهذه الطبقة ويعرف سلفا أنها لن تتوقف عن السرقة، فهو رفع الزمن المطلوب لمحو الخسائر إلى ١٩ إلى ٢٠ سنة...

٣- أما القسم الثالث الذي عمل لاجل هذه الحكومة، فهو حصراََ حزب الله...
لماذا وضع الحزب وحده في هذا الموقع؟
عدة أسباب تفرض هذه الوضعية:
١-حزب الله، كمؤسسة حزبية، لم يدخل في عالم الفساد حتى اليوم، ويبدو أنه لا زال بعيدا عنها، على الأقل كمؤسسة... لأن الأفراد ليسوا معصومين... ويبدو أن الحزب لا يزال يسيطر على الوضع عنده رغم الإنفلاشات الأخيرة... 
٢- يبدو أن الحزب الذي يتسلح بصبر غير عادي، لا يتورع عن كسر الخطوط الحمر في اللحظة ما بعد الأخيرة...
هو يصبر حتى بداية وقوع المصيبة ، ثم ينبري غير آبه لما سوف يحصل حتى لو تحدى وقد تحدى فعلا ليس فقط إسرائيل بل حتى اميركا وكامل حلف الاطلسي في أكثر من مرة...

٣- يبدو أن حزب الله الذي لا يريد استعمال فائض القوة عنده إلا حين يُجبر على ذلك، عنده من المؤسسات ومن الإجراءات ما يكفي لكي يقوم دوما بمثل ما قام به مع باخرة المازوت ما سوف يفرض، نمواََ مضطردا في شعبيته التي خرجت منذ زمن من الحصار،  ولم تعد محصورة بالطائفية الشيعية...

شركة الأمانة لعبت دور وزارة الطاقة، القرض الحسن يلعب دور بيت المال أو المصرف الاسلامي، مؤسسة الجرحى تلعب دور وزارة الشؤون الإجتماعية، ومعها مؤسسات الأيتام والعجزة...
المدارس والكليات التابعة، لها ادارات تستطيع أخذ دور وزارة التربية... إلى آخر ما هنالك من مؤسسات...

المرحلة المقبلة سوف تشهد تنافسا حادا بين فريقين في هذه الحكومة.
فريق حزب الله من جهة، وكل الفرقاء الباقين من جهة أخرى...

كلما أخطأ فريق الطبقة الحاكمة، وهو سوف يرتكب الأخطاء المميتة لأنه معتاد على استباحة البلد واستباحة ماليته العامة، سوف يضطر حزب الله للتدخل...

شيئا فشيئا سوف يضطر حزب الله الى لعب دور السلطة كاملة بتصفيق من الجماهير التي سوف تحييه كما حيّت مشروع توزيع المازوت مع الباخرة الاولى...

هل حزب الله معصوم عن الخطأ؟

بالتأكيد لا. لذلك على جماهير الحزب أن لا تسمح لأي خطأ بالحدوث... هذا واجب شرعي...
النقد البناء واجب على كل ملتزم مؤمن...

رغم أن حصانة الحزب أساساً، تنبع من تجربة الثورة الإسلامية في إيران، والتي يجب أن نحرص دائما على أن يتمثل بها ومنها، حزب الله... فالرقابة الشعبية واجبة...

حتى الخصخصة في الجمهورية الإسلامية انتهت في النهاية إلى أيدي عامة الناس...
هذا ما يجب الحرص عليه في لبنان لمنع حيتان المال والمصارف من ابتلاع المؤسسات والأملاك العامة لصالح أفراد وعائلات ومجموعات احتكارية ستعمل لصالحها وليس، لا لصالح عامة الناس، ولا لصالح البلد...
                        

المصدر: موقع إضاءات الإخباريي